في الوقت الذي تبدو فيه التصعيدات العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران رهن اللحظة المعاصرة وواقع إحداثياتها وتداعيات الأطراف الفاعلة، لا سيما في العراق واليمن ولبنان، فضلاً عن سلامة الممرات المائية والبحرية، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب على البحر الأحمر.
بالتزامن مع ذلك، لم يكن غريباً أو مفاجئاً، من الناحية الاستراتيجية، أن تنقل قناة “الحدث” عن مصادر أن قائد “فيلق القدس” الإيراني، إسماعيل قاآني، أنهى زيارة إلى بغداد، التقى خلالها عدداً من القيادات والفصائل العراقية المدعومة من إيران، حيث طالبها بالحفاظ على سلاحها، داعياً القيادات العراقية إلى استخدام ورقة الفصائل للضغط على واشنطن.
ووفق المصادر، قبل نحو يومين، اعتبر قاآني أن الحكومة العراقية ستخسر في حال اندلاع مواجهة مع الفصائل، منتقداً الفصائل التي وافقت على تسليم سلاحها للدولة، ومشيراً إلى أن السلاح الذي جرى تسليمه هو سلاح إيراني.
سلّمت بعض الفصائل سلاحها، فيما رفضت الفصائل المرتبطة بإيران التخلي عنه، بعد توجيهات من طهران، عقب زيارة إسماعيل قاآني إلى العراق. لكن حكومة الزيدي والمؤسسات الأمنية ماضية في إنهاء ملف السلاح خارج الدولة، وبالتالي، فإن استمرار حيازته بعد مهلة 30 أيلول/سبتمبر 2026 سيقابل بإجراءات قانونية وأمنية، بما في ذلك مداهمة مقارهم من قبل القوات الأمنية.
المحلل السياسي فلاح المشعل لـ”الحل نت”
إذاً، فإن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يدرك جيداً عمق تناقضات المعادلة التي يعمل عليها، وهي بلوغ استقرار العراق وعدم الانجرار وراء معادلات القوة والسيولة الميدانية، وحتمية ضبط السلاح داخل مقدرات الدولة وحصره في يد مؤسساتها فقط.
العراق ومعادلة حصر السلاح
عشرة أيام خلال شهر تموز/يوليو الفائت فصلت زيارة رئيس الوزراء العراقي الزيدي بين واشنطن وطهران، وربما كانت المسافة الحقيقية التي تفصل مضمون الزيارتين أبعد وأعمق مما يفصل بينهما زمنياً، خاصة أن الملف المطروح، وهو ملف الميليشيات العسكرية واستخدام الأراضي العراقية منصات هجوم على الدول المجاورة، بحسب وسائل إعلام خليجية، ملف شائك ومعقد، لا سيما أن البيئة المحيطة ملبدة بكثير من التناقضات والضبابية.
عكست مجريات زيارة الزيدي للعاصمة الأميركية، واشنطن، قبولاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس الوزراء، ويمكن فهم هذا القبول على محورين رئيسيين: الأول، أهمية العراق كنقطة جيوستراتيجية في بنية ومنظومة العلاقات الأميركية تجاه الواقع السياسي في الشرق الأوسط.
أما ثانياً، استعداد رئيس الوزراء العراقي لتنفيذ أعمال أكثر راديكالية ضد الميليشيات الإيرانية في العراق، ما يعني، في تقدير الرئيس الأميركي ترامب، خطوة متقدمة في الضغط على إيران وعزل أذرعها الاستراتيجية والوظيفية من البيئة السياسية والأمنية نفسها، خاصة وأن الوجود العسكري الأميركي في العراق سينتهي خلال أيلول/سبتمبر القادم.
وبالتالي، يبدو من المنطقي فهم مسارات الزيارتين المتتابعتين لواشنطن وطهران لرئيس الوزراء العراقي من خلال هدف واحد يتسق مع طبيعة الخطط الأميركية الدبلوماسية التي تسعى إدارة ترامب إلى تموضع العراق نحو بنيتها مرحلياً، حسب الرؤية الأميركية، من خلال خروج العراق من دائرة التأثير الإيراني الإقليمي.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي العراقي فلاح المشعل لـ”الحل نت“، إن رئيس الوزراء علي الزيدي التزم في برنامجه الحكومي بقضيتين أساسيتين، هما مكافحة الفساد وإنهاء وجود السلاح خارج سيطرة الدولة، مشيراً إلى أن المسار الحكومي بدأ فعلياً بهذا الاتجاه، مع إفهام الفصائل المسلحة بأن 30 أيلول/سبتمبر المقبل سيكون موعداً لخروج آخر جندي أميركي من العراق، وبالتالي سقوط مبرر وجود سلاح خارج إطار الدولة.
عبر ذلك، يمكن القول إن رئيس الوزراء العراقي يحظى بقبول واسع لدى إدارة الرئيس ترامب، وهو ما سيدفع الجميع إلى مساندته ورفع الضغوط عنه لمواجهة أي عمل إيراني سياسي أو ميداني على الأرض.
وربما يمكن فهم ذلك أيضاً من خلال الزيارة التي أجراها الزيدي لأنقرة ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بحيث تتمكن بغداد من تحقيق معادلة استراتيجية حاسمة للجغرافيا الساخنة في منطقة الهلال الخصيب.
وبالتالي، تعد كل خطوة لرئيس الوزراء العراقي الزيدي نحو إعلان حصرية السلاح في يد المؤسسة الأمنية والعسكرية للدولة، فضلاً عن قيامه بأي خطوة عملية نحو ذلك، وما يتطلبه ذلك من ضرورة قيام الفصائل المسلحة بتسليم ترسانتها من الأسلحة وبنيتها التحتية العسكرية للحكومة، تنفيذاً ضمنياً لخطة المبعوث الأميركي توم باراك بشأن تفكيك الفصائل المسلحة وإعادة دمجها، والنظر في وضع هيئة “الحشد الشعبي” ضمن منظومة الحكم، ضمن “الإطار التنسيقي” الحاكم، ومنع أي إجراءات من شأنها ترسيخ وجود الهيئة ضمن البنى الرسمية للدولة.
حكومة الزيدي ماضية في نزع سلاح الميليشيات
جدد العراق تأكيده أن القرار يشمل كافة الجهات غير المرتبطة بالمؤسسات الأمنية، فيما أكد أن الحشد الشعبي “جزء من المنظومة الأمنية”. وقال رئيس خلية الإعلام الأمني، الفريق سعد معن، اليوم السبت، إن “الجهات المشمولة بحصر السلاح هي التي تقع خارج إطار المؤسسات الأمنية للدولة”.
وبيّن أن “الحشد الشعبي جزء من القوات المسلحة العراقية، وبحسب القانون رقم 40 لسنة 2016، يخضع جميع منتسبيه للقوانين العسكرية النافذة”، وفق ما نقلت وكالة الأنباء العراقية “واع”.
بالعودة إلى المحلل السياسي فلاح المشعل، فإنه يوضح أن بعض الفصائل سلّمت سلاحها انطلاقاً من هذا التحديد، فيما بقيت الفصائل المرتبطة بإيران ترفض تسليمه، وربط بعضها مسألة السلاح بنهاية الحرب الأميركية الإيرانية. لكن المشعل يؤكد أن حكومة الزيدي، إلى جانب المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية، ماضية في اتخاذ الإجراءات العملية والقانونية لإنهاء ملف السلاح المنفلت.
وبحسب المشعل، فإن إيران، وبعد زيارة قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني إلى العراق خلال الأسبوع الأخير، وجّهت الفصائل إلى عدم تسليم سلاحها، ما دفع الأمور نحو التصعيد. ويشير إلى أن هذا التوجه جوبه برفض قاطع من رئيس الوزراء، الذي يمضي في تنفيذ مشروعه لإنهاء السلاح غير الشرعي وغير القانوني.
ويضيف المشعل أن الاحتفاظ بالسلاح بعد مهلة 30 أيلول/سبتمبر 2026 سيضع حامليه أمام إجراءات قانونية وأمنية، بما في ذلك مداهمة مقارهم من قبل القوات الأمنية.

وفي سياق ذي صلة، أفادت مصادر سياسية عراقية بأن رئيس الوزراء علي الزيدي أبلغ قادة سياسيين استعداده للمواجهة والصدام مع الفصائل المسلحة المتمسكة بسلاحها، في حال رفضت التعاون بعد انتهاء المهلة المحددة حتى نهاية شهر أيلول/سبتمبر القادم للتخلي عن السلاح وحصره بيد الدولة.
وقد كشفت مصادر قناتي “العربية/ والحدث” أن الزيدي يصر على المضي قدماً في ملف حصر السلاح بيد الدولة، واضعاً خيارين للتعامل مع الفصائل المسلحة خلال المرحلة المقبلة؛ الأول يتمثل في التوصل إلى تفاهمات تنهي ملف حصر السلاح، فيما يقوم الثاني على الانتقال إلى إجراءات أكثر حزماً لفرض سلطة الدولة.
وأضافت المصادر أن الزيدي يخطط لإخضاع منطقة جرف الصخر لسيطرة القوات الأمنية، مشيرة إلى أن زيارة قائد “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري” الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى العراق نهاية الأسبوع الفائت ركزت على منع أي صدام بين الفصائل المسلحة والقوات الأمنية.
وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط أميركية متزايدة على بغداد لضبط سلاح الفصائل الموالية لإيران، فيما كان الزيدي قد منح الفصائل مهلة حتى 30 سبتمبر/أيلول 2026 للتخلي عن سلاحها، بالتزامن مع انتهاء مهمة “التحالف الدولي” الذي تقوده واشنطن لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي، رغم استمرار بعض الفصائل في رفض التعاون بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
العراق يحاول فك الارتباط بنفوذ “الحرس الثوري”
ارتباطاً بكل ما سبق، وما يتيحه من معطيات مهمة ولافتة، يبدو أن رئيس الوزراء العراقي لن يدع ملف الميليشيات والسلاح يمضي دون مراعاة اعتبارات بغداد واشتراطاتها، التي تعهدت بها، خاصة خلال الزيارة الأخيرة إلى واشنطن وما تلاها من زيارة إلى إيران.
وقد يبدو من المرجح أيضاً أن طهران ستكون حريصة، خلال الفترة المقبلة، على ضبط الجميع عند بوصلة مصالح “الحرس الثوري”، وإلزام الميليشيات التابعة لها في العراق بعدم التحرش عسكرياً بالقوات الحكومية في الأفق المنظور، ما يعني أنه يمكن فهم زيارة إسماعيل قاآني الأخيرة إلى بغداد في هذا السياق.
وبالتالي، يبدو العراق، في ظل ولاية علي فالح الزيدي، أكثر صرامة تجاه هدف عزل العراق عن وظيفية “الحرس الثوري”، وفصل الميليشيات التابعة لطهران عن الحضور العراقي، وأكثر قوة نحو جعل العراق بعيداً عن أن يكون منصة هجومية ضد جيرانه بأيدي طهران، الأمر الذي يجعل العراق، في هذا التوقيت، يواجه لحظة مهمة على المستوى الاستراتيجي للدولة العراقية، خاصة أن الشرق الأوسط يواجه اختباراً قاسي الدلالة وثقيل الأثر.
وقد يبدو التحدي الأبرز لحكومة الزيدي خلال الفترة المنظورة هو القدرة الواقعية على تحويل هذا التوجه والتصور الاستراتيجي للدولة العراقية إلى واقع حقيقي وميداني، دون الحاجة إلى الاضطرار لاقتتال داخلي أو إحداث سيولة جديدة في المشهد السياسي والأمني داخل الدولة العراقية.
التوجهات الإيرانية تصطدم بالمصالح الوطنية العراقية
على الجانب الآخر، تبدو طهران أمام حسابات دقيقة ومعقدة؛ فهي تعوّل على التمسك بأذرعها الوظيفية، خاصة في العراق واليمن، كما أنها تدرك تماماً أن الجميع أصابعه على الزناد، وأن اللحظة حاسمة وفاصلة، وقد تدفع الآخر، في العراق وواشنطن، إلى التصرف بقوة وحسم أكبر من تصورات طهران، وأعمق من خيالات قادة “الحرس الثوري”.
وبالعودة إلى المحلل السياسي فلاح المشعل، فإنه يرى أن إنهاء وجود الفصائل المسلحة كان أحد شروط الولايات المتحدة الأميركية لدعم حكومة الزيدي، إلى جانب تقويض التعاون مع إيران، معتبراً أن رئيس الوزراء يحاول، في هذا السياق، خلق حالة من التوازن في العلاقة بين الطرفين.
ويخلص المشعل لـ”الحل نت” إلى أن إيران ترفض هذا التوجه، وتصر على بقاء العراق ضمن فلكها سياسياً واقتصادياً وأمنياً، الأمر الذي يجعل التوجهات الإيرانية، تصطدم بصورة متزايدة بالمصالح الوطنية العراقية.
ومن هنا يمكن قراءة زيارة إسماعيل قاآني إلى بغداد باعتبارها، في أحد أبعادها، محاولة لضبط إيقاع الفصائل ومنع انتقال الخلاف حول السلاح من مستوى التفاوض السياسي إلى مستوى الصدام العسكري.
أما الاحتمالات في الزمن القادم، فلن تبتعد كثيراً عن ضرورة الوصول إلى مقاربات تكتيكية تسمح للدولة العراقية بضبط الداخل ودمج الميليشيات بالصورة التي تحقق أهدافها، منعاً لأي صدام مسلح في هذا التوقيت. وربما تدرك إيران جيداً أنه لا داعي ولا مبرر لتموضع السيناريو الأكثر خطورة، حيث التحول إلى صدام مسلح على خلفية حصر السلاح بيد الدولة.
- محمد بن سلمان: ندعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على اليمن
- رويترز: محادثات سرية جمعت مسؤولين سوريين و”حزب الله” في تركيا
- جدل حول حصر القبول في كليات ومعاهد التعليم العالي السورية بـ”الطلاب الذكور”
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا
- تعز تحت الهجوم.. القوات الحكومية تصد محاولة “حوثية” لتطويق المدينة
