في غضون أيام قليلة، خرج التصعيد في اليمن من مدرج مطار صنعاء، إلى مياه البحر الأحمر، فبعد أزمة الطائرة الإيرانية، أعلنت جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، فرض حظر على الملاحة السعودية، لتنتقل المواجهة من خلاف حول إدارة الأجواء إلى اختبار جديد يتعلق بأمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
هذا التسارع الذي أدى إلى تبادل البيانات والرسائل السياسية، ودفع بالأزمة إلى أمام، حتى أصبح البحر الأحمر جزءاً مباشراً من المواجهة، بعدما كانت أزمة الطيران تتصدر العناوين.
وبين الحدثين، توالت مواقف الحكومة اليمنية والسعودية والتحالف والأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، في مؤشر يطرح سؤالاً أكبر من تفاصيل الوقائع نفسها، إلى أين تحاول جماعة “الحوثي” دفع هذه الأزمة؟
من مدرج المطار إلى البحر الأحمر
بدأ التوتر مع الرحلات الإيرانية التابعة لشركة “ماهان إير”، التي حاولت الوصول إلى صنعاء، دون موافقة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الأمر الذي فجّر خلافاً حول الجهة المخولة بإدارة المجال الجوي اليمني، وحدود سلطة الدولة على منافذها السيادية.
وبينما كانت الأزمة لا تزال تدور حول الطيران، برزت مبادرة أردنية لتسيير رحلات منتظمة بين عمّان وصنعاء، ورحبت بها الحكومة اليمنية، كما دعت السعودية جماعة “الحوثي” إلى التعامل معها بصورة إيجابية، باعتبارها خطوة “تخفف معاناة اليمنيين، وتعيد تشغيل الرحلات المدنية وفق ترتيبات قانونية”.
لكن جماعة “الحوثي” لم تتجه نحو هذا المسار، حيث أعلنت بعد أيام قليلة، فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، تحت شعار “الحصار بالحصار”، داعية إلى مواصلة التعبئة ورفد الجبهات.
هذا الانتقال السريع، وفق مراقبين، يلفت الانتباه إلى أن جماعة “الحوثي” تهرب إلى الحرب كلما وجدت نفسها محاصرة بالضغوط المجتمعية، وأيضاً توجيهات إيران المتعلقة باستمرار التصعيد.
لماذا جاء التصعيد الآن؟
يتزامن إعلان جماعة “الحوثي” مع مجموعة تطورات متلاحقة يصعب فصل بعضها عن بعض، حيث شددت الحكومة اليمنية من إجراءاتها المتعلقة بالمجال الجوي، وأكدت أن أي رحلات دولية يجب أن تتم عبر مؤسسات الدولة.

وفي الوقت نفسه، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، بدء العمل على استئناف تصدير النفط، مع توجيه العائدات لصرف الرواتب وتحسين الخدمات، في خطوة تستهدف إعادة تنشيط أحد أهم مصادر الدخل الحكومي، بعد توقف استمر منذ استهداف موانئ التصدير، في تشرين الأول/ أكتوبر 2022.
ويرى الكاتب والباحث السياسي معن دماج، أن قرار استئناف تصدير النفط لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يحمل دلالة سياسية تتعلق بإنهاء حالة الجمود التي فرضها استهداف الموانئ النفطية منذ عام 2022.
ويشير دماج، إلى أن تمسك الحكومة بهذه الخطوة، رغم التهديدات الأخيرة، يعني أنها تمضي نحو تغيير قواعد الاشتباك التي استقرت خلال السنوات الماضية، وهو ما يرفع احتمالات مزيد من التصعيد إذا أصرت جماعة “الحوثي” على الرد.
كما جاءت المبادرة الأردنية، لتقدم بديلاً عملياً لاستئناف الرحلات الجوية، الأمر الذي وضع جماعة “الحوثي” أمام خيارين لا ثالث لهما، إما القبول بترتيبات تمر عبر الدولة اليمنية، أو البحث عن مسار آخر يحافظ على شروطها السياسية.
وجاء الإعلان عن حظر الملاحة، بعد هذه التطورات مباشرة، وهو توقيت يدفع إلى الاعتقاد بأن الجماعة “الحوثية” أرادت نقل مركز المواجهة إلى مساحة أكبر، بدلاً من بقائها محصورة في قضية الطيران.
الأزمة تخرج إلى الإقليم
لم تمر ساعات على إعلان الحظر، حتى توالت المواقف الإقليمية والدولية، حيث أدانت السعودية التهديدات، وأكدت أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سفنها وفق القانون الدولي.
كما أعلنت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية، بدء تنفيذ إجراءات عملياتية لحماية السفن التجارية العابرة في مضيق باب المندب، مع التأكيد على أنها “ستتعامل بحزم مع أي تهديدات تستهدف الملاحة”.
بدورها، حذرت الأمم المتحدة من مخاطر التصعيد، ودعت إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والدبلوماسية، بينما أكد المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال تحركاته بين الرياض ومسقط أهمية الحفاظ على ما تحقق منذ هدنة عام 2022، ومنع انزلاق اليمن إلى موجة جديدة من المواجهة.
أما الولايات المتحدة الأميركية، فأعلنت أنها سترد إذا تحولت التهديدات إلى إجراءات فعلية تمس حركة الملاحة، في وقت استمرت فيه التوترات بين واشنطن وطهران، على خلفية الضربات الأميركية داخل إيران.
وكشفت هذه الردود أن الأزمة لم تعد تٌقرأ باعتبارها شأناً يمنياً داخلياً فقط، وإنما بوصفها قضية ترتبط بأمن الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
ما الذي تقوله طهران؟
زاد من تعقيد الصورة، ما بثته قناة إيرانية رسمية، عندما وصفت تحرك جماعة “الحوثي” بأنه “ورقة قوة” يمكن أن تمنح طهران، موقعاً تفاوضياً أفضل، ودعت إلى عدم “استهلاك ورقة اليمن” سريعاً.

ويكفي هذا التصريح، لمعرفة حجم الارتباط بين التصعيد الحالي والحسابات الإيرانية، خصوصاً مع تقارير إعلامية تحدثت عن ضغوط إيرانية على الجماعة “الحوثية” للاستعداد لإغلاق البحر الأحمر، إذا توسعت المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية.
وفي المقابل، تنفي طهران باستمرار، توجيه العمليات العسكرية لجماعة “الحوثي”، وتؤكد أن قراراتها مستقلة.
ومع استمرار حالة التوتر، يظل الثابت أن البحر الأحمر أصبح جزءاً من معادلة إقليمية معقدة، وأن أي تصعيد فيه لن تتوقف آثاره عند السواحل اليمنية.
ويرى الكاتب الصحفي عبد السلام القيسي، أن التطورات الأخيرة قد تدفع إلى قدر أكبر من التنسيق بين السعودية والإمارات وقطر، بعد سنوات شهدت تباينات في مواقف بعض الدول الخليجية، تجاه عدد من الملفات الإقليمية، بينها اليمن.
ويعتقد أن جماعة “الحوثي” استفادت خلال الفترة الماضية من تلك التباينات، فيما قد يؤدي اتساق المواقف الخليجية، إذا استمر، إلى تقليص هامش المناورة أمام الجماعة، غير أن ذلك يبقى مرهوناً بترجمة هذا التقارب، إلى خطوات سياسية وأمنية عملية، وليس الاكتفاء بالمواقف المعلنة.
اختبار للدولة قبل أن يكون اختباراً للسلاح
في خضم هذه التطورات، حرصت الحكومة اليمنية على تقديم خطاب مختلف عن السنوات الماضية. فإلى جانب تشديدها على حماية السيادة، ومنع تشغيل أي رحلات خارج الأطر الرسمية، أعلنت المضي في استئناف تصدير النفط، ودعت إلى الالتفاف حول مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، باعتبارها الجهة المخولة بإدارة المنافذ والموارد والقرار السيادي.
ويعتقد دماج أن تمسك الحكومة بخطواتها الأخيرة، يشير إلى أنها لم تعد تتعامل مع التهديدات باعتبارها سبباً للتراجع، وإنما باعتبارها اختباراً لقدرتها على فرض سلطة الدولة، وحماية قرارها السيادي.
ويبدو أن جانباً من الصراع يدور اليوم حول هذه النقطة تحديداً، فمن يدير المطارات؟ ومن يتحكم بالموانئ؟ ومن يقرر استخدام المجالين الجوي والبحري؟
لهذا، تبدو الأزمة الحالية مرتبطة أيضاً بمحاولة كل طرف تثبيت موقعه بوصفه صاحب القرار في القضايا السيادية، وليس فقط بردود الفعل العسكرية المتبادلة.
إلى أين تتجه الأزمة؟
حتى الآن، لم يتحول إعلان جماعة “الحوثي” إلى إغلاق فعلي للملاحة المرتبطة بالسعودية، كما أن سفناً واصلت عبور مضيق باب المندب بعد صدور التهديدات، وهو ما يعني أن مستوى التصعيد الميداني ما يزال أقل من سقف الخطاب المعلن.
لكن ذلك لا يقلل من خطورة المرحلة، فأي احتكاك في البحر الأحمر قد يفتح الباب أمام ردود عسكرية كبيرة، ويزيد الضغوط على اليمن، في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة الحفاظ على الحد الأدنى من التهدئة، كما قد ينعكس مباشرة على التجارة الدولية وأسواق الطاقة.
وخلال أيام قليلة، انتقلت الأزمة من خلاف حول طائرة إلى تهديد الملاحة، ثم إلى تحركات عسكرية وسياسية ودبلوماسية متسارعة، وهو تطور يكشف أن اليمن دخل مرحلة أكثر حساسية، مما كانت عليه خلال الأشهر الماضية.
وحتى الآن، لا تزال التحركات العسكرية أقل من سقف الخطاب السياسي، غير أن استمرار هذا المسار، قد يجعل أي حادث ميداني، شرارة لتصعيد واسع النطاق.
- تصعيد “الحوثي” يستنفر الرياض.. تنسيق سعودي تركي باكستاني لاحتواء التهديد
- تحذير من صفحة مزورة تنتحل اسم “شام كاش” وتستهدف بيانات المستخدمين
- مع اضطراب هرمز.. العراق يوسّع خطط تصدير النفط عبر سوريا
- موافقة الخارجية شرط لتنفيذ مشاريع المنظمات السورية بتمويل دولي
- سقوط المخا بيد “الحوثيين”.. باب المندب في مرمى النيران

