تعميم جديد في اللاذقية بشأن “الاحتشام”.. جدل حول تدخل الحكومة في لباس الموظفات

أثار تعميم صادر عن الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية في مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية موجة واسعة من الانتقادات، بعد فرضه قيوداً مشددة على لباس الموظفات داخل المؤسسة الحكومية، في خطوة اعتبرها ناشطون وحقوقيون دليلاً جديداً على تنامي التشدد الديني داخل مؤسسات الدولة السورية منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة.

ويأتي القرار وسط اتهامات متزايدة للحكومة بالتراجع عن الوعود المتعلقة بالحريات العامة والدولة المدنية، والانخراط بدلاً من ذلك في فرض وصاية أخلاقية ودينية على المواطنين، ولا سيما النساء.

رقابة على أجساد النساء داخل المؤسسات الحكومية

وبحسب التعميم رقم 67 الصادر بتاريخ 5 تموز/يوليو الجاري، ألزمت الهيئة جميع العاملات، سواء كنّ دائمات أو مؤقتات أو موسميات، بالتقيد بما وصفته بـ”اللباس المحتشم والرسمي واللائق بالوظيفة العامة”. ولم يقتصر القرار على وضع معايير عامة للمظهر الوظيفي، بل نصّ بشكل صريح على أن يكون اللباس “ساتراً لجميع أجزاء الجسم” بحيث يقتصر الظهور على الوجه والكفين فقط، مع منع الملابس الضيقة أو القصيرة أو ما اعتبره التعميم “مبتذلاً”.

كما كلف التعميم مديري المديريات والفروع والمزارع بمتابعة التنفيذ، فيما أوكلت مهمة الرقابة إلى مديرية الرقابة الداخلية التي ستتولى تنظيم التقارير بحق المخالفات.

ويكشف نص التعميم أن المسألة تتجاوز حدود تنظيم بيئة العمل أو الحفاظ على المظهر المهني، لتصل إلى فرض معايير سلوكية ودينية محددة على الموظفات داخل مؤسسة عامة يفترض أن تخضع للقانون لا للاجتهادات الأخلاقية أو الدينية. كما يلفت مراقبون إلى أن القرار لم يستند في نصه المنشور إلى مادة قانونية واضحة تمنح الإدارة حق فرض هذا النوع من القيود على الحريات الشخصية للعاملات.

نص التعميم الصادر عن الهيئة (انترنت)

من الإدارة إلى الوصاية الدينية

ويأتي التعميم بعد قرارات مشابهة شهدتها محافظة اللاذقية خلال الأشهر الماضية، من بينها تعليمات تتعلق بمنع وضع المكياج أثناء الدوام الرسمي، ما يعزز الانطباع بأن السلطات المحلية وبعض المؤسسات الحكومية تتجه نحو فرض رؤية اجتماعية ودينية محددة عبر أدوات الدولة. ويرى منتقدون أن هذه الإجراءات لم تعد مجرد تعبير عن توجهات محافظة، بل باتت تمثل شكلاً من أشكال التشدد الإسلامي الذي يتغلغل تدريجياً في الإدارة العامة، ويحوّل مؤسسات الدولة إلى جهات رقابة على السلوك الشخصي والمظهر الخارجي للمواطنين.

مزرعة سمك تابعة للهيئة العامة للثروة السمكية. (انترنت)

ويرى حقوقيون أن مثل هذه القرارات تتعارض مع الضمانات الواردة في الإعلان الدستوري لعام 2025، والذي ينص على حماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين. أن اشتراط عدم ظهور أي جزء من جسد المرأة سوى الوجه والكفين داخل مؤسسة حكومية لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً عادياً، بل يعكس تبنياً رسمياً لمعايير دينية يجري فرضها على العاملات بحكم الوظيفة.

ويقول منتقدو القرار إن هذا المسار يعكس تحولاً مقلقاً في دور الدولة، من إدارة الشأن العام وتقديم الخدمات إلى ممارسة الوصاية على الأفراد والتدخل في خياراتهم الشخصية، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة النظام الذي يتشكل في سوريا الجديدة وحدود الحريات التي ستبقى متاحة للسوريين، وخاصة النساء.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم