حارس أرشيف “القاعدة” في إيران..  من هو عبد الرحمن المغربي وكيف صعد للقيادة في التنظيم؟

لم يكن عبد الرحمن المغربي مجرد مسؤول عن إنتاج رسائل تنظيم “القاعدة” الدعائية. فالمعلومات الواردة في وثائق عثر عليها في مجمع أسامة بن لادن في أبوت آباد، إلى جانب بيانات أميركية ودراسات متخصصة، ترسم مسار شخصية توسع دورها من إدارة الذراع الإعلامية للتنظيم الجهادي إلى مواقع قيادية شملت إدارة شؤونه الداخلية والتواصل مع فروعه حول العالم.

تكتسب سيرة المغربي أهمية إضافية عندما يرتبط اسمه بإيران، البلد الذي شكل ملاذاً آمناً لقيادات التنظيم. فمنذ سنوات، تصفه واشنطن بأنه أحد قيادات “القاعدة” الموجودين هناك، فيما تضعه دراسات متخصصة ضمن أبرز الشخصيات التي يعتقد أنها اضطلعت بأدوار قيادية بعد مقتل زعيم التنظيم أيمن الظواهري عام 2022.

ولا تتوقف أهمية الرجل عند مكان وجوده. فمسيرته تطرح أسئلة عن طبيعة القيادة داخل تنظيم عابر للحدود، وكيف يمكن لمسؤول عن إنتاج الرسائل الإعلامية أن ينتقل إلى موقع يتيح له المشاركة في إدارة شؤون التنظيم والتنسيق مع فروعه، وما الذي نعرفه عن دوره الحالي، وما الذي لا يزال محاطاً بالغموض.

في هذا الملف الذي ينشره موقع “الحل نت” على أجزاء، نتتبع مسيرة الرجل الذي يمكن وصفه بأنه أحد أبرز حراس أرشيف “القاعدة”، بالاعتماد على الوثائق المنشورة والمصادر المفتوحة والتقارير الرسمية والدراسات المتخصصة، لفهم موقعه داخل التنظيم الإرهابي، وما تكشفه المعلومات المتاحة عن وجود قياداته في إيران وطبيعة الأدوار التي اضطلعوا بها هناك.

ما الذي نعرفه عن المغربي؟

يعرف الرجل باسم عبد الرحمن المغربي، فيما تورد المصادر الأميركية اسمه الحقيقي بصيغ مختلفة، أبرزها محمد أباتاي، إلى جانب صيغ أخرى. وتذكر مواد أخرى أسماء مستعارة منسوبة إليه، منها مختار المغربي ومنير وإبراهيم وفيصل الدجستاني. وتصفه بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي بأنه مغربي الجنسية، وتشير إلى أن تاريخ ميلاده يقع تقريباً بين عامي 1970 و1971، فيما تحدد وزارة الخارجية الأميركية مكان ولادته في مراكش، وتذكر روايات منشورة أنه ينحدر من أصول أمازيغية.

إعلان مكافأة للمعلومات عن محمد أبارتي- “موقع جوائز من أجل العدالة الأميركي”

غادر المغربي المغرب في تسعينيات القرن الماضي إلى ألمانيا لدراسة برمجة الحاسوب. وتذكر دراسة للباحثين روهان غوناراتنا وأندريا نيلسن أنه انتقل إلى كولونيا عام 1996، فيما تشير دراسة كيفن جاكسون إلى أنه أقام في مدينة كريفيلد الألمانية قبل انتقاله إلى أفغانستان. وتصف بعض الروايات حياته في ألمانيا بأنها شهدت تحولاً تدريجياً نحو التدين والتعرف على التنظيم.

في عام 1999، انتقل المغربي إلى أفغانستان، حيث وصل إلى محيط أسامة بن لادن في قندهار، وفق دراسة جاكسون المنشورة عام 2023 على موقع “جهاديلوجيا”. وتربط روايات عن مسيرته بين خبرته التقنية وإتقانه العربية والألمانية والفرنسية وبين انتقاله إلى العمل الإعلامي داخل التنظيم. حيث اختير لإدارة مؤسسة “السحاب”، الذراع الإعلامية الرئيسية للقاعدة الذي أسسه بن لادن 2001.

وبحسب دراسة جاكسون، لفتت خبرة المغربي التقنية بالإضافة لإتقانه اللغات الثلاث انتباه خالد شيخ محمد، الذي ارتبط اسمه بالتخطيط لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر، وأُدخل المغربي إلى الجهاز الإعلامي للتنظيم.

وبعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، توسع إنتاج القاعدة الإعلامي ليشمل مقاطع توثق الهجمات وتسجيلات تتضمن تصريحات نسبت إلى منفذيها. وتشير روايات منشورة إلى أن خالد شيخ محمد والمغربي شاركا في الإشراف على التحرير الفني والتوزيع من منطقة شمال وزيرستان الباكستانية بعد التدخل الأميركي في أفغانستان.

وفي عام 2003، تولى المغربي الإشراف على مؤسسة “السحاب”، وفق دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت في نيسان/ أبريل 2024. وجاء ذلك بعد اعتقال خالد شيخ محمد في باكستان، في آذار/ مارس من العام نفسه، وهو أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالعمل التنظيمي والإعلامي للقاعدة.

وفي عام 2004، تزوج المغربي إحدى بنات أيمن الظواهري، وفق دراسات تناولت مسيرته، وأصبح من الشخصيات القريبة من قيادة التنظيم. كما ارتبط اسمه بتقارير عن وجوده قرب الظواهري في منطقة باجور الباكستانية. وترددت تكهنات بشأن مقتله في ضربة أميركية استهدفت منطقة دامادولا عام 2006، لكن لم يظهر ما يكفي لتأكيد مقتله، واستمرت المصادر اللاحقة في إدراجه ضمن قيادات التنظيم.

“السحاب”.. من إنتاج الرسائل إلى خدمة القيادة

أدت مؤسسة “السحاب” دوراً مركزياً في إنتاج المواد الإعلامية المنسوبة إلى قيادة القاعدة، بما فيها التسجيلات والبيانات والرسائل الموجهة إلى الجمهور وأنصار التنظيم. ولم تكن أهمية المؤسسة محصورة في نشر المواد الدعائية، إنما ارتبطت أيضاً بقدرة القيادة على إيصال مواقفها إلى الفروع والمتابعين، في ظل الضغوط الأمنية التي حدت من ظهور قادتها علناً.

وتكمن أهمية تولي المغربي إدارة المؤسسة في أن هذا الموقع وضعه على تماس مستمر مع الرسائل الصادرة عن القيادة المركزية، ومع آليات إعدادها ومراجعتها ونشرها. ومع مرور الوقت، لم يعد دوره مقتصراً على الجوانب التقنية، بل ارتبط، وفق ما تذكره دراسات ووثائق منشورة، بمراجعة مواد إعلامية ومراسلات صادرة عن قيادة التنظيم وفروعه.

وتشير دراسة مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت إلى أن المغربي لم يبق في موقعه الإعلامي، إنما أصبح عضواً في مجلس شورى القاعدة، قبل أن يتولى لاحقاً منصب المدير العام للتنظيم. وفي عام 2012، بدأت واشنطن تصفه بأنه المدير العام للقاعدة في أفغانستان وباكستان، قبل أن تربط اسمه لاحقاً بمكتب التواصل الخارجي المعني بالتنسيق مع الفروع.

وتذهب روايات مستندة إلى مواد من أرشيف القاعدة إلى أن المغربي كان من الشخصيات التي تولت الإشراف على جزء مهم من المواد الإعلامية الداخلية، بما يشمل التسجيلات والخطب والبيانات الرسمية والمواد المتعلقة بقيادات التنظيم. وبذلك أصبح الرجل أحد حراس أرشيف القاعدة.

المغربي في وثائق أبوت آباد

تقدم الوثائق التي عثر عليها خلال العملية الأميركية التي استهدفت مجمع أسامة بن لادن في أبوت آباد بباكستان في أيار/ مايو 2011، ونشرت أجزاء منها لاحقاً، مدخلاً لفهم مكانة المغربي داخل القاعدة.

عناصر من تنظيم القاعدة – تعبيري

وفي عام 2017، أعلنت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نشر نحو 470 ألف ملف إضافي من المواد المستعادة. وشملت المواد المنشورة أكثر من 18 ألف ملف وثائقي، ونحو 79 ألف ملف صوتي وصوري، وأكثر من 10 آلاف ملف فيديو.

ووفق الوثائق ظهر اسم عبد الرحمن المغربي، إلى جانب أسماء مستعارة نسبت إليه في بعض المواد، في مراسلات مرتبطة بقيادة القاعدة. وساعدت هذه الوثائق في تتبع طبيعة المهام التي كان يؤديها، لا سيما فيما يتعلق بإنتاج الرسائل الإعلامية ومراجعتها والتنسيق بشأن نشرها.

وتشير قراءات منشورة للوثائق إلى أن المغربي ساعد في الإشراف على التحضيرات لإنتاج مواد عن أسامة بن لادن، كما شارك في إعداد إنتاج إعلامي بمناسبة الذكرى العاشرة لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر. وتضمنت المهام المرتبطة بهذا العمل التنسيق بشأن نشر المواد والتواصل مع وسائل إعلام عربية وغربية لمعرفة ما إذا كانت ستبث الإنتاج.

وتشير المعلومات المنشورة عن الوثائق أيضاً إلى أن المغربي كان مخولاً بمراجعة مسودات بيانات صادرة عن فروع القاعدة، وإزالة مواد لا تتوافق مع سياسات التنظيم قبل عرضها على بن لادن للحصول على موافقته.

وفي دراسة عن تسلسل القيادة داخل القاعدة، تناول الباحث كيفن جاكسون مراسلات داخلية تعود إلى عام 2010، أشار فيها عطية الله الليبي، أحد القيادات البارزة في التنظيم، إلى المغربي بوصفه شخصية مناسبة لتولي مسؤوليات قيادية أعلى.

وبحسب قراءة جاكسون للمراسلات، اقترح عطية الله في تموز/ يوليو 2010 ترقية المغربي ليكون نائباً أول لأسامة بن لادن، مشيداً بقدراته وحسن تقديره وكفاءته التنظيمية. لكن بن لادن عينه، وفق رسالة مؤرخة في 21 تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، نائباً ثانياً لعطية الله الليبي.

وتكتسب هذه المراسلات أهميتها لأنها تشير إلى أن المغربي كان موضع نقاش بشأن المناصب القيادية قبل سنوات من مقتل الظواهري. كما أن علاقته العائلية بالظواهري، بوصفه صهره، لا تفسر وحدها صعوده. فالمصادر البحثية تربط مساره أيضاً بإدارته “السحاب”، وعضويته في مجلس الشورى، والمهام التنظيمية التي تولاها لاحقاً.

إيران.. ما الذي تقوله المصادر الأميركية؟

في 12 كانون الثاني/ يناير 2021، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إدراج محمد أباتاي، المعروف باسم عبد الرحمن المغربي، على قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين تصنيفاً خاصاً، وعرضت مكافأة تصل إلى سبعة ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تحديد مكانه.

صورة لبعض قادة القاعدة المطلوبين من قبل الولايات الأميركية المتحدة – انترنت

ووصف الإعلان الأميركي المغربي بأنه قيادي بارز في القاعدة موجود في إيران، وربط موقعه هناك بمسؤولياته التنظيمية والإعلامية. كما أشار مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أنه فر إلى إيران عقب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وأنه قد يتنقل بين إيران وباكستان.

وفي دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت في نيسان/ أبريل 2024، وضع الباحث كيفن جاكسون المغربي ضمن أبرز قيادات القاعدة التي يعتقد أنها موجودة في إيران، ووصفه بأنه ثاني أبرز عناصر المجموعة المتمركزة هناك بعد سيف العدل، وفق تقييم الدراسة.

وتشير دراسة المركز إلى أن إيران أصبحت محطة مهمة لعدد من قيادات القاعدة بعد مراحل من التنقل والاحتجاز والعودة إلى النشاط التنظيمي.

ماذا بقي من دور المغربي بعد مقتل الظواهري؟

أدى مقتل أيمن الظواهري في ضربة أميركية في كابل في تموز/ يوليو 2022 إلى فتح مرحلة جديدة من التساؤلات بشأن قيادة القاعدة وآليات انتقال السلطة داخلها.

وفي دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت عام 2022، طرح اسم المغربي ضمن الشخصيات التي يمكن أن تكون مرشحة لتولي مسؤوليات قيادية، إلى جانب سيف العدل وشخصيات أخرى. وربطت الدراسة بين وضع هؤلاء ومشكلة وجود بعضهم في إيران، وما قد يفرضه ذلك من قيود على حركتهم وقدرتهم على إدارة شؤون التنظيم.

وفي دراسة أخرى صدرت في أيلول/ سبتمبر 2025، وصف مركز مكافحة الإرهاب سيف العدل بأنه القائد الفعلي للقاعدة، والمغربي بأنه نائبه، مع الإشارة إلى أن المكان الذي تتمركز فيه القيادة لا يزال غير محسوم بدقة.

ويقدم تقرير فريق الرصد التابع للأمم المتحدة لعام 2026 مؤشراً إضافياً على استمرار ارتباط المغربي بالجهاز الإعلامي للقاعدة؛ إذ يذكر أن مؤسسة “السحاب” ما زالت المنصة الإعلامية الرئيسية لقيادة التنظيم، وأن المغربي يديرها بوصفه صهر الظواهري.

في الجزء الثاني من هذا الملف نتتبع ما كشقته مراسلات لجنة بخارى ودور المغربي في الملفات المرتبطة به وكيف امتدت مسؤوليته لتشمل بعض الملفات الأمنية الأكثر حساسية داخل التنظيم مع الإشراف على تحركات وحماية كبار القادة والشؤون المالية والإدارية.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري مقيم في حلب، يغطي الشؤون السياسية والعسكرية في سوريا والمنطقة، مع اهتمام خاص بالملف الكردي وتقاطعها مع الملفات الإقليمية. عمل على تحقيقات استقصائية وتقارير ميدانية وتحليلات إخبارية منشورة باللغة العربية، ونُشرت أعماله في عدة مواقع اسورية، كما عمل مع موقع "الجزيرة نت" بصفة مراسل ميداني في شمال شرق سوريا.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم