لم يعد سعر الدولار في سوريا مجرد رقم يتابعه السوريون في نشرات الصرافة، بل تحول إلى مؤشر يومي يراقبونه قبل التوجه إلى الأسواق، في محاولة لمعرفة ما إذا كانت أسعار الغذاء والدواء والملابس وسائر السلع ستلحق بأي حركة جديدة في سعر الصرف.
غير أن العلاقة بين العملة والأسعار تبدو أكثر تعقيداً من معادلة بسيطة تقول إن ارتفاع الدولار يعني ارتفاع الأسعار، وإن تراجعه يستدعي انخفاضها بالقدر نفسه.
الدولار.. كلمة السر في السوق
في هذا السياق، يؤكد خبير اقتصاديات الأسعار الدكتور مظهر يوسف، أن المسألة ليست بالبساطة التي تختصرها معادلة “ارتفاع الدولار يساوي ارتفاع الأسعار”.
ويضع يوسف، التاجر أو البائع أو المنتج في موقع أكثر تأثيراً مما يُعتقد عادة في تحديد السعر النهائي، معتبراً أن سعر الصرف وكلفة الاستيراد والعرض والطلب تمثل عوامل أساسية في عملية التسعير، لكنها لا تحدد وحدها السعر الذي يدفعه المستهلك، وفقاً لـ”العين السورية”.

ويقول إن التاجر يمتلك في كثير من الحالات قدرة فعلية على إعادة تسعير السلعة وفق توقعاته ومصالحه، مستفيداً من ضعف المنافسة واختلال سلاسل التوريد وغياب أدوات رقابية فعالة تستطيع ضبط آليات التسعير أو إلزام السوق بتمرير انخفاض التكاليف إلى المستهلك.
كما يوضح أن ارتفاع سعر الدولار أو زيادة كلفة الاستيراد قد يكونان الشرارة الأولى لرفع الأسعار، لكن الزيادة التي تصل إلى المستهلك قد تتجاوز أحياناً حجم الارتفاع الفعلي في التكلفة، لأن التاجر، بحسب تقديره، لا ينظر فقط إلى ما دفعه فعلياً لشراء المخزون الموجود لديه، وإنما إلى تكلفة إعادة شراء الكمية نفسها مستقبلاً.
التاجر والسعر المتوقع
يعني ذلك، وفق يوسف، أن السلعة الموجودة في مستودع التاجر قد تُسعّر وفق سعر صرف اليوم أو السعر المتوقع غداً، وليس بالضرورة وفق سعر الصرف الذي كان سائداً عند شرائها، موضحاً أن التاجر قد يعتبر أن بيع السلعة وفق تكلفتها التاريخية سيعرضه لخسارة عند إعادة تكوين مخزونه إذا استمر الدولار في الارتفاع، ولذلك يضيف إلى السعر هامشاً احترازياً لمواجهة المخاطر المتوقعة.
يفسر هذا السلوك، من وجهة نظره، إحدى أكثر الظواهر التي يلاحظها المستهلك السوري يومياً، والمتمثلة في سرعة ارتفاع الأسعار مع صعود الدولار مقابل بطء انخفاضها عندما يتراجع سعر الصرف.
ويقول الخبير إن ارتفاع الدولار يتحول سريعاً إلى مبرر لرفع الأسعار، حتى عندما تكون السلعة الموجودة لدى التاجر قد اشتُريت بسعر صرف سابق، بينما لا يحدث الأمر بالسرعة نفسها عند انخفاض الدولار، لأن التاجر قد يتعامل مع التراجع باعتباره مؤقتاً، أو يخشى أن تعود العملة إلى الارتفاع، أو يعتبر أن المستوى السعري الجديد أصبح أمراً معتاداً في السوق.
ويضيف أن المسألة ترتبط أيضاً بما يسميه “القوة السوقية” للتاجر، أي قدرته على فرض السعر في سوق لا تتوافر فيها منافسة كافية، وكلما ضعفت المنافسة، وفق تحليله، ازدادت قدرة البائع على تمرير الزيادة إلى المستهلك، وعلى الاحتفاظ بالسعر المرتفع فترة أطول حتى بعد تراجع بعض عناصر التكلفة.
الدولار مؤثر.. لكن ليس وحده
لا ينفي يوسف أهمية سعر الصرف في تحديد الأسعار، لكنه يرفض وضع نسبة ثابتة لتأثير الدولار في جميع السلع، مشيراً إلى أن السلعة المستوردة بالكامل، تكون أكثر ارتباطاً بحركة سعر الصرف، في حين تختلف درجة التأثير في السلع المحلية بحسب حجم المكونات والمواد المستوردة الداخلة في إنتاجها.
كما تدخل في عملية التسعير تكاليف النقل والطاقة والكهرباء والمشتقات النفطية والأجور والإنتاج والتوزيع والتمويل، إلى جانب تكاليف الاستيراد والرسوم والضرائب، فيقول إن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التكاليف الحقيقية إلى مبررات لرفع السعر بنسبة تفوق الزيادة الفعلية في الكلفة.

وتأتي هذه القراءة في اقتصاد لا يزال شديد الحساسية للصدمات النقدية وسعر الصرف، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري واجه خلال السنوات الماضية انكماشاً حاداً وتراجعاً في الاستهلاك والاستثمار، مع استمرار ضغوط الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
كما يواصل البنك الدولي متابعة بيانات أسعار الصرف والأسعار عبر الأسواق السورية، بما يعكس اختلاف مستويات الأسعار وتطوراتها بين المناطق والأسواق المحلية.
تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار
في الوقت نفسه، فإن تباطؤ التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، فقد شهد الاقتصاد السوري تحسناً في بعض المؤشرات النقدية، لكن ذلك لا يلغي الأثر التراكمي للزيادات التي حدثت خلال سنوات التضخم، ولا يعني أن القوة الشرائية للأسر عادت إلى مستويات ما قبل موجات الغلاء.
هنا ينتقل يوسف إلى مسألة أخرى يعتبرها مركزية في تفسير السعر النهائي، وهي هوامش الربح، ليقدر هوامش أرباح كبار التجار والوسطاء في السوق السورية أنها قد تكون مرتفعة بصورة واضحة، ومشيراً إلى أنها تختلف بشدة من سلعة إلى أخرى، وقد تتراوح، وفق تقديره، بين 10بالمئة وأكثر من 100 بالمئة في بعض الحالات، وهي تقديرات مرتبطة بطبيعة كل سلعة وسوق، وليست متوسطاً رسمياً شاملاً لجميع التجار.
ويرى أن المشكلة لا تتوقف عند هامش ربح تاجر واحد، وإنما تتعلق بتعدد حلقات الوساطة بين المنتج أو المستورد والمستهلك، فكل حلقة في سلسلة التوزيع قد تضيف هامشاً جديداً، ما يؤدي في النهاية إلى تراكم الهوامش وارتفاع السعر الذي يدفعه المستهلك.
لكن الخبير يحذر في الوقت نفسه من اختزال مشكلة الأسعار في عدد الوسطاء فقطـ، فحتى إذا جرى إلغاء إحدى حلقات الوساطة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الوفر الناتج سيصل إلى المستهلك، إذ يمكن للحلقات المتبقية، بحسب قوله، أن تستحوذ على جزء من الهامش الذي كان يذهب إلى الحلقة التي أُلغيت.
فتح الاستيراد.. هل يكفي؟
بالتالي، يرى يوسف أن القضية الأساسية هي مستوى المنافسة وقدرة طرف واحد أو مجموعة محدودة من الأطراف على التأثير في العرض والسعر، وليس مجرد عدد التجار الذين تقع السلعة في أيديهم قبل وصولها إلى المستهلك.
ومن هذه الزاوية، يصبح فتح الاستيراد أيضاً مسألة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، فيقول إن زيادة عدد المستوردين وتعدد مصادر العرض يمكن، من الناحية النظرية، أن يرفع مستوى المنافسة ويدفع الأسعار إلى الانخفاض، لكنه يحذر من اعتبار فتح الاستيراد ضمانة تلقائية لخفض الأسعار.

فإذا ظلت قنوات الاستيراد والتوزيع مركزة في أيدي عدد محدود من اللاعبين، فإن انخفاض تكلفة السلعة عند نقطة الاستيراد قد لا ينتقل بالكامل إلى المستهلك، بحسب تقديره، وقد يتحول جزء من الوفر إلى زيادة في هامش الربح بدلاً من أن يظهر في السعر النهائي.
ويكتسب هذا الجانب أهمية في اقتصاد لا يزال يعتمد على الواردات في تأمين جزء كبير من احتياجاته، في حين تعاني قطاعات الإنتاج المحلية من آثار سنوات الحرب وتراجع الاستثمار وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل.
ولا تتعلق المشكلة، بالنسبة إلى يوسف، بالأسعار وحدها، وإنما بقدرة الأسر على تحملها، فبرنامج الأغذية العالمي يقول إن 7.2 ملايين شخص في سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 1.6 مليون يواجهون أوضاعاً شديدة، بينما تواجه أسر كثيرة صعوبة في تأمين احتياجاتها الغذائية اليومية.
كيف يكتشف المواطن السعر المبالغ فيه؟
يقول يوسف إن المستهلك السوري لا يملك، في معظم الأحيان، المعلومات الكافية لمعرفة الكلفة الحقيقية للسلعة أو حجم هامش الربح الذي أضيف إليها، لكن هناك مؤشرات يمكن استخدامها للحكم بصورة أولية على مدى منطقية السعر.
ويشير إلى أهمية مقارنة سعر السلعة بين أكثر من بائع، ومقارنة سعر الجملة بسعر المفرق، ومراقبة العلاقة بين حركة سعر الصرف وتغير سعر السلعة، إضافة إلى معرفة ما إذا كانت السلعة محلية أو مستوردة وحجم المكونات الأجنبية الداخلة في إنتاجها.
كما يرى أن مقارنة الأسعار المحلية بأسعار الدول المجاورة يمكن أن توفر مؤشراً إضافياً، لكن بشرط احتساب تكاليف النقل والرسوم والضرائب والطاقة والفروق في تكاليف الإنتاج، لأن المقارنة المباشرة بين سعر السلعة في بلدين مختلفين قد لا تعكس التكلفة الحقيقية.
خبير اقتصاديات الأسعار الدكتور مظهر يوسف
ويطرح الخبير بذلك سؤالاً أكثر دقة من مجرد متابعة سعر الدولار، إذا ارتفعت العملة الأجنبية بنسبة معينة، فكم من هذه الزيادة انتقل فعلياً إلى سعر السلعة، وكم أضيف إليها نتيجة تكاليف أخرى أو هوامش ربح أو توقعات مستقبلية؟.
وبالمثل، عندما ينخفض سعر الصرف، فإن السؤال يصبح، لماذا لا ينخفض السعر بالنسبة نفسها؟ وهل يعود ذلك إلى استمرار ارتفاع التكلفة، أم إلى المخزون الذي اشتُري بسعر سابق، أم إلى توقعات التجار، أم إلى ضعف المنافسة؟.
فجوة بين الصرف والأسعار
يرى يوسف أن الإجابة تختلف من سلعة إلى أخرى، لكن استمرار الفارق بين حركة سعر الصرف وحركة الأسعار يمكن أن يكشف، في بعض الحالات، عن وجود عوامل أخرى غير الدولار تتحكم في السعر النهائي.
ويصف الخبير جزءاً من هذه الزيادات بأنها أشبه بـ”ضريبة احتكارية خفية”، موضحاً أن المواطن قد يتحمل، إلى جانب التكلفة الأساسية للسلعة، هوامش إضافية ناتجة عن الوساطة والتحوط من تقلبات السوق وضعف المنافسة.

ويؤكد أن معالجة هذه المشكلة لا يمكن أن تتم من خلال قرار واحد أو إجراء منفرد، وإنما تحتاج إلى مجموعة من السياسات المتزامنة، واضعاً استقرار سعر الصرف في مقدمة هذه الإجراءات، باعتباره عاملاً مهماً في خفض حالة عدم اليقين لدى التجار والمستوردين والمنتجين.
لكنه يرى في الوقت نفسه أن استقرار العملة لن يكون كافياً إذا ظلت المنافسة ضعيفة، لأن انخفاض حالة عدم اليقين النقدي لا يعني تلقائياً أن التجار سيمررون أي انخفاض في التكلفة إلى المستهلك.
أما المسار الثاني، فيتمثل، بحسبه، في كسر الاحتكار وتعزيز المنافسة الحقيقية، بما يمنع طرفاً واحداً أو مجموعة محدودة من السيطرة على العرض أو فرض أسعار لا تعكس التكلفة الفعلية، ليأتي دعم الإنتاج المحلي ثالثاً، باعتباره، من وجهة نظره، الوسيلة الأكثر استدامة لتقليل الاعتماد على السلع والمدخلات المستوردة، وزيادة العرض المحلي، وتقليل تعرض الأسعار للصدمات الخارجية وتقلبات سعر الصرف.
اقتصاد يبحث عن طريق التعافي
يشير الواقع الاقتصادي السوري إلى حجم التحدي أمام هذا المسار؛ فالبنك الدولي توقع في تقريره الصادر في يوليو 2025 نمواً محدوداً للاقتصاد السوري بنحو 1 بالمئة خلال العام، بعد انكماش بنسبة 1.5بالمئة في 2024، مع استمرار قيود السيولة وعدم اليقين الاقتصادي.
بذلك، لا يضع يوسف الدولار والتاجر في طرفين متناقضين من معادلة الأسعار، وإنما يرى أن الاثنين يعملان داخل منظومة واحدة، فسعر الصرف يؤثر في تكلفة الاستيراد والتوقعات، لكن التاجر والسوق والمنافسة وسلاسل التوريد تحدد مقدار انتقال هذا التأثير إلى المستهلك.
ومن هنا، فإن السؤال بالنسبة إلى السوري لم يعد فقط “كم بلغ سعر الدولار؟”، وإنما “كيف انتقل تغير الدولار إلى سعر السلعة؟”، فبين تكلفة الاستيراد أو الإنتاج وبين السعر الذي يظهر على رف المتجر توجد سلسلة طويلة من حلقات التسعير، وفي كل حلقة يمكن أن تضاف تكلفة أو هامش ربح أو هامش تحوط.
وبحسب يوسف، فإن فهم هذه المسافة هو المفتاح الأساسي لمعرفة لماذا ترتفع الأسعار في سوريا بسرعة مع ارتفاع الدولار، ولماذا لا تنخفض بالسرعة نفسها عند تراجعه، ولماذا لا يكفي أحياناً تحسن سعر الصرف وحده لإعادة الأسعار إلى مستويات أقل.
وفي النهاية، يرى الخبير أن استقرار الأسعار يتطلب أكثر من استقرار الليرة؛ إذ يحتاج إلى سوق أكثر تنافسية، وسلاسل توريد أكثر كفاءة، وإنتاج محلي أقوى، ورقابة قادرة على كشف التفاوت بين التكلفة الفعلية والسعر النهائي، وعندها فقط يمكن أن يصبح تغير سعر الصرف عاملاً اقتصادياً ينتقل إلى الأسعار بصورة أقرب إلى المنطق، بدلاً من أن يتحول إلى مبرر مفتوح لإعادة التسعير.

