أثار مقترح غير رسمي بشأن ربط الليرة السورية بالريال السعودي بدلاً من الدولار الأميركي نقاشاً واسعاً في الأوساط السورية، في وقت تمر فيه السياسة النقدية في دمشق بمرحلة إعادة تشكيل بدأت مع إطلاق العملة السورية الجديدة مطلع عام 2026.
ويطرح الخبير الاقتصادي جورج خزام تصوراً يتجاوز مجرد ربط سعر الصرف بعملة أجنبية، إلى إمكانية استخدام الريال السعودي في التداول بدلاً من الليرة السورية، مستنداً إلى ما يراه من مزايا الاستقرار النقدي الذي يوفره الريال المرتبط بالدولار.
مليارات الليرات.. كم تساوي؟
لم يلقى هذا الطرح، حتى الآن، أي تجاوب رسمي من مصرف سوريا المركزي، كما لا توجد، إشارة رسمية إلى وجود مفاوضات سورية سعودية بشأن استبدال الليرة بالريال أو ربط العملتين بهذا الشكل، بل إن مصرف سوريا المركزي أكد في كانون الثاني/يناير الماضي أن الليرة السورية الجديدة هي “الرمز الوحيد للسيادة النقدية الوطنية”، مشيراً إلى أن تنظيم تداول العملات الأجنبية يختلف عن عملية استبدال العملة الوطنية.
ويرى خزام، وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن طرح الريال السعودي كعملة متداولة بدلاً من الليرة السورية يمكن، من وجهة نظره، أن يشكل أحد الخيارات لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي والأسعاري في سوريا، إذا توافرت الشروط السياسية والاقتصادية اللازمة لتطبيقه.
ويستند الخبير في طرحه إلى تقدير حجم الكتلة النقدية القديمة التي جرى استبدالها، مشيراً إلى أن إجمالي كمية الليرة السورية القديمة التي يتحدث عنها، والمقدرة بنحو 42 تريليون ليرة، تعادل، وفق سعر الصرف الذي يستخدمه في حساباته، بضعة مليارات من الدولارات فقط.
ويقارن هذا الرقم بحجم الإنفاق السوري على استيراد السيارات، معتبراً أن قيمة الكتلة النقدية التي يتحدث عنها ليست كبيرة، من وجهة نظر الاقتصاد السعودي، إلى الحد الذي يجعل استبدالها بالريال أمراً مستحيلاً من الناحية النظرية.
الريال بديل التسعير
يقترح خزام، في هذا السيناريو، اعتماد الريال السعودي كعملة للتداول والتسعير، مستفيداً من ثبات سعر صرفه أمام الدولار، حيث يبلغ السعر الرسمي للريال السعودي 3.75 ريال مقابل الدولار، وهي سياسة يؤكد البنك المركزي السعودي التزامه بها باعتبارها ركيزة للاستقرار النقدي والمالي في المملكة.
يرى الخبير أن استخدام الريال السعودي قد يؤدي، بحسب تصوره، إلى تثبيت وحدة التسعير والدخل، وبالتالي الحد من التقلبات التي تنتقل من سوق الصرف إلى أسعار السلع والخدمات، بما يساعد على حماية القوة الشرائية واستقرار الطلب، ومن ثم الحفاظ على الإنتاج.
ويضيف أن تداول الريال بدلاً من الليرة يعني، في تقديره، الحد من قدرة المصرف المركزي السوري على إصدار النقود لتمويل النفقات، الأمر الذي سيجعل المسؤولين، بحسب رؤيته، أكثر اضطراراً إلى دعم الإنتاج المحلي وتقليل المستوردات وزيادة النشاط الاقتصادي بهدف رفع التحصيل المالي وتحريك الدورة الاقتصادية.
من العملة إلى التكامل
يذهب خزام إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن مثل هذا الخيار يمكن أن يشكل، على المدى الطويل، خطوة باتجاه تكامل اقتصادي أوسع مع السعودية، وصولاً إلى ما يصفه بوحدة اقتصادية محتملة.
لكن تطبيق مثل هذا التصور، إذا انتقل من إطار المقترح الشخصي إلى النقاش الرسمي، لن يكون مجرد عملية استبدال للأوراق النقدية، بل تغييراً جوهرياً في بنية السياسة النقدية السورية، فربط العملة بعملة أخرى يفرض على الاقتصاد المحلي قيوداً كبيرة على إدارة السيولة وأسعار الفائدة والتمويل، ويجعل القدرة على استخدام أدوات السياسة النقدية المحلية محدودة.

ويختلف هذا الأمر جذرياً عن الخطوة التي نفذتها سوريا بالفعل في كانون الثاني الماضي، فقد أطلق مصرف سوريا المركزي العملة الجديدة بعد حذف صفرين من القيمة الاسمية، بحيث أصبحت كل 100 ليرة قديمة تعادل ليرة سورية جديدة، وأكد المصرف أن العملية لا تغير القيمة الحقيقية للأموال أو القدرة الشرائية للمواطنين، وإنما تعيد التعبير عن القيم النقدية بصورة أبسط.
وبالتالي، فإن الانتقال إلى استخدام الريال السعودي، إذا طُرح رسمياً في المستقبل، سيكون مختلفاً تماماً عن حذف الأصفار، لأنه يعني عملياً نقل جزء أساسي من عملية إدارة النقد إلى إطار مرتبط بعملة دولة أخرى.
الريال نفسه ليس حراً
تزداد حساسية المقترح بالنظر إلى طبيعة النظام النقدي السعودي نفسه؛ فالريال ليس عملة عائمة بصورة مستقلة، وإنما مرتبط بالدولار عند 3.75 ريال للدولار، وهي سياسة تعتمد على قدرة البنك المركزي السعودي واحتياطيات المملكة على الدفاع عن هذا السعر، وقد أكد البنك المركزي السعودي أن نظام الربط يمثل خياراً استراتيجياً للمملكة وعنصراً رئيسياً في استقرارها النقدي والمالي.
أما بالنسبة إلى سوريا، فإن نجاح أي نظام من هذا النوع سيحتاج إلى توافر موارد مستدامة من العملات الأجنبية، وقدرة على تمويل الواردات، وضبط المالية العامة، وزيادة الإنتاج والصادرات، إلى جانب ترتيبات مصرفية واضحة بين البلدين، كما سيحتاج إلى قرار سياسي وسيادي كبير، لا يمكن أن ينتج فقط عن تغيير سعر الصرف أو استبدال الأوراق النقدية.
ويأتي النقاش في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة بناء علاقاتها المالية والاقتصادية الخارجية، مع تحسن تدريجي في ارتباط سوريا بالنظام المالي الدولي، فمنذ أيام بدأت شركتا “فيزا” و”ماستركارد” تنفيذ معاملات بطاقات دولية في سوريا، في خطوة وصفها مصرف سوريا المركزي بأنها مهمة لإعادة بناء البنية المالية وربط البلاد بالنظام المالي العالمي.
وفي هذا السياق، يبقى مقترح خزام أقرب إلى رؤية اقتصادية شخصية مثيرة للجدل منه إلى خيار مطروح رسمياً، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول مستقبل الليرة السورية، وحدود قدرة السياسة النقدية الجديدة على تحقيق الاستقرار، وما إذا كانت دمشق ستتمسك ببناء عملة وطنية مستقرة، أم تبحث مستقبلاً عن ترتيبات نقدية أكثر ارتباطاً بعملات إقليمية قوية.

