لم يكن ابتعاث ميليشيا “سرايا أولياء الدم” إلى المشهد السياسي والأمني العسكري في العراق، بالتزامن مع هجمات إيران واعتداءاتها على دول الخليج، وتوسيع نطاق الصراع أو رفع كلفته إثر استئناف الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجماته التي اندلعت في شباط/فبراير الماضي، أمراً مفاجئاً، بل له سوابق تكشف عن نزوع السياسة الإيرانية إلى تكتيكاتها في إدارة ميليشياتها وشبكاتها الفصائلية المسلحة، حيث إنها تلعب بورقة التنظيمات الغامضة وغير المعلنة في تبعيتها المباشرة لـ”الحرس الثوري” الإيراني لتحقيق دور مزدوج.
الدور المزدوج لهذه الميليشيا، التي ظهرت إبان مقتل قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني بغارة أميركية مع قائد “الحشد الشعبي” أبي مهدي المهندس، في ذروة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران أثناء ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى عام 2020، يتمثل في تخفيف التبعات السياسية والأمنية عن القوى الولائية التي تنتسب إليها، وكذا المنخرطة ضمن الهيكل الرسمي للدولة العراقية، من جهة، بالإضافة إلى مرونة الحركة والتنسيق مع فصائل محلية وإقليمية، من دون ملاحقة أو مساءلة قانونية أو فرض عقوبات أميركية، بفعل عدم الإعلان عن قادة التنظيم ومعرفة المنخرطين في صفوفه.
التعمية على البنية التنظيمية تبدو، والحال كذلك، أمراً مقصوداً، بل تتضاعف أهميتها في سياق جهود العراق، كما دول أخرى خاضعة لهيمنة طهران سياسياً وميدانياً مثل لبنان، لنزع السلاح غير الشرعي والمتفلت من يد القوى الفصائلية المسلحة.
إيران تصعّد وتدفع الميليشيات العراقية للتهلكة
وفي ما يبدو أن طهران تعتمد تكتيك الاستعانة بالفصائل الغامضة في إطار توسيع نطاق الصراع وتنفيذ هجمات مؤخراً على السعودية والكويت وغيرهما من دول الخليج. وقد تزامنت الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت نفطية داخل السعودية مع ابتعاث الدور المشبوه لـ”سرايا أولياء الدم”، وهي جماعة واجهة ثانوية ذات صلات محتملة بميليشيا “عصائب أهل الحق” الموالية لطهران، وبرز لأول مرة عام 2020 لتبني هجمات ضد قوات أميركية.
وبينما أعلنت الرياض أن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية ونفذته “ميليشيات إرهابية تابعة لإيران”، عاود اسم “سرايا أولياء الدم” الظهور بعد سنوات من ارتباطه بهجمات استهدفت القوات الأميركية داخل العراق، ضمن سياق الانتقام من عملية اغتيال القياديين بـ”الحرس الثوري” سليماني والمهندس، وذلك في مشهد يعكس تحولاً في طبيعة إدارة طهران لشبكة وكلائها الإقليميين، خصوصاً في ظل الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة التي تواجهها.
ولا يقتصر الأمر على “سرايا أولياء الدم”، إذ سبق أن ظهرت خلال السنوات الماضية تشكيلات تحمل أسماء مثل “أصحاب الكهف” و”قاصم الجبارين”، وهي جماعات لم تعلن حتى اللحظة عن هياكل تنظيمية واضحة أو قيادات معروفة، لكنها تبنت عمليات جميعها ضمن الإطار التخادمي مع الفصائل المدعومة من “الحرس الثوري” بتبعيتها لـ”الولي الفقيه”.
يمكن القول إن الفصائل المسلحة والميليشياوية التي تعمل طهران على تشغيلها بشكل خفي وغير معلن، من دون إعلان تبعية مباشرة، تمثل جزءًا من استراتيجية حروب الظل أو حروب المنطقة الرمادية، الأمر الذي يمنح تلك الفصائل فرصة لتحقيق هدفين متوازيين؛ فمن جهة تتجنب المسؤولية السياسية والقانونية المباشرة وما قد يترتب عليها من عقوبات أو ضربات عسكرية، ومن جهة أخرى تحافظ على خطاب التحشيد والتعبئة الإيرانيين من خلال استمرار تبني العمليات ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
ومن اللافت أنه في فبراير/شباط 2021، تعرض إقليم كردستان العراق، وتحديداً أربيل/هولير، إلى هجوم تبنته “سرايا أولياء الدم”، بينما خلصت التحقيقات الكردية والتقديرات الأميركية إلى ارتباط منفذيه بفصيلي كتائب “سيد الشهداء” و”كتائب حزب الله” العراقيين، في حين لعبت المنصات الإعلامية التابعة للفصائل الولائية دوراً رئيسياً في التمهيد للهجوم والترويج له.
وعليه، فإن “سرايا أولياء الدم” لا تمثل تنظيماً مستقلاً بقدر ما تشكل واجهة أو منصة وظيفية لتبني العمليات التي ترغب الفصائل الرئيسة في إبعاد نفسها عنها، مع الأخذ في الاعتبار أن تبني العمليات كان يتم نشره من خلال شبكة “صابرين نيوز”، التي تُعد إحدى أبرز المنصات الإعلامية للفصائل الموالية لإيران.
تغيير النظام الإيراني بات أكثر إلحاحاً
وفي ما يبدو أن عودة هذه التشكيلات ترتبط بمحاولة إيرانية لإعادة هيكلة أدواتها العسكرية في العراق، عبر تدشين أطر تحمل أسماء جديدة لا ترتبط، من الناحية الشكلية، بالفصائل المصنفة أميركياً منظمات إرهابية، بما يشي بخطوة تكتيكية لضمان استمرار قدرة طهران على إبقاء المناطق التي راكمت فيها نفوذها ضمن منظومتها للردع، ومواجهة خصومها، عبر استخدام وكلائها العسكريين مع تقليل كلفة التصنيف والعقوبات الدولية.
إلا أن هذا التكتيك لا يبدو أكثر من مجرد مناورة مؤقتة، وليس له فوائد سياسية وميدانية، بل إنه يضاعف الجهود باتجاه ضرورة تفكيك البنى العسكرية الخارجة عن سلطة الدولة، وربما يجعل شروط تغيير النظام في طهران أكثر وجاهة وإلحاحاً في ظل التداعيات الخطيرة للهجمات الأخيرة في الرياض. حيث إن الهجوم على السعودية ليس حادثاً منفرداً، بل جزء من تنسيق أوسع واضح، على نحو مباشر، بين طهران ووكلائها في المنطقة، وتحديداً “الحوثي” في اليمن، الذي يباشر تنفيذ هجمات مماثلة على السعودية ويصعد في البحر الأحمر.
وبالتالي، فالمؤشرات الميدانية تشير إلى أن القرار العملياتي للتنظيم الميليشياوي في العراق ليس فقط بيد “الحرس الثوري” وفي تبعية كلية لإيران، إنما يواصل التنسيق محلياً وإقليمياً، سواء على مستوى الفصائل العراقية أو جماعة “الحوثي”.
وأمس، كشف الناطق بلسان وزارة الدفاع السعودية، اللواء الركن تركي المالكي، عن اعتراض الدفاعات الجوية عدداً من الطائرات المسيّرة وتدميرها، حيث كانت بصدد استهداف منشآت بترولية في المنطقتين الشرقية والرياض. وقال إن “هذه المحاولات الإرهابية انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها ميليشيات إرهابية تابعة لإيران”.
وجاء في بيان وزارة الخارجية السعودية: “وإذ تؤكد المملكة عزمها على حفظ أمنها وسيادتها وردع المعتدين، وحقها في الرد على مصادر العدوان، فإنها تؤكد ضرورة اتخاذ الحكومة العراقية كل ما يلزم لضمان منع استخدام أراضيها منطلقاً للعدوان”.

الهجوم على السعودية يتزامن مع هجمات مماثلة في الدول الخليجية والعربية، منها الكويت والأردن، بجانب التصعيد اللافت والطارئ الذي تقوده الميليشيا “الحوثية” في اليمن. وقد حذر مسؤولون يمنيون ودبلوماسيون غربيون من أن اليمن يقترب من استئناف حربه المجمدة منذ أكثر من عقد، في ظل تصاعد هجمات الميليشيا المدعومة من إيران على البنية التحتية السعودية وخطوط الملاحة، بما يهدد بنسف مسار التهدئة الذي استمر منذ هدنة عام 2022، وفق ما قالت “رويترز” قبل أيام.
وكثفت الميليشيات “الحوثية” والقوات الحكومية اليمنية خلال الأيام الأخيرة حشودها العسكرية على امتداد خطوط التماس، من الساحل الغربي للبحر الأحمر وصولاً إلى الحدود السعودية، في مؤشر يعكس تزايد احتمالات اندلاع مواجهة واسعة.
ورغم استمرار جهود الوساطة، إلا أن دبلوماسيين غربيين يرون أن فرص التوصل إلى تسوية سياسية تتراجع بصورة متسارعة. وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه الرياض تسعى، منذ هدنة 2022، إلى تجنب العودة إلى الحرب التي خلفت مئات الآلاف من الضحايا وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وكلاء إيران يخسرون فرص الانخراط السياسي
وبحسب “رويترز”، فإن استهداف “الحوثيين” أحد المطارات السعودية الأسبوع الماضي، وإعلانهم فرض حصار بحري على المملكة، بجانب هجومين استهدفا ناقلتي نفط سعوديتين، يُعد من أبرز المؤشرات وأكثرها فداحة وخطورة على احتمال تجدد الحرب منذ عام 2022. وكان الرئيس ترامب قد قال إنه سيحمّل إيران مسؤولية أي هجمات ينفذها “الحوثيون”.
وقالت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة إن جماعة “الحوثي” تسعى إلى استنساخ الاستراتيجية الإيرانية في مضيق هرمز داخل البحر الأحمر، عبر تعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب، معتبرة أن ضعف الرد الدولي على تصعيد الجماعة شجعها على المضي في هذا النهج.
وأضافت الزوبة، خلال لقاء مع عدد محدود من الصحفيين في السفارة اليمنية بالعاصمة السعودية الرياض، أن “الحوثيين يريدون تكرار النموذج الإيراني، وهو ما سيؤدي إلى تعطيل أهم ممرين بحريين يمثلان بوابتي الخليج والبحر الأحمر”.
إذاً، يبدو الأمر الأكثر خطورة، في ظل جملة التداعيات القائمة، في التنسيق الخفي بين “الحوثي” والفصائل العراقية، ومنها “سرايا أولياء الدم”، ضمن شبكة وكلاء إيران وإدارة “الحرس الثوري” لنفوذها في المنطقة من خلال سياسات الردع والتصعيد ووضع الأطراف الإقليمية على حواف الصراع وتوريطها في الأزمة التي تخوضها مع الولايات المتحدة، حيث إن توسيع نطاق الهجمات لرفع كلفة الصراع يعمل بالتوازي مع محاولات دفع العراق إلى الرقعة ذاتها المحتدمة وسقوطه في فخ النزاع ودوامات الحرب. إذ إن إعلان السعودية اعتراض طائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية داخل أراضيها، وقالت إنها أُطلقت من قبل فصائل عراقية مدعومة من إيران، تزامن مع تبني “الحوثي” تنفيذ هجمات طالت منشآت نفطية سعودية. ورغم تباين الهجومين، إلا أنهما يرتبطان بالمواجهة الإقليمية الدائرة.
بالمحصلة، فإن شبكات إيران في العراق، الخفية والمعلنة، قائمة منذ مرحلة ما بعد عام 2003، وهي ليست بالأمر الطارئ. ومن خلال نفوذها في العراق، تمكنت طهران من تأمين ممر بري يربطها بحلفائها في سوريا “الأسد” ولبنان مع “حزب الله”، لتدشين مجالات حيوية جيواستراتيجية لتطويق المنطقة، أو بالأحرى عسكرتها، وتحقيق مصالحها الطائفية.
ورغم المؤشرات التي توحي بنوع من اللامركزية أو الانفلات الكامل للفصائل الغامضة، إلا أنها تظل تتحرك وفق بوصلة استراتيجية تحدد معالمها طهران، كما “الحرس الثوري”. وبالتالي، فإن طهران تواصل اعتماد بغداد كورقة ضغط ضمن رسائل ردع متبادلة مع واشنطن، كما سبق أن فعلت في مرحلة حروب الظل مع إسرائيل من خلال توتير أوضاع الملاحة الدولية في البحر الأحمر بواسطة “الحوثي”.
وهو ما يعني أن إيران تتجه لدفع الفصائل العراقية المسلحة الموالية لها، إلى جانب جماعة “الحوثي” في اليمن، للمحرقة ذاتها التي دفعت إليها “حزب الله” في لبنان. وإذا لم تنأَ هذه الفصائل بنفسها عن هذا المسار الذي لا يخدم سوى مصالح طهران ويعزز مواقفها السياسية وسلوكها العدائي في المنطقة وضياع فرص الانخراط في المسارات السياسية، فإنها ستواجه المصير ذاته الذي واجهه “حزب الله”، والذي لا يزال يدفع ثمن انخراطه في مواجهة عسكرية غير متكافئة مع إسرائيل. وقد سبب ذلك في دمار وخراب مساحات واسعة من لبنان، وأعاده سنوات إلى الوراء بفعل الخسائر الاقتصادية والخدمية والبشرية، في حين كانت المستفيد الأكبر من هذا المسار هي إيران وفقط.
- اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية التركية.. اختبار معادلة الردع الجديدة
- اقتصاديون سوريون حذروا سابقاً.. هل يدفع السوريون ثمن إلغاء الدعم الحكومي؟
- إلهام أحمد: نطالب بتدريس المناهج كاملة بالكردية والدستور الجديد يجب أن يضمن هذا الحق
- آلاف السوريين في الأردن يتقدمون بطلبات زيارة مؤقتة إلى سوريا.. ما التفاصيل؟
- خلال 48 ساعة من رفع سعر الوقود.. الغلاء يشعل الأسواق والنقل في الحسكة
