كان يفترض أن يطوي استبدال العملة السورية صفحة من فوضى نقدية امتدت لسنوات، لكنه فتح في المقابل سلسلة من التحديات التنفيذية، من نقص السيولة إلى صعوبات الصرف والحوالات.
وبينما يواصل مصرف سوريا المركزي معالجة آثار الانتقال، يطرح خبراء سؤالاً أساسياً، هل كان بالإمكان تنفيذ الإصلاح نفسه بكلفة أقل واضطراب أكبر؟.
مشكلات متوقعة منذ البداية
لم يكن الارتباك الذي رافق عملية استبدال العملة السورية مفاجئاً بالكامل، بل كان، وفق الخبير الاقتصادي كرم شعار، من المشكلات التي كان يمكن توقعها والاستعداد لها مسبقاً بالاستناد إلى تجارب دول أخرى خاضت عمليات مماثلة.
ويشير شعار وفق منشور له عبر منصة “إكس”، إلى أن الانتقال النقدي واجه منذ بدايته مجموعة من العقبات، أبرزها الارتباك الناتج عن تداول العملتين بالتوازي، ورفض بعض الجهات التعامل بالأوراق القديمة رغم استمرار صلاحيتها خلال المرحلة الانتقالية، إلى جانب نقص الفئات الجديدة، ولا سيما الصغيرة، وعدم اكتمال سحب الأوراق القديمة في بعض المناطق، فضلاً عن ظهور صعوبات لدى مكاتب الصرافة في صرف الحوالات وفرض بعض الجهات عمولات على عمليات التحويل والصرف.
وتأتي هذه المشكلات في سياق عملية نقدية واسعة بدأت في الأول من كانون الثاني/ يناير، على أساس حذف صفرين من الليرة، بحيث تعادل كل 100 ليرة قديمة ليرة جديدة، مع طرح فئات نقدية جديدة هي 10 و25 و50 و100 و200 و500 ليرة.
وكان مصرف سوريا المركزي قد صمم العملية باعتبارها جزءاً من إصلاح نقدي أوسع يهدف إلى تبسيط التعاملات واستعادة الثقة بالعملة، وليس تغييراً في القيمة الحقيقية للأموال.
أزمة سيولة قبل تغيير الأوراق
لكن حجم التحدي لم يكن مرتبطاً بتغيير الأوراق النقدية وحده، إذ كانت سوريا تدخل عملية الاستبدال وهي تعاني أصلاً أزمة سيولة حادة ونقصاً في النقد المتداول.
وقد حذر البنك الدولي في تقييمه للاقتصاد السوري من أن نقص الأوراق النقدية والاضطرابات الأوسع في حركة العملة المحلية كانا يحدان بالفعل من النشاط الاقتصادي، فيما أشار تقييم للبنك إلى أن قيود السحب النقدي كانت تؤثر في قدرة الأسر والشركات على تلبية احتياجاتها اليومية.

ويرى شعار أن استبدال العملة عالج مشكلة حقيقية، خصوصاً بعد التدهور الكبير الذي أصاب قيمة الليرة خلال سنوات الحرب، لكن المشكلة، من وجهة نظره، تكمن في أن تحقيق الهدف كان ممكناً بكلفة أقل وباضطراب محدود على النشاط الاقتصادي.
ويقترح في هذا السياق مساراً بديلاً يقوم على الإبقاء على الأوراق النقدية القديمة مع إزالة الأصفار، واستبدال ورقة الـ2000 ليرة التي تحمل صورة بشار الأسد، إلى جانب إصدار فئات نقدية أعلى تتناسب مع احتياجات السوق، معتبراً أن ذلك كان سيقلل كلفة العملية ويخفف الحاجة إلى إعادة بناء دورة نقدية كاملة في اقتصاد يعاني أصلاً من نقص السيولة.
انتقال أطول من المتوقع
تشير التجربة الفعلية إلى أن عملية الاستبدال كانت أكثر تعقيداً من مجرد طرح أوراق جديدة؛ فالمصرف المركزي اضطر إلى تمديد المهل المخصصة للعملية مع تقدمها، قبل أن يعلن انتهاء صلاحية الأوراق القديمة كوسيلة دفع في نهاية تموز/ يوليو، مع استمرار إمكانية استبدالها وفق آليات محددة لسنوات لاحقة.
بحسب بيانات تم نقلها عن المصرف المركزي، بلغت نسبة الأوراق القديمة المستبدلة نحو 80 بالمئة بحلول تموز، ما يعني أن جزءاً من النقد ظل بحاجة إلى المعالجة حتى المراحل الأخيرة.
ومع ذلك، لا يرى شعار أن المشكلات الحالية تعني فشل فكرة استبدال العملة بحد ذاتها، بل يصف جانباً كبيراً منها بأنه إجرائي وقابل للمعالجة، معتقداً أن مصرف سوريا المركزي، بالتنسيق مع المؤسسة العامة للبريد، قادر على احتواء جزء مهم من الاختناقات المرتبطة بعملية الاستبدال والحوالات والصرف، شرط تحسين آليات التنفيذ وتوسيع قنوات الوصول إلى الخدمات النقدية، ولا سيما خارج المراكز الرئيسية.
اختبار ما بعد الاستبدال
تكشف التجربة في النهاية أن نجاح الإصلاح النقدي لا يتوقف على تصميم العملة الجديدة أو حذف الأصفار من قيمتها الاسمية، وإنما على قدرة النظام المصرفي على تأمين النقد وتوزيعه بكفاءة، وضمان انتقال سلس بين الأوراق القديمة والجديدة، وتوفير قنوات موثوقة للحوالات والمدفوعات.
ومن هنا، فإن التحدي أمام الحكومة الانتقالية السورية لم يعد مجرد استكمال استبدال الأوراق، بل إثبات أن الإصلاح النقدي قادر على تقليل كلفة التعامل بالليرة من دون إضافة اضطرابات جديدة إلى اقتصاد خرج لتوه من سنوات طويلة من الحرب والعزلة المالية.

