مع اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في شباط/فبراير 2026، كشفت شركة “ميزر فيجن” الصينية عبر صور فضائية دقيقة عن تحركات عسكرية أميركية واسعة، شملت تمركز 11 مقاتلة من طراز F-22 وبطارية دفاع جوي من طراز “باتريوت” داخل قاعدة “عوفدا” الجوية في إسرائيل، إضافة إلى انتشار القوات الأميركية في اليونان وثلاث دول عربية، فضلاً عن جزيرة دييغو غارسيا.
وأثارت تلك الخطوة تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه التكنولوجيا الصينية في دعم إيران خلال المواجهة مع واشنطن. فإتاحة صور دقيقة عن التحركات والانتشار العسكري الأميركي كانت قد منحت طهران معلومات إضافية حول طبيعة الحشد العسكري الأميركي ومستويات الجاهزية والانتشار، بما جعلها إحدى الأدوات التي يمكن لبكين من خلالها تقديم دعم غير مباشر لإيران من دون الانخراط عسكرياً في المواجهة.
ولم يقتصر ذلك الدعم على توفير المعلومات والصور الفضائية، بل جاء ضمن مسار أوسع سعت من خلاله الصين إلى الحفاظ على قدرة إيران على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية. فكلما امتلكت طهران قدرة أكبر على الاستمرار في المواجهة، ارتفعت كلفة الحرب على المنطقة وواشنطن، وأصبحت الأخيرة أمام موارد عسكرية ومالية وسياسية أكبر يتعين عليها تخصيصها للشرق الأوسط.
“بكين تحارب واشنطن بشكل غير مباشر”
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الدعم الصيني لإيران باعتباره أداة لخوض مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته ترفع كلفة الحرب على المنطقة ودول الخليج تحديداً وعلى الشعب الإيراني، بجانب دول المنطقة التي فيها أذرع إيران مثل لبنان والعراق واليمن. وواضح أن بكين تريد أن تشغل وتشتت تركيز واشنطن على منافستها الاستراتيجية مع الصين في آسيا والمحيط الهادئ وتايوان.
وتتضح هذه المعادلة بصورة أكبر من خلال الدعم الاقتصادي والتكنولوجي الذي قدمته الصين لإيران. فمن خلال شراء النفط الإيراني، والحفاظ على قنوات اقتصادية مع طهران، إلى جانب التعاون في مجالات التكنولوجيا والأقمار الصناعية والدفاع، ساهمت بكين في توفير مقومات تساعد إيران على الاستمرار في مواجهة الضغوط الأميركية. وفي المقابل، تحارب الصين واشنطن بشكل غير مباشر عبر خصم إقليمي قادر على المقاومة ورفع تكلفة التدخل العسكري في الشرق الأوسط.
ويعلق المحلل السياسي المختص في الشأن الإيراني أسامة الهتيمي في حديثه مع “الحل نت”، قائلاً: “رغم عدم اتهام واشنطن للحكومة الصينية رسمياً بدعم إيران في صراعها الحالي معها، إلا أنها فرضت عقوبات على أفراد وشركات صينية لشرائهم وتسهيلهم تقنيات وأسلحة لصالح طهران، إدراكاً منها أن الصين تستغل ورقة إيران لإرباك الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط”.
ومما يعزز فرضية استخدام بكين لطهران كأداة في صراعها مع واشنطن، المحطات الاستراتيجية التي جمعت البلدين؛ وفي مقدمتها “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة” لعام 2021 والممتدة لربع قرن، والتي وضعت إطاراً دائماً للتعاون في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والأمن والتكنولوجيا.
الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين بكين وطهران
وقد شهدت الأعوام العشرة الأخيرة زَخَماً في تطوير التقنيات العسكرية المشتركة، كبرامج الصواريخ والفضاء، والحرب الإلكترونية، والأمن السيبراني، إلى جانب المناورات البحرية الثلاثية (الصين، إيران، روسيا) منذ 2019 لتحدي النفوذ البحري الغربي.
كما تُحقق هذه الشراكة معادلة مصلحة متبادلة: فمن جهة، تستغل بكين المسرح الإيراني كحقل تجارب لاختبار كفاءة الأسلحة والشبحيات الأميركية والأنظمة الصاروخية الغربية لإعداد الجيش الصيني لأي صراع مُحتمل.
استخدام الصين لإيران كوسيلة لمحاربة أميركا بطريقة غير مباشرة يشكّل نقاط تحول في الصراع القائم؛ فالمساعدات والتقنيات الصينية لطهران تزيد من الأعباء المالية والعسكرية على واشنطن، بجانب أنها رفعت ولا تزال تكلفة الحرب على طول المنطقة والخليج بشكل خاص.
ومن جهة أخرى، تحصل طهران على تقنيات متقدمة تلتف بها على العقوبات الدولية، مما يُعزز قدراتها الميدانية في التوجيه الصاروخي، الرصد الفضائي، والدفاع الجوي.
وتتجسد الدعامة الميدانية الأهم لهذه الشراكة في قدرة بكين على مدّ المنظومة العسكرية الإيرانية بتقنيات رادار متقدمة، ودعم حيوي لمنظومات الدفاع الجوي، فضلاً عن البث الاستخباري وشبكات الملاحة عبر الأقمار الصناعية.
كما تكتسب هذه التقنيات أهمية حاسمة لكون منظومات الدفاع الجوي الحديثة تعتمد كلياً على الرادارات المتطورة للرصد والملاحقة وإسقاط المسيّرات والصواريخ والطائرات المعادية قبل بلوغ أهدافها، ولهذا يمثّل سد الثغرات الرادارية أولوية قصوى لطهران؛ إذ يمنحها الشق التكنولوجي الصيني فرصة رفع كفاءة شبكات الإنذار المبكر، وتحصين بنيتها التحتية العسكرية من الهجمات المباغتة.
وبالعودة إلى الهتيمي، فإنه يضيف: “نحن أمام مشهد سياسي معقد؛ تُسخّر فيه بكين تورط واشنطن في مواجهتها مع طهران لخدمة مصالحها الاستراتيجية عبر تقديم دعم تكنولوجي وعسكري واسع النطاق، بينما تسعى إيران لاستثمار هذا الغطاء الدولي كورقة ضغط ترفع كلفة الوجود الأميركي. وعلى الرغم من اختلاف أدواتهما وأهدافهما المرحلية، يجد الطرفان نفسيهما في جبهة واحدة لمواجهة واشنطن، حيث تحارب بكين بالتكنولوجيا والدبلوماسية الخفية وتعمل على إدارة الحرب من خلف الكواليس، بينما تخوض طهران المواجهة المباشرة في الميدان”.
تعاملات تجارية بين بكين و”الحرس الثوري”
ومؤخراً، تتزايد مخاوف واشنطن من الدور المتصاعد الذي تلعبه بكين في صراع الشرق الأوسط، حيث تشير تقارير وتحليلات نشرتها صحف أميركية إلى قلق مسؤولين أميركيين من تقديم الصين دعماً غير مباشر لطهران؛ سواء عبر توفير بيانات استخباراتية حيوية تلتقطها الأقمار الصناعية، أو من خلال تزويد سلاسل الإمداد الإيرانية بمواد ومكونات مزدوجة الاستخدام تُسهم في تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية.

وتتقاطع هذه المعطيات مع تقييمات صادرة عن وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، والتي أشارت إلى وجود تعاملات تجارية بين شركات أقمار صناعية صينية و”الحرس الثوري” الإيراني.
ورغم غموض التفاصيل الدقيقة لهذه العلاقات ومدى تأثيرها المباشر على سير التصعيد العسكري بالمنطقة، فإن التحذيرات الأميركية تتصاعد بشكل جدي؛ إذ نبه رئيس اللجنة المعنية بالصين في مجلس النواب الأميركي، النائب الجمهوري جون مولينار، إلى خطورة استغلال تلك البيانات التجارية الممتدة من الأقمار الصناعية الصينية في توجيه ضربات تستهدف القوات الأميركية، مؤكداً أن هذا التطور يمثل تهديداً عاجلاً ومباشراً لأرواح الجنود الأميركيين.
وتعقيباً على ذلك يقول المحلل السياسي المختص في الشأن الإيراني أسامة الهتيمي: “لا شك أن هذا الموقف الصيني يحقق هدفين مهمين الأول يتعلق بمنح إيران وهي حليف للصين القدرة على تطوير إمكانياتها العسكرية والثاني هو إطالة المواجهة واستمرار استنزاف أميركا عسكرياً ومالياً وسياسياً”.
هذا فضلاً عن إبقاء القوات والمنشآت الأميركية في المنطقة تحت التهديد بما يعين في النهاية عدم توصل واشنطن وطهران لتسوية نهائية لإنهاء الأزمة الإيرانية وميليشياتها وسلوكها بالمنطقة.
وعلى الجانب الآخر تحاول إيران أن تستفيد من هذا الوضع لكي تقول للأميركيين بصورة غير مباشرة إن “محاولة إخضاعي بالقوة لن تكون سهلة وإن لدي بدائل وشركاء وإن تكلفة الحرب يمكن أن ترتفع بمرور الوقت”.
ومع استمرار تدفق التكنولوجيا الصينية لطهران، سيساعد ذلك الأخيرة على تصنيع أسلحتها بتكلفة رخيصة، في مقابل صواريخ دفاعية أميركية باهظة الثمن، وهو ما يستنزف المخزون والمالية العسكرية. كما أن التكنولوجيا الصينية تمنح إيران قدرة أكبر على التحكم بالمضائق المائية الحيوية، مثل مضيق هرمز، مما يضع ملف إيران في المنطقة أمام متاهات تجر المنطقة، ودول الخليج على وجه الخصوص، إلى صراعات وأزمات عديدة.
وعليه، فإن استخدام الصين لإيران كوسيلة لمحاربة أميركا بطريقة غير مباشرة يشكّل نقاط تحول في الصراع القائم؛ فالمساعدات والتقنيات الصينية لطهران تزيد من الأعباء المالية والعسكرية على واشنطن، بجانب أنها رفعت ولا تزال تكلفة الحرب على طول المنطقة والخليج بشكل خاص. ومع هذه القوة الإضافية، تصبح إيران أكثر قدرة على الاستمرار في الصراع، مما يرفع احتمالية توسع الحرب بالمنطقة وشعوبها.
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا
- سوريا “تشدّ الحزام”.. هل يدفع المواطن فاتورة ضبط الإنفاق الحكومي؟
- “الأشغال” تدافع عن مشروعية الاستملاك.. وحقوقيون يطالبون بإثبات التعويض
- ضمن خطة “صفر مخيمات”: إغلاق مخيم الشهابات وعودة مئات المهجرين من دير الزور
- بين “القطيع” و”قوم كرام”.. جدل حول تصريحات يوسف قبلاوي

