تبدو الصورة التي ترسمها الحكومة السورية للاقتصاد في 2026 أكثر تفاؤلاً من أي وقت مضى منذ سنوات، مع توقعات بنمو حقيقي يبلغ 11.3بالمئة، وإيرادات للموازنة تتجاوز 8 مليارات دولار، وعودة تدريجية لقطاعات الإنتاج والاستثمار والتجارة إلى النشاط.
لكن وراء هذه الأرقام سؤال أكثر صعوبة من مجرد قياس معدل النمو، هل بدأ الاقتصاد السوري فعلاً يستعيد عافيته، أم أن البلاد تشهد في الوقت الراهن مرحلة تعافٍ إحصائي بعد سنوات من الانكماش الحاد، لا تزال آثارها الاجتماعية والمعيشية أكبر بكثير من قدرة النمو الحالي على محوها؟.
النمو يبدأ من قاعدة منهكة
وزير المالية السوري محمد يسر برنية يرى أن المؤشرات المتاحة تدعم فرضية التحول الاقتصادي، فقد قدر نمو الناتج المحلي الحقيقي بنحو 11.3بالمئة خلال العام الحالي، مقابل نحو 4 بالمئة في 2025، متوقعاً أن يستمر الزخم بمعدل يقارب 9.7 بالمئة في 2027.
ويتقاطع هذا التفاؤل جزئياً مع تقديرات صندوق النقد الدولي الذي قال في آب/أغسطس إن الاقتصاد السوري يتجه إلى تسجيل نمو يتجاوز 10بالمئة في 2026، مدفوعاً بتحسن الزراعة وإنتاج النفط والغاز والكهرباء والتجارة والخدمات، إلى جانب عودة اللاجئين وزيادة النشاط الاقتصادي.

غير أن المقارنة بين هذه التقديرات تكشف في الوقت نفسه طبيعة المرحلة التي يمر بها الاقتصاد، فالنمو المرتفع لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد عاد إلى حجمه السابق، بل يمكن أن يعكس سرعة التعافي من قاعدة إنتاجية منخفضة للغاية.
وكان البنك الدولي قد توقع في تموز/يوليو 2025 نمواً لا يتجاوز 1بالمئة في سوريا خلال ذلك العام، بعد انكماش بلغ 1.5بالمئة في 2024، في ظل استمرار القيود الأمنية والسيولة المحدودة وتعليق جزء من المساعدات الخارجية، لذلك فإن الانتقال من معدلات ضعيفة إلى نمو من خانتين يمثل تحسناً مهماً، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الاقتصاد استعاد قدرته الإنتاجية أو أن آثار الحرب الطويلة بدأت تتراجع بصورة مستدامة.
من أين جاء النمو؟
يقر برنية، بصورة غير مباشرة، بأن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق رقم مرتفع للنمو بقدر ما يكمن في الحفاظ عليه وتوسيع نطاق المستفيدين منه، ووفق رؤيته، فإن النمو المسجل خلال 2026 لم يأت من قطاع واحد، وإنما استفادت منه التجارة والخدمات والزراعة، مستفيدة من موسم أمطار جيد، إضافة إلى عودة النشاط في النفط والغاز والثروات المعدنية.
ويرى أن هذه القطاعات كانت الأسرع استجابة للتحسن الأمني والإصلاحات التي استهدفت فتح الاقتصاد أمام التجارة والاستثمار، فيما يفترض أن تلعب الصناعة وغيرها من القطاعات الإنتاجية دوراً أكبر في دفع النمو اعتباراً من 2027.
وهنا تظهر أولى الفجوات بين الرقم والواقع، فعودة النشاط التجاري والخدمي يمكن أن ترفع الناتج سريعاً، لكنها لا تعني بالضرورة تحولاً هيكلياً في الاقتصاد، فإعادة تشغيل مصنع متوقف، أو ارتفاع حركة التجارة، أو تحسن إنتاج النفط بعد سنوات من التراجع، كلها تضيف إلى الناتج، لكن استدامة النمو تتطلب زيادة الإنتاجية والاستثمار وخلق وظائف مستقرة وتوسيع قاعدة الصادرات.
وهذا تحديداً ما يجعل حديث برنية عن عودة الإنتاج في العديد من القطاعات إلى مستويات ما قبل 2011 بحلول 2030 هدفاً بعيد المدى أكثر منه نتيجة تحققت في 2026.
فاتورة التعافي أكبر من الإيرادات
فالاقتصاد الذي تحاول الحكومة إعادة بنائه لا يبدأ من نقطة الصفر، وإنما من خسائر هائلة، ويقدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار الأصول المادية التي تضررت بين 2011 و2024 بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يعادل أضعافاً كبيرة من حجم الإيرادات الحكومية المتوقعة خلال عام واحد.
وتشمل الفاتورة المباني السكنية وغير السكنية والبنية التحتية، ما يوضح حجم الفجوة بين التحسن في المؤشرات السنوية وبين متطلبات إعادة بناء الاقتصاد فعلياً.

وفي الجانب المالي، تبدو الحكومة أكثر ثقة، فبرنية يتوقع أن تتجاوز إيرادات الموازنة 8 مليارات دولار في 2026، مقارنة بنحو 3.5 مليار دولار في 2025، ويشير إلى أن نحو 75 بالمئة من إيرادات العام الحالي تأتي من مصادر يعتبرها مستدامة.
كما يقول إن الوزارة تعمل على توجيه الإيرادات الاستثنائية إلى الاستثمار بدلاً من استهلاكها، خصوصاً في مشاريع المناطق المتضررة، إلى جانب إنشاء صندوق لدعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة في التقنيات الحديثة بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات.
إيرادات أعلى.. لكن بأي ثمن؟
لكن ارتفاع الإيرادات لا يمثل في حد ذاته دليلاً على تحسن المالية العامة إذا لم يترافق مع توسع مستدام في القاعدة الإنتاجية، فالجزء الأكثر أهمية في المعادلة هو مصدر هذه الإيرادات، وكيفية إنفاقها، وما إذا كانت ستتحول إلى استثمارات ترفع القدرة الإنتاجية أم إلى نفقات جارية لا تترك أثراً طويل الأجل.
برنية نفسه يصف الفائض المحدود الذي تحقق في موازنة 2025 بأنه ليس رقماً يمكن الاحتفاء به، لأنه تحقق بدرجة كبيرة نتيجة تقييد الإنفاق الاستثماري رغم اتساع الاحتياجات.
ومن هنا تأتي أهمية الإصلاح الضريبي الذي تطرحه وزارة المالية كإحدى أدوات إعادة بناء الاقتصاد، ويقول برنية إن المنظومة الجديدة تستهدف تبسيط الإجراءات وخفض المعدلات الضريبية للأفراد والشركات وتقديم حوافز مرتبطة بالتوظيف واستخدام التكنولوجيا وخطوط الإنتاج الحديثة، بما يشجع المنشآت المتوقفة على العودة إلى العمل ويجعل تأسيس الأعمال الجديدة أكثر جاذبية، كما يراهن النظام على مكافحة التهرب الضريبي وزيادة الامتثال لتعويض أثر خفض المعدلات، مع منح محدودي الدخل معاملة أكثر حماية.
ومن المقرر، وفق برنية، عرض المنظومة على مجلس الشعب أملاً في دخولها حيز التنفيذ مطلع 2027، لكن نجاحها سيتوقف على قدرتها على تحقيق معادلة دقيقة، وهي تخفيف العبء عن النشاط الاقتصادي من دون إضعاف قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والاستثمار.
وفي اقتصاد لا تزال هناك أعداد كبيرة من المنشآت الصناعية والتجارية والسياحية متوقفة أو متضررة، فإن تخفيض الضرائب لن يكون كافياً وحده ما لم يترافق مع تمويل، وطاقة مستقرة، وبيئة قانونية ومصرفية قادرة على جذب رأس المال.
الكهرباء.. اختبار الإنتاج
وتشكل الكهرباء أحد الأمثلة الواضحة على أن التعافي الاقتصادي لا يزال مرتبطاً بإصلاحات أساسية في البنية التحتية، فتعافي إمدادات الكهرباء في 2026 يعتمد على استيراد الوقود وحلول توليد طارئة وإعادة تأهيل محطات وشبكات رئيسية، مع استئناف إمدادات الغاز عبر الحدود وتحسين البنية التحتية للطاقة، وهذا يعني أن زيادة الإنتاج في المصانع والخدمات لا تزال مرتبطة بقدرة الدولة على معالجة اختناقات أساسية تتجاوز السياسة المالية وحدها.
أما الاختبار الأصعب فيبقى خارج جداول الناتج والموازنة، وهو حياة السوريين اليومية، فصندوق النقد الدولي، رغم توقعاته المتفائلة للنمو، حذر من استمرار انتشار الفقر وارتفاع التضخم وضعف القطاع المصرفي، في مؤشر على أن تحسن الناتج لا يتطابق تلقائياً مع تحسن مستوى المعيشة.

والأمم المتحدة نفسها تصف 2026 بأنه عام مفصلي تنتقل فيه سوريا تدريجياً من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى التعافي وإعادة الإعمار والتنمية، وهو انتقال لا يزال محكوماً بتحديات اجتماعية واقتصادية عميقة.
ولهذا يضع برنية نفسه معياراً مختلفاً للحكم على النمو، مؤكداً أن الهدف ليس أن يظهر التحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي فقط، بل أن يصل إلى السوريين عبر ارتفاع الدخول وتحسن القوة الشرائية والخدمات وفرص العمل.
ويرى أن تحقيق ذلك يتطلب توسيع قاعدة النمو جغرافياً وقطاعياً واجتماعياً، بحيث لا تتركز ثماره في قطاعات أو مناطق محددة، بالتوازي مع بناء استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر وتطوير شبكات الحماية الاجتماعية.
رقم قوي.. واقتصاد لم يتعافَ بعد
وبهذا المعنى، فإن أرقام 2026 تحمل وجهين متناقضين، الأول يعكس تحولاً حقيقياً مقارنة بسنوات الانكماش، تدعمه عودة قطاعات اقتصادية إلى النشاط وتحسن الطاقة والتجارة والزراعة والاستثمار، ويتقاطع مع التقديرات الدولية التي تتوقع نمواً من خانتين.
أما الوجه الثاني فيكشف أن الاقتصاد السوري لا يزال في مرحلة التعافي الأولي، وأن الفجوة بين الناتج الحالي وحجم الخسائر المتراكمة هائلة، فيما تظل مستويات الفقر والتضخم وضعف البنية الإنتاجية والمصرفية عقبات أمام ترجمة النمو إلى رفاه.
لذلك، فإن السؤال الأهم في تقييم اقتصاد سوريا خلال 2026 ليس ما إذا كان النمو قد بلغ 11.3بالمئة أم أكثر من 10بالمئة، بل ماذا أنتج هذا النمو فعلياً، فإذا تحولت الإيرادات الاستثنائية إلى بنية تحتية، واستُخدمت الإصلاحات الضريبية لإعادة تشغيل المصانع وخلق الوظائف، وتحول تحسن الطاقة والتجارة إلى زيادة في الإنتاج والصادرات، فقد يكون 2026 بالفعل نقطة انعطاف في الاقتصاد السوري.
أما إذا بقي النمو مرتكزاً إلى التعافي السريع لقطاعات محددة وإيرادات استثنائية وتحسن مؤقت في الطلب، فسوف تظل الأرقام الكبيرة أقرب إلى مؤشر على الخروج من القاع منها إلى دليل على اكتمال التعافي.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التعافي
بين التفاؤل الحكومي والتحفظ الذي تفرضه المؤشرات الاجتماعية وحجم الدمار، يبدو أن اقتصاد سوريا في 2026 يتغير فعلاً، لكن التغير لم يصل بعد إلى النقطة التي يمكن عندها القول إن الواقع المعيشي للسوريين أصبح يعكس بالكامل التحسن الذي تظهره أرقام الاقتصاد الكلي.
فالاختبار الحقيقي سيكون في السنوات المقبلة، هل تستطيع دمشق تحويل النمو من ارتداد مؤقت إلى مسار إنتاجي مستدام، ومن أرقام في الموازنة والناتج إلى وظائف ودخل وخدمات وفرص متاحة على نطاق واسع؟، عندها فقط يمكن القول إن الاقتصاد السوري لم يعد يتعافى من الانهيار فحسب، بل بدأ فعلاً في بناء نموذج اقتصادي جديد.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

