كشف تحقيق لصحيفة “ذا أوبزرفر” البريطانية أن بشار الأسد وزوجته أسماء يحملان إقامتين إماراتيتين ويترددان على دبي، بالتزامن مع استمرار ملاحقة الرئيس السوري المخلوع بمذكرات توقيف دولية.
وأفاد التحقيق، الذي أُنجز بدعم من منحة مقدمة من مركز “بوليتزر”، بأن أسماء الأسد أدت خلال سنوات حكم زوجها دوراً يتجاوز إدارة المؤسسات الخيرية والملفات الاقتصادية.
زيارات متكررة إلى دبي
نقلت “ذا أوبزرفر” عن مصدرين مطلعين أن بشار وأسماء الأسد يحملان تصريحي إقامة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وأنهما يتنقلان بين موسكو ودبي بعد سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وبحسب الصحيفة، يُعتقد أن آخر زيارة لأسماء إلى دبي جرت خلال الشهر السابق لنشر التحقيق، وأقامت خلالها في فندق “والدورف أستوريا”.
وقالت مصادر مرتبطة بعائلة الأسد إن أبناء الزوجين، إلى جانب والدة أسماء وشقيقها فراس الأخرس، يعيشون حالياً في دبي. وأضافت أن السلطات الإماراتية ترحب بزيارة بشار وأسماء، لكنها أبلغتهما بعدم الانتقال إلى الدولة بصورة دائمة في الوقت الراهن، رغم أن الإقامة هناك تمثل هدفاً نهائياً لهما.
ولم ترد الحكومة الإماراتية على أسئلة الصحيفة بشأن الوضع القانوني لإقامة عائلة الأسد.
وقال عبدو الدباغ، ابن عم أسماء، إن السيدة الأولى السابقة تعيش في ظروف مريحة، وإن أبناءها باتوا يعيشون بصورة أفضل من السابق.
وأضاف أن أسماء تساعد ابنها الأصغر كريم، الذي يتحدث اللغة الصينية المندرينية بطلاقة، في تطوير مصالح تجارية مرتبطة بالصين.
ونقل التحقيق عن مصدر آخر قوله إن بشار وأسماء لا يزالان يمتلكان استثمارات في دول عدة، من بينها روسيا وبلغاريا والإمارات ولبنان.
ويثير احتمال انتقالهما إلى الإمارات بصورة دائمة تساؤلات قانونية ودبلوماسية، في ظل وجود معاهدة ثنائية لتسليم المطلوبين بين أبوظبي ولندن دخلت حيز التنفيذ في نيسان/أبريل 2008.
وقال المحامي المتخصص في القانون الدولي لحقوق الإنسان توبي كادمان إن الخيارات المتاحة أمام عائلة الأسد تضيق، مضيفاً: “لا يستطيع بشار أن يقدم للإمارات أي شيء ذي أهمية استراتيجية في سوريا، فما القيمة التي يمثلانها؟”.
وأشار كادمان إلى أن الأسد وزوجته قد لا يكونان بمنأى عن التسليم أو الملاحقة القضائية في حال استقرارهما داخل الإمارات.
دور أسماء داخل النظام السوري
كما خلص تحقيق “ذا أوبزرفر”، استناداً إلى شهادات مصادر كانت مقربة من العائلة الحاكمة، إلى أن أسماء الأسد كانت شخصية مؤثرة في صنع القرارات السياسية والاقتصادية داخل النظام، ولم يقتصر دورها على رئاسة “الأمانة السورية للتنمية”.
وذكرت الصحيفة أن أسماء ترأست شبكة غير رسمية عُرفت باسم “المجلس الاقتصادي”، وضمت رجال أعمال ومستشارين وشخصيات مرتبطة بالنظام، وتولت إدارة قطاعات اقتصادية واسعة بعد تراجع نفوذ رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد.
وقال جهاد يازجي، مؤسس ورئيس تحرير نشرة “سيريا ريبورت”، إن صفقات كبيرة ومعاملات عقارية رئيسية لم تكن تُنفذ من دون علم رجال أسماء. وأضاف أن رجال الأعمال الذين لم يمتثلوا لمطالب مكتبها تعرضوا، وفق المزاعم، لضغوط شملت إغلاق المصانع وتجميد الحسابات والاتهام بالتهرب الضريبي.
كما اتهمت مصادر تحدثت إلى الصحيفة مؤسسات أسماء بالسيطرة على جزء من المساعدات الإنسانية والتنموية التي دخلت سوريا عبر وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وبالاستفادة من مرور التمويل عبر “الأمانة السورية للتنمية”.
ونفى فواز الأخرس، والد أسماء، الاتهامات المتعلقة بمصالح ابنته الاقتصادية، وقال إنها “لم تُدعّم يوماً بالأدلة”. كما نفى علمها باستخدام أطفال محتجزين أوراق ضغط سياسية، أو إنشاء شبكة للاستحواذ على المساعدات الدولية.
موسكو بحثت أسماء الأسد بديلاً محتملاً لزوجها
وقالت الصحيفة إنه بحلول عام 2023، كانت أخبار الأسلحة الكيميائية والقتل الجماعي قد تراجعت عن عناوين الصحف. وعادت سوريا إلى جامعة الدول العربية، فيما بدأ مسؤولون كبار في الأمم المتحدة الظهور في صور إلى جانب أسماء الأسد.
لكن الروس كانوا قد سئموا من بشار الأسد. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ينظر إليه، وفق ما قيل، بوصفه رجلاً ضعيفاً يحتاج باستمرار إلى من ينقذه. وبعد أن تدخلت موسكو عسكرياً وحسمت الحرب لمصلحته، ازداد إحباطها من رفضه إرساء تسويات مع المتمردين في الشمال الغربي، والأكراد في الشمال الشرقي، وتركيا المجاورة.
ووفقاً لعدة مصادر، بدأ الروس إعداد قائمة ببدلاء محتملين للرئيس، وكانت أسماء الأسد قريبة من صدارتها. وقال مصدر مقرب من النظام إن موسكو طرحت فكرة أن تحل السيدة الأولى محل زوجها في الرئاسة، وإن بشار الأسد كان على علم بذلك، لكنه لم يأخذ الأمر على محمل الجد. وأضاف: “كان هناك مثل هذا الكلام، وذُكر الأمر للرئيس، لكنه ضحك عليه فحسب”.
يذكر أن عائلة الأسد تقيم في روسيا منذ فرار بشار من دمشق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد تقدم فصائل المعارضة المسلحة وسيطرتها على العاصمة. وكانت أسماء موجودة في موسكو منذ آب/أغسطس من العام نفسه لتلقي العلاج من سرطان الدم.
ولا يزال بشار الأسد مطلوباً بموجب مذكرات توقيف دولية، أبرزها مذكرات فرنسية تتعلق بالهجمات الكيميائية على الغوطة عام 2013، ومقتل الصحفيين ماري كولفن وريمي أوشليك خلال قصف مدينة حمص عام 2012.
ولا تملك المحكمة الجنائية الدولية اختصاصاً مباشراً بالنظر في الجرائم المرتكبة في سوريا، لعدم انضمام البلاد إلى نظام روما الأساسي، ما جعل جهود المساءلة تعتمد بصورة رئيسية على المحاكم الوطنية التي تطبق قوانين الولاية القضائية العالمية.
- روسيا تورّط سوريا في أسطول الظل.. ما قصة “الأعلام المزيفة” للتهرب من العقوبات؟
- تشغيل فعلي أم تجربة محدودة؟.. هل عادت بطاقات الدفع الدولية إلى سوريا؟
- بعد القصف “الحوثي”.. إجلاء 120 صياداً من جزيرة حنيش
- عمران تضيق بـ”الحوثيين”.. عزوف عن التجنيد ومخاوف من الجبهات
- لمنع “غزو جهادي”.. هكذا برر نتنياهو انتشار قواته جنوب سوريا

