مضيق هرمز.. ساحة الضغط الأميركي على إيران وعتبة التصعيد والتفاوض

يبدو أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران خلال المرحلة الحالية قائم على مسار أكثر تعقيداً من مواجهة عسكرية تسبق مفاوضات هدنة، أو جولة من الضربات المتبادلة تنتهي بوقف إطلاق النار، فاليوم بات من الواضح أن هذا المسار تتداخل فيه الأدوات العسكرية والاقتصادية والبحرية مع الضغوط السياسية ومسارات التفاوض.

وخلال الأشهر الماضية، اختبرت واشنطن وطهران معظم هذه الأدوات، من الضربات العسكرية المباشرة إلى العقوبات والحصار البحري والاقتصادي، وصولاً إلى محاولة طهران استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط.

في التصعيد العسكري الأخير شهدت الديناميكية العسكرية بين واشنطن وطهران تحولاً نوعياً، إذ شنت القوات الأميركية موجة ضربات جوية وبحرية واسعة استهدفت البنية التحتية العسكرية “للحرس الثوري” الإيراني وأصوله النفطية، رداً على تهديد الممرات المائية في مضيق هرمز. 

ولم تقتصر العمليات الأميركية على تدمير ثلاثة ناقلات نفط خام إيرانية شُلّت حركتها في نقاط استراتيجية فحسب، بل امتدت لتطال العمق الساحلي الإيراني عبر استهداف شبكات الرادار الإيرانية، ومنظومات الدفاع الجوي، ومواقع الاتصالات، وقدرات زرع الألغام البحرية في مناطق حيوية أبرزها بندر عباس، وتشابهار، وجزر قشم ولارك.

تقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة الدولية

تعكس هذه الكثافة العملياتية رغبة أميركية حاسمة في تقويض قدرات طهران على إنفاذ استراتيجية “حافة الهاوية” بحراً، وفرض معادلة ردع جديدة بالرغم من الكلفة البشرية التي تكبدها الجيش الإيراني في صفوف طياريه وعناصره البحرية.

وتحديداً، لا يمكن الإغفال عن أن الضربة الأميركية الأخيرة على جزيرة لارك الإيرانية جزء من مسار أوسع، لا يقتصر على تدمير منصات إطلاق محددة، وإنما يرتبط بمحاولة تقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ومنعها من إعادة بناء أدوات يمكن استخدامها للضغط على حركة السفن والطاقة العالمية.

في 30 آب/أغسطس الماضي، استهدفت القوات الأميركية منصتي إطلاق إيرانيتين في جزيرة لارك، بعدما قالت واشنطن إنها رصدت استعداد “الحرس الثوري” لاستخدامهما في إطلاق صواريخ محملة بألغام بحرية باتجاه مضيق هرمز.

سفن بالقرب من مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان، 31 آب/أغسطس 2026. “رويترز”/سترينجر. صور اليوم من TPX.

وجاءت الضربة بعد فترة من الهدوء النسبي على مستوى العمليات العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران. ولذلك، تتأسس مقتضيات الصراع بين الطرفين خلال المرحلة الحالية على إدارة الوضع بأقصى درجات الضغط المتاحة عبر آليات المواجهة، سواء من خلال الضغط الاقتصادي والمالي، بما يشبه الحرب التجارية، أو الضغط العسكري المتقدم الذي يستهدف بالدرجة الأولى منع “الحرس الثوري” الإيراني من استعادة قدراته العسكرية من جديد في محيط مضيق هرمز، الأمر الذي يعني أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعمل على تقويض قدرات إيران الاستراتيجية، تمهيداً لتسوية اتفاق تاريخي يتسق مع الرؤى الأميركية للأوضاع الجيوستراتيجية للأمن الإقليمي والدولي.

في المقابل، ما زالت إيران تهاجم مواقع في جغرافيا الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، لرفع تكلفة الضربات والهجمات الأميركية، عبر ضرب دول المنطقة والبنية التحتية، وليس استهداف القواعد الأميركية كما تدعي.

إذاً، قد تبدو الضربة ضمن نمط تم استخدامه من قبل في تنفيذ بعض الهجمات السريعة والخاطفة، ويمكن تحديدها بالنوعية، ضد أهداف ومنشآت عسكرية ونوعية في الداخل الإيراني، بيد أن هذه المرة يمكن فهمها في سياق آخر، إنها عملية تستهدف أهدافاً أخرى، ونقطة داخل أهداف أعمق وأوسع، وتحرك ضمن منهاج عمل رئيس وملزم في مسار الرؤية الأميركية لمضيق هرمز، والذي يعد نموذجاً حقيقياً للقيمة الاستراتيجية للجغرافيا السياسية، وما يحمله كممر مائي دولي من رمزية سياسية، فضلاً عما يقدمه من أهمية بالغة لاقتصادات العالم وضرورات نقل الطاقة ومشتقاتها.

ويرى خبراء ومتابعون أن أهمية الضربة لا تكمن في طبيعة المنصات المستهدفة وحدها، وإنما في موقعها وتوقيتها أيضاً. فجزيرة لارك تقع في منطقة شديدة الحساسية من مضيق هرمز، ما يجعل أي قدرة عسكرية فيها مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الملاحة وحركة السفن.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة العملية باعتبارها رسالة أميركية إلى إيران مفادها أن إعادة تفعيل قدرات تهدد الملاحة في المضيق ستقابل برد عسكري، حتى في ظل غياب مواجهة شاملة ومستمرة بين الطرفين.

هرمز.. من ورقة ضغط إيرانية لأداة ضدها

لطالما امتلكت إيران قدرة جغرافية وعسكرية على التأثير في حركة الملاحة داخل مضيق هرمز، لكن التطورات الأخيرة أضافت بعداً جديداً لهذه المعادلة. فالولايات المتحدة لا تسعى إلى “انتزاع السيطرة” على المضيق من إيران، بقدر ما تعمل على تقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة فيه أو استخدامه كورقة ضغط استراتيجية.

وفي هذا السياق، قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” إن الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران منذ تموز/يوليو الماضي أدى إلى توقف صادراتها النفطية، مشيرة إلى أن الصراع بين الطرفين أصبح مطولاً، فيما لم ينجح إغلاق إيران لمضيق هرمز في إجبار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الخضوع لشروطها. وأضافت الصحيفة أن القادة الإيرانيين يتوقعون قدرة بلادهم على الصمود لنحو خمسة أشهر، في وقت باتت فيه السلطة الفعلية بيد “الحرس الثوري”، وسط تدهور اقتصادي وتوجه نحو مزيد من عسكرة المجتمع.

وعليه يمكن القول إن المعركة الحالية تبدو أقرب إلى محاولة فرض معادلة أمنية جديدة في المضيق، بحيث تستطيع واشنطن إبقاء حركة الملاحة مفتوحة وتقليل قدرة طهران على تعطيلها أو تهديدها.

وتزداد أهمية ذلك مع استمرار الحصار البحري والاقتصادي الأميركي على إيران. فقد أظهرت تقارير حديثة أن الحصار أدى إلى توقف صادرات النفط الإيرانية ذات المعنى عبر مضيق هرمز لنحو سبعة أسابيع، في تطور وصفته “رويترز” بأنه نجح في قطع أحد أهم مصادر العملة الصعبة بالنسبة إلى طهران. وبذلك لم يعد المضيق فقط مكان للعمليات العسكرية، وإنما تحول إلى جزء من المعادلة الاقتصادية للصراع نفسه.

الحصار الاقتصادي يكمل الضغط العسكري

خلال الفترة الأخيرة، بدا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعمل على الجمع بين أدوات مختلفة للضغط على إيران. ففي الوقت الذي تستهدف فيه الضربات الأميركية القدرات العسكرية التي يمكن أن تهدد الملاحة أو القوات الأميركية، يتواصل الضغط الاقتصادي عبر العقوبات والحصار البحري وتقييد حركة صادرات النفط والشبكات المالية المرتبطة بطهران.

في 4 أيلول/سبتمبر الجاري، أعلنت واشنطن عقوبات جديدة استهدفت بنكاً استثمارياً تركياً وشركتين تابعتين له، متهمة المؤسسات بتسهيل معاملات مرتبطة بإيران و”الحرس الثوري”، في خطوة تعكس اتساع نطاق المؤسسات المالية التي ترى واشنطن أنها تساعد طهران على تجاوز العقوبات.

من هنا، يمكن النظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها حرباً متعددة الأدوات، فالضغط الاقتصادي لا يأتي بديلاً عن القوة العسكرية، كما أن العمليات العسكرية لا تنفصل عن الهدف الاقتصادي الأوسع المتمثل في تقليص قدرة إيران على تمويل أنشطتها والحفاظ على أدوات الضغط التي تمتلكها.

امرأة تسير في أحد شوارع طهران، إيران، 2 سبتمبر/أيلول 2026. ماجد عسكريبور/وكالة أنباء غرب آسيا (وانا) عبر “رويترز”.

وهذا ما يجعل المواجهة الحالية مختلفة عن نمط الضربات السابقة، إذ لم تعد واشنطن مضطرة إلى الاختيار بين العقوبات والقوة العسكرية، وإنما تستخدم الأداتين في الوقت نفسه وبدرجات متفاوتة، وهو ما أكدته “رويترز” في تقرير نشرته قبل يومين، إذ أشارت إلى أن الضغوط الأميركية الاقتصادية بدأت تؤثر بشكل متزايد في إيران، مع تراجع صادرات النفط وتشديد العقوبات على قنوات الالتفاف عليها، ما أدى إلى انخفاض التجارة الإيرانية بنحو 35% وتفاقم أزمة العملة والتضخم والبطالة.

كما باتت قدرة طهران على تجاوز العقوبات أكثر صعوبة مع تراجع القنوات المالية والتجارية، خصوصاً بعد تعليق الإمارات جزءاً كبيراً من تعاملاتها مع إيران، الأمر الذي يزيد الضغوط على الاقتصاد الإيراني ويدفع نحو احتمال اضطرار طهران للعودة إلى التفاوض.

المضيق.. عتبة الحل والعقدة

تكشف ضربة لارك أيضاً جانباً آخر من المواجهة يتعلق بالتفوق الأميركي في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والاستهداف، فوفق خبراء، إذا كانت واشنطن قد رصدت استعداد “الحرس الثوري” لإطلاق صواريخ محملة بألغام بحرية، ثم تمكنت من تحديد منصات الإطلاق واستهدافها قبل تنفيذ العملية، فإن ذلك يعكس مستوى مرتفعاً من المراقبة المستمرة للنشاط العسكري الإيراني في محيط المضيق.

في المقابل، لا يمكن فصل هذه التطورات عن الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز. فأي تهديد مستمر لحركة الملاحة في هرمز ينعكس مباشرة على أسواق النفط والطاقة، وهو ما ظهر عقب الضربة الأميركية الأخيرة، عندما ارتفعت أسعار النفط وسط مخاوف من اتساع نطاق التصعيد وتعطل حركة الشحن.

لكن المفارقة أن الضغوط الحالية لم تؤدِ إلى توقف كامل لحركة الملاحة في المضيق. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار مرور كميات من النفط عبره، بعضها عبر طرق وحركة شحن يصعب رصدها بصورة كاملة، رغم انخفاض التدفقات مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

وهذا يعني أن المعركة ليست ببساطة بين “فتح المضيق” و”إغلاقه”، وإنما حول من يملك القدرة على التحكم بمستوى المخاطر فيه، ومن يستطيع جعل الملاحة أكثر كلفة أو خطورة بالنسبة إلى الطرف الآخر.

وبالتالي تبدو أهمية مضيق هرمز أكبر من حدوده الجغرافية. فالمضيق أصبح نقطة تتقاطع فيها الأهداف العسكرية والاقتصادية والسياسية للمواجهة الأميركية-الإيرانية. فمن خلاله يمكن لإيران ممارسة الضغط على حركة الطاقة والملاحة، ومن خلاله أيضاً تستطيع الولايات المتحدة اختبار قدرتها على حماية حركة السفن وفرض ترتيبات أمنية تحد من قدرة طهران على استخدام المضيق كورقة ضغط تفاوضية.

ومن هنا، فإن الضربة على لارك يمكن قراءتها ضمن محاولة واشنطن تثبيت معادلة جديدة قبل أي تسوية محتملة: ضغط اقتصادي مستمر، وحضور عسكري قادر على ضرب التهديدات المباشرة، وتقليص قدرة إيران على استخدام هرمز كورقة ضغط، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مسار سياسي.

وبالتالي، يبدو أن مضيق هرمز عتبة للحل بقدر ما هو عقدة للصراع، فمن خلاله يمكن أن تتجه المواجهة نحو التهدئة إذا تم التوصل إلى ترتيبات تضمن حرية الملاحة وتخفف الضغط الاقتصادي، ومن خلاله أيضاً يمكن أن تعود المواجهة إلى التصعيد إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى صيغة مقبولة.

وقد تكون المعركة في مضيق هرمز، خلال المرحلة المقبلة، أقل ارتباطاً بمن يملك السيطرة على المضيق، وأكثر ارتباطاً بمن يملك القدرة على فرض شروط استخدامه وتحديد كلفة تعطيله، خاصة بعدما تحدثت عنه “وول ستريت جورنال” في تقرير أن حصار مضيق هرمز انقلب على إيران. إلى جانب دعوات متنامية داخل إيران متنامية لإنهاء الحرب والعودة إلى التفاوض مع واشنطن، بالتزامن مع تصريحات للرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف تؤيد مسار التفاوض. وبالتالي، هذا ما يعكس أن ثمة وجود نقاش جاد داخل دوائر الحكم الإيرانية بشأن كلفة استمرار المواجهة وجدوى مواصلتها في ظل الضغوط المتزايدة على البلاد.

هشام الجندي

هشام الجندي

كاتب صحفي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم