تتزايد المؤشرات العسكرية والسياسية التي توحي بأن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقترب من مرحلة أكثر خطورة، مع انتقالها تدريجياً من نمط الضربات المحدودة والردود المحسوبة إلى صراع قد يمتد إلى ساحات إقليمية أوسع.
وقد دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران يومها الثاني عشر على التوالي، وسط تبادل عنيف للضربات والتهديدات التي لم تشهد المنطقة لها مثيلاً منذ سنوات، ففي غضون 48 ساعة فحسب، انتقل الصراع الأميركي الإيراني من طور “الهدنة المضطربة” إلى طور “ضربة بضربة”.
تحول نوعي في مسار الحرب
بينما يواصل الجيش الأميركي تنفيذ ضربات متواصلة ضد أهداف إيرانية، تلوح طهران بالرد “القوي والحاسم”، في دوامة عنف تتحول معها أراضي الخليج ومجالها الجوي إلى مسرح لتسوية حسابات إقليمية كبرى.

وفي هذا السياق، يرى محللون استراتيجيون مثل الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، حميد رضا عزيزي، أن مجموعة من المؤشرات العسكرية والسياسية التي برزت خلال الساعات الماضية توحي بأن الصراع قد يكون على أعتاب مرحلة أكثر خطورة، مع تزايد الدلائل على احتمال انتقال واشنطن من سياسة الضربات المحدودة إلى عمليات أوسع نطاقاً، في ظل استمرار التصعيد المتبادل وارتفاع مستوى الاستعداد العسكري لدى مختلف الأطراف الإقليمية.
وتشير قراءة هذه التطورات بصورة مجتمعة إلى تغير في طبيعة الصراع، وليس مجرد استمرار للعمليات العسكرية الجارية.
المؤشران الأول والثاني
يضع عزيزي وفق تغريدة له عبر منصة “إكس”، في مقدمة هذه المؤشرات استهداف معبر شلمجة الحدودي بين إيران والعراق، معتبراً أن الضربة الأميركية لا تقتصر على بعدها التكتيكي، بل قد تمثل تمهيداً لخيارات عملياتية أوسع، سواء عبر فتح المجال أمام انتشار قوات خاصة أو تنفيذ عمليات برية محدودة، أو حتى تسهيل تحركات مجموعات مسلحة معارضة داخل المناطق الحدودية.
في المقابل، يشير إلى أن الهجوم بالطائرة المسيّرة على معبر العبدلي بين العراق والكويت يحمل دلالات استراتيجية، إذ يرجح أن يكون استهدف تعطيل أحد أهم الممرات اللوجستية التي تعتمد عليها القوات الأميركية لنقل الإمدادات بين قواعدها، بما يعكس انتقال الصراع إلى استهداف شبكات الإسناد العسكري وخطوط الإمداد.
أما المؤشر الثاني، فيتمثل في الارتفاع الملحوظ لمستوى الاستعدادات الأمنية في إسرائيل، حيث أفادت تقارير بفتح ملاجئ في عدد من المناطق، وهي خطوة سبقت موجات التصعيد الكبرى السابقة، ما يعزز التقديرات بشأن احتمال تعرضها لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة إذا اتسعت دائرة العمليات العسكرية.
الخطاب الأميركي يتغير
يضاف إلى ذلك ما تردد عن تقليص أو إجلاء البعثات الدبلوماسية الفرنسية والبريطانية في إيران، وهي إجراءات يرى الباحث أنها تعكس قناعة متزايدة لدى العواصم الغربية بأن احتمالات توسع الحرب أصبحت أكثر واقعية من أي وقت مضى.
ويتمثل المؤشر الثالث، وفق عزيزي، في التحول اللافت في الخطاب الأميركي، فقد حمّل الرئيس دونالد ترامب إيران المسؤولية المباشرة عن الهجمات التي ينفذها الحوثيون ضد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما قد يوفر غطاءً سياسياً وقانونياً لتوسيع العمليات العسكرية ضد أهداف داخل إيران إذا استمرت تلك الهجمات.

كما تتقاطع هذه التصريحات مع تهديداته السابقة بأن أي اعتداء على الملاحة في مضيق هرمز سيقابل باستهداف منشآت حيوية داخل إيران، بينها الجسور ومحطات الطاقة، إلى جانب حديثه المتكرر عن أن استهداف بعض المنشآت النووية الإيرانية المحصنة بات خياراً مطروحاً بقوة.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن حرية الملاحة وأمن مضيق هرمز أصبحا في صلب الاستراتيجية الأميركية خلال المرحلة الحالية، بعد أن تحولا إلى محور رئيسي للصراع.
استعدادات أميركية وردع إيراني
أما المؤشر الرابع، فيرتبط بالتحركات العسكرية الأميركية على الأرض، فبحسب عزيزي، فإن إعادة تموضع القوات الأميركية في المنطقة، وتكثيف نقل المعدات العسكرية من الولايات المتحدة وأوروبا إلى إسرائيل، وزيادة نشاط طائرات الاستطلاع والقيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية، إضافة إلى نشر قاذفات استراتيجية من طراز B-1، كلها تعكس استعداداً لخيارات عملياتية أوسع قد تتجاوز الضربات الجوية التقليدية، بما يمنح واشنطن قدرة أكبر على تنفيذ عمليات بعيدة المدى أو الرد السريع على أي تصعيد إيراني.
يقابل ذلك مؤشر خامس يتمثل في تغير طبيعة الردع الإيراني، فطهران لم تعد تكتفي بالتحذير من الرد على أي استهداف لمنشآتها النووية أو بنيتها التحتية، بل وسعت نطاق تهديداتها ليشمل أهدافاً إقليمية تعتبرها مرتبطة بالعمليات الأميركية، مع ترجيح عدد من المحللين الإيرانيين أن أي توسع كبير في الحملة العسكرية الأميركية قد يدفع إيران إلى استهداف مواقع استراتيجية داخل إسرائيل، حتى إذا لم تكن الأخيرة طرفاً مباشراً في العمليات.
ويرى عزيزي أن هذا التطور يعكس انتقال الاستراتيجية الإيرانية من الدفاع عن الداخل إلى توسيع مسرح الردع الإقليمي، في محاولة لرفع كلفة أي عملية عسكرية أميركية جديدة.
سيناريو مفتوح على الأسوأ
تكتسب هذه المؤشرات أهمية مضاعفة في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع آثارها الاقتصادية، خصوصاً على حركة الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة وأسواق النفط، في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى أن استمرار الحرب يرفع كلفتها العسكرية والاقتصادية على جميع الأطراف، ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
كما يحذر عزيزي من أن استمرار التصعيد يقلص فرص العودة إلى المسار الدبلوماسي، ويجعل أي حادث ميداني جديد قابلاً لإشعال مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز حدود الولايات المتحدة وإيران، لتطال الخليج وشرق المتوسط والممرات البحرية الدولية، بما يعيد رسم معادلات الأمن في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
- خسائر ونفوق في قطاع الدواجن.. مطالب بضبط الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي
- مؤتمر دولي للابتكار في الرعاية الصحية والبحث العلمي بجامعة دمشق
- خطة الحسم.. ما هي استراتيجية واشنطن الجديدة حيال إيران لإنهاء الحرب؟
- أكثر من 300 معلم في ريف حماة مهددون بفقدان وظائفهم.. ما الأسباب؟
- موفق طريف يطالب الأمم المتحدة بالتدخل لفك ما وصفه بـ”الحصار” عن السويداء