منذ انطلاق الحرب على تنظيم “داعش” عام 2014، ارتبط “الحشد الشعبي” بمرحلة استثنائية من تاريخ العراق، بعدما شاركت تشكيلاته إلى جانب القوات الأمنية في استعادة المدن ومواجهة التنظيم، ومع انتقال البلاد من مرحلة الحرب إلى تثبيت مؤسسات الدولة، يعود ملف مستقبل “الحشد: وتنظيم السلاح إلى الواجهة، وسط تباين في الرؤى بشأن شكل المرحلة المقبلة وآليات دمج المقاتلين ضمن المؤسسات الرسمية.
وبينما تتمسك أطراف من الفصائل المسلحة -بعضها منضوية في مؤسسة الحشد- بالحفاظ على منجزات سنوات القتال وتضحيات المقاتلين، تطرح فصائل وأحزاب أخرى تنظيم السلاح وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت مظلة الدولة.
علاوة على ذلك، فإن صمود “الحشد الشعبي” يتجاوز كونه تكتيكياً، فبالنسبة لكثير من مؤيديه، تُعدّ قيمة “الحشد” في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية “عاطفية ومؤسسية عميقة”. لذا، فإن حله ودمجه ليس مجرد تحدّ سياسي؛ بل هو أيضًا تحدّ اجتماعي، فبعض المجتمعات لا تزال تعتقد أن الدولة لا تستطيع حمايتها، سواء من أي تهديدات محتملة، ولذلك فإن منطق الدفاع المسلح عن النفس بالنسبة لكثيرين من المجتمع الشيعي في العراق “سيصمد”.
وتجلت هذه الهشاشة بوضوح في عام 2014، عندما انهار الجيش العراقي مع تقدم تنظيم “داعش” نحو مواقعه شمالي وغربي العراق، تاركاً مناطق شاسعة من البلاد من دون حماية. وقد أدى ذلك إلى إصدار المرجع الديني الأعلى للشيعة في العراق والعالم آية الله علي السيستاني، فتوى “الجهاد الكفائي”، التي تدعو جميع العراقيين الذكور القادرين على العمل، الانضمام إلى النضال المسلح دفاعاً عن البلاد ضد التنظيم المتطرف.
حفظ التضحيات وتحقيق وحدة القرار.. مسارات دمج “الحشد” والفصائل في أجهزة الدولة
فيما يتعلق بملف حل مشكلة السلاح، يؤكد النائب في البرلمان العراقي مرتضى عبود الإبراهيمي في حديث لـ”الحل نت”، أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم بما يحفظ منجز “الحشد الشعبي” والفصائل التي قاتلت تنظيم “داعش”، مشدداً على أن هذه القوى كان لها دور أساسي في مواجهة الإرهاب والدفاع عن العراق، ولا يمكن التعامل معها بوصفها جزءاً من مرحلة “داعش” أو تجاهل ما قدمته من تضحيات.
يشير الإبراهيمي، إلى أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من ظروف الحرب ومواجهة الإرهاب إلى مرحلة بناء الدولة، بما يضمن أن يكون قرار السلم والحرب موحداً وتحت مظلة الدولة العراقية، من دون أن يعني ذلك الانتقاص من مكانة “الحشد الشعبي” أو التضحيات التي قدمتها الفصائل خلال معارك التحرير.
ويرى الإبراهيمي، أن دمج الفصائل ضمن الأطر والمؤسسات الرسمية للدولة يمكن أن يكون جزءاً من حل مشكلة السلاح، بما يحافظ على منجزات مرحلة التحرير ويضمن وحدة القرار الأمني والعسكري، مؤكداً في الوقت نفسه أن المطلوب ليس الدخول في مواجهة بين الدولة وأبنائها، وإنما الوصول إلى تفاهم يحفظ الدولة ويحفظ التضحيات التي قدمت في مواجهة “داعش”.
من الفصائل و”الحشد” إلى الأجهزة الأمنية.. عائلات المنتسبين تطالب بفتح التطوع
في ظل الحديث عن تنظيم السلاح وإعادة ترتيب العلاقة بين “الحشد الشعبي” والفصائل والمؤسسات الأمنية، تبرز مطالب من داخل عائلات منتسبي “الحشد” بشأن مستقبل أبنائهم وحقوقهم، وسط دعوات إلى منحهم خيارات واضحة بشأن استمرارهم في “الحشد” أو الانتقال إلى وزارتي الدفاع والداخلية وبقية الأجهزة الأمنية.
في هذا الصدد، يقول وسام التميمي، وهو والد لأحد منتسبي “الحشد الشعبي”، إن “إنصاف أبناء الحشد ومساواتهم بأقرانهم يمثل وفاء لما قدموه من تضحيات خلال معارك مواجهة الإرهاب”، مردفاً أن “من لبوا نداء المرجعية وشاركوا في الدفاع عن العراق يستحقون ضمان حقوقهم وتكريمهم”.

ودعا التميمي في حديث مع “الحل نت”، الحكومة العراقية إلى فتح باب التطوع أمام مقاتلي “الحشد الشعبي” للانضمام إلى وزارتي الدفاع والداخلية وأجهزة الدولة، مع منحهم حرية اختيار الجهة التي يرغبون بالانتساب إليها.
ويضيف التميمي، أن فتح نافذة خاصة أمام منتسبي “الحشد” للانضمام إلى وزارة الدفاع، قد يدفع أعداداً منهم إلى ترك “الحشد” والفصائل والالتحاق بالجيش العراقي، معتبراً أن ذلك يمكن أن يؤدي خلال فترة زمنية إلى إنهاء “الحشد الشعبي” بصيغته الحالية.
استحقاق المرحلة وتوجيهات المرجعية.. غطاء شرعي وسياسي للتحول المؤسساتي
ضمن ذات الإطار، يرى محمد المحياوي عضو “ائتلاف الإعمار والتنمية” الذي يقوده رئيس الحكومة العراقية السابقة محمد شياع السوداني، أن التضحيات والدور البطولي الذي قدمته القوات الأمنية و”الحشد الشعبي” والفصائل خلال معارك تحرير المدن من التنظيمات المتطرفة، تمثل رصيداً وطنياً ثابتاً يحظى باحترام العراقيين، مؤكداً أن “من جاء نصرة وعوناً للقوات الأمنية لا يمكن أن يكون خنجراً في خاصرة الدولة، بل جزءاً من منظومتها التي تحمي سيادتها وتصون أمنها”.
ويلفت المحياوي في حديث مع “الحل نت”، إلى أن ملف تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى نقطة افتراق، بل يمثل استحقاقاً تفرضه طبيعة المرحلة الحالية، مبيناً أن دمج القوى والفصائل ضمن المؤسسات الرسمية للدولة، وخصوصاً ضمن الأطر الأمنية والعسكرية القانونية، يمكن أن يمثل انتقالاً طبيعياً من مرحلة الحرب والتحرير إلى مرحلة البناء والاستقرار.
يؤكد المحياوي، أن عملية الدمج لا تعني الانتقاص من تضحيات تلك القوى أو دورها في مواجهة “داعش” أو حتى “القاعدة” قبل ذلك، وإنما يمكن أن تحافظ على هذا الإرث الوطني ضمن إطار مؤسساتي موحد يخضع للقانون وأوامر الدولة، بما يعزز وحدة القرار الأمني ويحفظ سيادة العراق.
ويتابع المحياوي، أن الجمهور العراقي الذي ساند هذه القوى خلال الحرب ضد “داعش” يدرك اختلاف متطلبات المرحلة الحالية عن ظروف الحرب، وأن الانتقال إلى العمل المؤسساتي الكامل لا يتعارض مع الدور البطولي السابق، بل يمثل استكمالاً له في مرحلة جديدة عنوانها بناء الدولة وترسيخ الاستقرار.
كما يشير، إلى أن جمهور الفصائل يحتكم إلى توجيهات المرجعية الدينية العليا في النجف، مبيناً أن حصر السلاح بيد الدولة كان من بين المواقف التي أكدت عليها المرجعية، الأمر الذي يجعل تنظيم السلاح ودمج القوى المسلحة ضمن الأطر الرسمية للدولة مساراً منسجماً مع متطلبات المرحلة الحالية.
تفاوض بلا تصادم.. الموعد الحاسم وموقف الفصائل
في إطار ملف حصر السلاح، أعلن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، عدم وجود نية لدى حكومته للتصادم العسكري مع الفصائل المسلحة، مؤكداً استمرار الحوار معها بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وقال خلال “مؤتمر حوار بغداد” الأخير، إن عدداً من الفصائل سلّمت سلاحها، فيما تتواصل المفاوضات مع فصائل أخرى لوضع آليات التسليم، مؤكداً اتفاق القوى السياسية على المضي في حصر السلاح، ومشدداً على أن وجود السلاح خارج إطار الدولة مرفوض ويؤثر في الأمن والاستقرار والاستثمار.
وبالعودة إلى النائب الإبراهيمي، يوضح، أن “الحوار هو الطريق لمعالجة مشكلة السلاح بعيداً عن منطق الغالب والمغلوب”، مشيراً إلى أهمية التوصل إلى آلية مشتركة تجمع بين رؤية الحكومة وما طرحته القوى والفصائل، وصولاً إلى صيغة تحفظ مصلحة العراق وتضمن تنظيم السلاح ضمن مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على منجزات “الحشد الشعبي” والفصائل التي أسهمت في تحرير البلاد من الإرهاب.
ويضيف الإبراهيمي، أن حل مشكلة السلاح لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لإلغاء دور “الحشد” أو التنكر لتضحياته، بل إلى خطوة لتنظيم هذا الدور ضمن الإطار القانوني والمؤسساتي للدولة، بما يحقق وحدة القرار ويحفظ أمن العراق واستقراره.

ومع اقتراب مهلة 30 أيلول/ سبتمبر 2026، وهو موعد انسحاب قوات “التحالف الدولي” من العراق، وهو ذات الموعد المتفق عليه لحصر سلاح الفصائل بيد الدولة، يبقى ملف تنظيم السلاح أمام اختبار حقيقي، في ظل مساع حكومية تعتمد الحوار والتفاهم لتجنب التصادم المباشر مع التشكيلات المسلحة.
وبينما أبدت عدة فصائل مرونة في التعامل مع الطروحات الحكومية، وبدأت خطوات باتجاه إعادة تنظيم علاقتها بالدولة، بل وتسليم سلاحها، وأبرزها “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” و”سرايا السلام”، تبرز مواقف رافضة من فصائل محددة لا تتجاوز 3 إلى 4 فصائل كحد أقصى حتى الآن.
الضمانات المادية والوظيفية.. صوت “الحشد” يبحث عن الاستقرار
بينما يتجه النقاش نحو مستقبل الفصائل و”الحشد الشعبي” وشكل علاقته بمؤسسات الدولة، لا يقتصر الجدل على البعد السياسي والأمني للملف، بل يمتد إلى مصير آلاف المنتسبين الذين خاضوا معارك مواجهة “داعش” خلال السنوات الماضية. فهؤلاء يطالبون بأن ترافق أي ترتيبات جديدة ضمانات قانونية واضحة تحفظ حقوقهم الوظيفية والمالية والتقاعدية، وتمنحهم خيارات بشأن مستقبلهم، بما يضمن الانتقال إلى العمل المؤسساتي من دون أن تتحول هذه الخطوات إلى تنكر لتضحياتهم أو مكانتهم.
وفي هذا الشأن، يقول منتسب في “الحشد الشعبي”، فضّلَ عدم الكشف عن اسمه: “قدمنا تضحيات كبيرة في مواجهة الإرهاب دفاعاً عن العراق وشعبه، واليوم نرى أن إنصافنا وضمان حقوقنا يجب أن يكونا جزءاً أساسياً من أي خطوة تتعلق بمستقبلنا”.
ويتابع في حديثه لـ”الحل نت”: “نؤيد أن تكون هناك آلية قانونية واضحة لدمج الراغبين من منتسبي الحشد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية وبقية المؤسسات الأمنية، بما يضمن لهم الرواتب والرتب والاستحقاقات والتقاعد، ويحفظ مكانتهم وتضحياتهم بعيداً عن أي استغلال أو توظيف سياسي”.
ويطالب المنتسب أيضاً، بمعالجة أوضاع كبار السن ممن أمضوا سنوات في الخدمة، وإحالتهم إلى التقاعد وفق القانون مع ضمان حقوقهم كاملة، تقديراً لما قدموه للبلاد، موضحاً أن “فتح باب الانتقال إلى المؤسسات الأمنية الرسمية، سيمنح المنتسب حرية اختيار مستقبله الوظيفي، ويجعل خدمته ضمن مؤسسات الدولة وبأوامرها، بدلاً من بقائه في حالة من عدم الوضوح بشأن مستقبله”.

ويضيف المنتسب في صفوف “الحشد”: “نحن نؤمن بأن الدولة يجب أن تكون صاحبة القرار الأمني والعسكري، وأن يكون لها جيش ومؤسسات أمنية موحدة تعمل وفق القانون، وهذا المبدأ ينبغي أن يشمل جميع التشكيلات مع حفظ حقوق وتضحيات من دافعوا عن العراق”.
“ما نريده في النهاية هو دولة تنصف أبناءها وتحفظ حقوقهم، وتضمن لهم مستقبلاً واضحاً، من دون أن تتحول تضحياتهم إلى مادة للاستغلال السياسي أو الخلافات، وليس لنا أي مشكلة مع تنظيم السلاح وحصره ودمجنا في أجهزة الدولة”، يقول المنتسب مختتماً..
- عائلات منتسبي “الحشد الشعبي” لـ”الحل نت”: مع حصر السلاح وضمان حقوق أبنائنا
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟

