أعاد رفع أسعار المحروقات في سوريا النقاش حول أثر كلفة الطاقة على القدرة الشرائية للأسر والإنتاج المحلي، مع ظهور زيادات في أجور النقل والشحن خلال الأيام التالية لتطبيق التسعيرة الجديدة.
ويأتي ذلك في وقت تقول فيه وزارة الطاقة إن الزيادة مؤقتة ومرتبطة بارتفاع كلفة الاستيراد وتراجع قدرة التكرير محلياً، بينما يحذر اقتصاديون من انتقال الكلفة إلى المستهلك والمنتج معاً.
من المازوت إلى النقل والأسواق
بدأ في 13 أيلول/سبتمبر تطبيق نشرة جديدة للمشتقات النفطية، رفعت سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية، بزيادة بلغت 40 بالمئة، فيما حُدد سعر بنزين أوكتان 90 عند 185 ليرة وبنزين 95 عند 195 ليرة.

وبررت وزارة الطاقة التعديل بارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً ودخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة تستمر نحو شهرين، ما قلص قدرة التكرير المحلية وزاد الحاجة إلى استيراد منتجات جاهزة.
ووفق بيانات الوزارة، تحتاج سوريا إلى نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من الخام يبلغ قرابة 100 ألف برميل.
وتبلغ الحاجة اليومية من المازوت 7.72 ملايين ليتر، منها 3.09 ملايين منتجة محلياً و4.63 ملايين مستوردة، ما يعني أن نحو 60 بالمئة من إمدادات المازوت تعتمد على الاستيراد.
ولم يتأخر أثر تعديل الأسعار في الظهور على قطاع النقل، ففي يوم تطبيق التسعيرة، قال مدير تنظيم نقل البضائع في وزارة النقل خالد كسحة إن حركة الشحن شهدت “توقفاً شبه كامل” في عدد من المحافظات، بالتزامن مع احتجاجات وإضرابات نفذها عدد من سائقي الشاحنات.
وفي دمشق، تراوحت الزيادات على أجور بعض خطوط السرافيس بين 35 و70 بالمئة، مع تفاوت الأسعار حتى على الخط نفسه.
كما قال عضو لجنة تجار ومصدري الخضار والفواكه محمد العقاد إن بعض أجور نقل المنتجات الزراعية ارتفعت بين 100 و200 بالمئة، إذ زادت كلفة نقل حمولة من درعا إلى دمشق من نحو 13 ألفاً إلى 25 ألف ليرة جديدة على الأقل، ومن الساحل إلى دمشق من نحو 15 ألفاً إلى 30 ألفاً.
وأشار العقاد إلى أن أسعار الخضار والفواكه نفسها لم ترتفع بأكثر من نحو 10% خلال الفترة ذاتها، موضحاً أن طبيعة هذه المنتجات سريعة التلف جعلت المزارعين والتجار يتحملون جزءاً من ارتفاع كلفة النقل.
القوة الشرائية تحت ضغط الكلفة
وقال الخبير الاقتصادي جورج خزام إن “رفع القوة الشرائية للمستهلك هو نقطة البداية لأي إصلاح اقتصادي، لأن ضعف الطلب على المنتج الوطني يعني تراجع عدد المصانع والورش والمزارع وانخفاض الإنتاج وزيادة البطالة”.
“ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء، الذي يترافق مع ارتفاع جماعي في الأسعار، يعني تراجع القوة الشرائية للمستهلك وانخفاض الجزء المخصص للاستهلاك، وبالتالي تراجع الإنتاج بمقدار تراجع الطلب على المنتج الوطني، مع زيادة البطالة والدخول في الركود التضخمي”.
الخبير الاقتصادي جورج خزام
ورأى خزام أن “تخفيض أسعار الكهرباء والمحروقات إلى مستويات أقل من تكاليف الإنتاج هو واجب حكومي”، معتبراً أن الكلفة المترتبة على ذلك تمثل “نفقات إيرادية مؤجلة”، عبر تحمل نفقات في الوقت الحالي مقابل الحصول لاحقاً على إيرادات أكبر نتيجة زيادة الإنتاج وارتفاع التحصيل الضريبي.
وأشار إلى أن الدول الرأسمالية، ومن بينها دول أوروبية، تلجأ عند ارتفاع الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة المستهلك على التحمل إلى تقديم إعانات، بهدف منع تراجع الطلب في الأسواق.
وقال إن “تكلفة الكساد وانهيار الإنتاج وزيادة البطالة على الاقتصاد أكبر بكثير من أي إعانات ممنوحة للطبقة الأكثر فقراً في المجتمع”.
وأضاف خزام أن “تكلفة تخفيض أسعار المحروقات والكهرباء على الاقتصاد أقل بكثير من نتائج انهيار الإنتاج وتراجع الطلب وزيادة البطالة والكساد”.
في المقابل، تقول وزارة الطاقة إن تعديل الأسعار يهدف إلى تقليص الفجوة بين كلفة تأمين المشتقات وسعر بيعها محلياً، بما يسمح بتمويل الشحنات اللاحقة وضمان استمرار الإمدادات، مؤكدة أن الأسعار قابلة للمراجعة صعوداً أو هبوطاً وفق تغير الكلفة والظروف العالمية.
وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في آب/أغسطس إلى ارتفاع التضخم في سوريا خلال 2026، مرجعاً ذلك جزئياً إلى زيادة أسعار الواردات، ولا سيما الوقود والمواد الغذائية، إضافة إلى ارتفاع بعض أسعار الخدمات والسكن، في وقت لا يزال فيه الفقر واسع الانتشار رغم توقعات بنمو اقتصادي من خانتين خلال العام الجاري.
- بعد رفع المحروقات.. هل تهدد كلفة الطاقة القوة الشرائية والإنتاج في سوريا؟
- موسم الزعفران السوري.. زراعة محدودة وسوق واعدة
- معارك غرب تعز ولحج تتصاعد قرب باب المندب.. والصبيحي يتفقد الجبهات
- تأخر الرواتب وارتفاع المحروقات يدفعان إلى تحركات مطلبية في سوريا
- لجين إسماعيل يناشد الكشف عن مصير شقيقه.. بعد أكثر من عام على اعتقاله

