3 سيناريوهات تنتظر الاقتصاد العالمي بعد عودة الحرب الأميركية الإيرانية.. الثاني هو الأقرب

اقتصاد عالمي

تفتح عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية قد تحدد مستقبل الاستقرار المالي والنقدي العالمي خلال المرحلة المقبلة، في وقت لم يعد فيه حجم التداعيات مقتصراً على حدود العمليات الميدانية، بل بات رهناً بالمدى الزمني للصراع، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، وقدرة القوى الدولية على احتواء الأزمة قبل تحولها إلى ركود تضخمي شامل.

وتأتي هذه التطورات بعد أن أعادت الضربات الأميركية الأخيرة، والتي استهدفت أكثر من 90 موقعاً عسكرياً، رسم خارطة المخاطر الجيوسياسية، لتدفع بمؤسسات دولية كبرى، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى التحذير من أن أي اضطراب مستدام في أسواق الطاقة سيهدد بتبديد مكاسب خفض التضخم التي حققتها البنوك المركزية على مدى العامين الماضيين.

تصاعد التحذيرات الدولية

خفض صندوق النقد الدولي، الأربعاء الماضي، توقعاته للنمو العالمي خلال 2026 مرة أخرى بشكل طفيف إلى 3 بالمئة، محذراً من المخاطر المستمرة التي تشكلها الحرب في الشرق الأوسط، والتصحيحات المحتملة في توقعات السوق بشأن الذكاء الاصطناعي.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إغلاق المضيق عطل أسواق الطاقة بشكل حاد، متوقعاً أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 94 دولاراً للبرميل في عام 2026، بارتفاع نسبته 36 بالمئة عن مستويات عام 2025.

خفض صندوق النقد الدولي، توقعاته للنمو العالمي خلال 2026 مرة أخرى بشكل طفيف إلى 3 بالمئة- إنترنت

في هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر إن عودة الضربات العسكرية الأميركية داخل إيران أعادت رسم خريطة السيناريوهات الاقتصادية المحتملة، إذ لم تعد تداعيات الصراع تقتصر على أسعار النفط فحسب، بل امتدت لتشمل حركة التجارة العالمية، وتكاليف الشحن، والسياسات النقدية، وآفاق النمو في الاقتصادات الكبرى.

ويشير في منشور له عبر منصة “فيسبوك” إلى أن استمرار التوتر حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، يجعل أي تصعيد عسكري قادرًا على إحداث اضطراب واسع في الأسواق، خصوصًا في ظل هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.

السيناريو الأول.. عودة التهدئة

تشير تقديرات حديثة إلى أن التوترات الأخيرة أعادت رفع علاوة المخاطر في أسواق الطاقة، وسط تحذيرات من أن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة سيؤثر بصورة مباشرة في الإمدادات والأسعار.

ويطرح عمر ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الاقتصاد العالمي، يختلف كل منها وفق مسار المواجهة العسكرية ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز.

يتمثل السيناريو الأول في نجاح الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى تفاهم أميركي إيراني يعيد فتح المضيق بالكامل خلال فترة قصيرة، وهو ما يسمح بعودة الاستقرار التدريجي إلى أسواق النفط، وانخفاض أسعار خام برنت إلى نطاق يتراوح بين 75 و85 دولارًا للبرميل، الأمر الذي سيخفف الضغوط التضخمية ويمنح البنوك المركزية، وفي مقدمتها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، مساحة لاستئناف دورة خفض أسعار الفائدة، بما يدعم الاستثمار ويعيد الثقة إلى الأسواق المالية.

غير أن الباحث يلفت إلى أن انتهاء المواجهة العسكرية لا يعني اختفاء آثارها الاقتصادية بصورة فورية، إذ إن ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين خلال فترة الحرب ينعكس على أسعار السلع والخدمات لفترة قد تمتد عدة أشهر، بسبب الوقت الذي تحتاجه سلاسل الإمداد العالمية لاستعادة توازنها.

كما أن وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن أسواق النفط دخلت بالفعل مرحلة من إعادة التقييم نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية، مع تغيرات في مستويات العرض والطلب العالمية، ما يجعل التعافي الكامل عملية تدريجية وليست لحظية.

السيناريو الأقرب.. تصعيد تحت السيطرة

أما السيناريو الثاني، الذي يعتبره عمر الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية، فيقوم على استمرار المواجهة ضمن سقف تصعيد محدود، من خلال ضربات متبادلة دون الوصول إلى إغلاق كامل لمضيق هرمز، مع استمرار جزء كبير من حركة الملاحة تحت إجراءات أمنية مشددة.

وفي هذا السيناريو يتوقع الباحث أن تتحرك أسعار خام برنت بين 95 و110 دولارات للبرميل، مع بقاء معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة، لكنها تظل قابلة للإدارة دون أن تتحول إلى أزمة تضخمية شاملة.

التهديدات الإيرانية لمضيق هرمز- إنترنت

 كما يرجح أن تواجه أوروبا ركوداً تقنياً محدوداً نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع النشاط الصناعي، بينما تتعرض الاقتصادات الناشئة المستوردة للنفط لضغوط متزايدة على العملات والميزانيات العامة.

ويضيف أن هذا السيناريو يعكس في الوقت الراهن توازناً دقيقاً بين رغبة واشنطن وطهران في مواصلة الضغط العسكري وتحقيق مكاسب سياسية، وبين إدراك الطرفين أن الانزلاق إلى حرب مفتوحة ستكون كلفته الاقتصادية والعسكرية مرتفعة للغاية، ليس عليهما فقط، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.

 كما أن استمرار الملاحة بصورة جزئية يمنح الأسواق قدرًا من الاطمئنان، ويحول دون حدوث صدمة نفطية مماثلة لما شهدته الأسواق في أزمات سابقة، رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تدفع المستثمرين إلى توخي الحذر.

السيناريو الأخطر.. ركود عالمي محتمل

في المقابل، يحذر عمر من السيناريو الثالث، الذي يصفه بالأخطر، ويتمثل في تحول المواجهة إلى حرب مفتوحة تترافق مع إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز لأشهر متتالية، وفي هذه الحالة قد تتجاوز أسعار النفط حاجز 130 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع ارتفاعات قياسية في أسعار الغاز الطبيعي، خصوصًا في أوروبا، وهو ما سيدفع البنوك المركزية إلى تأجيل أي خفض للفائدة، ويزيد الضغوط التضخمية، ويدفع المؤسسات الدولية إلى خفض توقعات النمو العالمي بصورة متسارعة.

 تنسجم هذه الرؤية مع تحذيرات وكالة الطاقة الدولية من أن أي تصعيد جديد قد يقوض تعافي أسواق النفط ويهدد توازن العرض والطلب خلال الأعوام المقبلة، خاصة إذا طال أمد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

ويرى الباحث أن أخطر ما في المشهد الحالي هو أن احتمالات الانتقال من السيناريو الثاني إلى الثالث تزداد مع كل يوم تستمر فيه العمليات العسكرية دون تقدم سياسي، فكل جولة جديدة من الضربات المتبادلة ترفع مستوى المخاطر الجيوسياسية، وتزيد تكاليف التأمين والشحن، وتدفع الشركات العالمية إلى إعادة حساباتها بشأن الاستثمار وسلاسل التوريد.

الأسواق أمام مفترق طرق

في المقابل، فإن فرص العودة إلى السيناريو الأول تتراجع تدريجياً مع اتساع فجوة الثقة بين طرفي الصراع، وهو ما يجعل الاقتصاد العالمي رهينة للتطورات الميدانية أكثر من أي وقت مضى.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الاقتصاد العالمي يقف عند مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح الدبلوماسية في احتواء الأزمة وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة، وإما أن يستمر التصعيد المحدود بما يبقي التضخم مرتفعًا ويضغط على النمو، أو أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة واسعة تحمل معها أكبر صدمة للطاقة منذ سنوات.

وحتى الآن، تبقى المؤشرات أقرب إلى السيناريو الثاني، إلا أن هشاشة الوضع الأمني في الخليج تعني أن أي تطور ميداني مفاجئ قد يغير مسار الأسواق العالمية في غضون ساعات، ويعيد رسم المشهد الاقتصادي الدولي بأكمله.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم