يتجه مضيق هرمز إلى مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والأمني بعد أن رفضت إيران رسمياً المقترح العماني المدعوم خليجياً لإدارة الممر البحري بصورة مشتركة، في خطوة تعكس تمسك طهران برؤيتها الخاصة لإدارة أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، والذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وجزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال.
ويأتي هذا الرفض في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية لإعادة الاستقرار إلى الملاحة البحرية بعد أشهر من الاضطرابات التي أعقبت المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
رفض حاسم للمبادرة العمانية
قال مسؤول إيراني بارز لـ”رويترز” إن بلاده لا ترى أي فرصة لنجاح المبادرة العمانية، معتبراً أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً على سلطنة عمان للدفع باتجاه “خطط غير واقعية” تتعلق بمستقبل المضيق.
وأضاف أن إيران وسلطنة عمان وحدهما تمتلكان الحق القانوني في تحديد ترتيبات إدارة المضيق استناداً إلى موقعيهما الجغرافيين، رافضاً أي مشاركة لدول أخرى في إدارة هذا الممر الحيوي.

كما شدد على أن مقترح الإدارة المشتركة بنسبة متساوية بين البلدين لا ينسجم مع المصالح الإيرانية، مؤكداً تمسك طهران بسيطرتها على كامل الممر الداخلي وجزء من المسار الخارجي للملاحة، انطلاقاً مما تعتبره متطلبات للأمن القومي.
وكانت سلطنة عمان قد طرحت، وفق مصادر خليجية ودبلوماسية، مبادرة تقوم على إنشاء آلية إقليمية لإدارة المضيق مستوحاة من نموذج مضيق ملقا، بحيث تُحصّل رسوم طوعية من السفن العابرة تخصص لخدمات الملاحة والسلامة البحرية، على أن تتولى دول المنطقة إدارة الممر بصورة مشتركة دون احتكار أي طرف للسيطرة عليه.
وتهدف المبادرة إلى إنهاء حالة التعطل التي أصابت حركة التجارة الدولية، وإعادة الثقة إلى خطوط الإمداد العالمية، إلا أن واشنطن سارعت إلى رفض أي تصور يتضمن فرض رسوم أو قيود على السفن، مؤكدة أن مضيق هرمز ممر مائي دولي يجب أن تبقى حرية الملاحة فيه مكفولة وفق القانون الدولي.
مقترح إيراني بديل
في المقابل، قدمت طهران مقترحاً بديلاً وصفته بأنه مؤقت، يقضي بمرور الملاحة في أحد الاتجاهين بالكامل عبر المياه الإيرانية، بينما يمر جزء من الاتجاه المقابل أيضاً داخل المياه الإيرانية، وهو ما يمنحها إشرافاً أكبر على حركة السفن.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن بلاده رفضت فكرة تقسيم مسارات الملاحة بالتساوي مع سلطنة عمان، لأن مثل هذا الترتيب، بحسب تعبيره، لا يعالج الهواجس الأمنية الإيرانية في ظل استمرار التوتر الإقليمي.

وأضاف أن طهران لم تعد تعترف بنظام فصل حركة الملاحة الذي اعتمدته المنظمة البحرية الدولية لعقود، معتبرة أن الظروف الأمنية تغيرت بعد الهجمات التي تعرضت لها، وأن مراقبة السفن العابرة أصبحت جزءاً من متطلبات الأمن القومي، محذراً من أن إيران لن تسمح لأي طرف ثالث بالمشاركة في عمليات إزالة الألغام أو تأمين المضيق حتى لو جاء ذلك بطلب من سلطنة عمان.
ويعكس هذا الموقف الإيراني تحولاً واضحاً من مجرد الدفاع عن حرية الملاحة إلى السعي لإعادة رسم قواعد إدارتها بما يمنح طهران دوراً أكبر في الإشراف على حركة السفن، وهو ما يثير تحفظات خليجية وغربية خشية أن يتحول المضيق إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية تستخدمها إيران في أوقات الأزمات.
وتزداد هذه المخاوف مع إعلان الحرس الثوري الإيراني، الأربعاء، استهداف ثلاث ناقلات نفط قال إنها خالفت التعليمات وأبحرت في “مسار غير قانوني”، من دون الكشف عن جنسياتها أو طبيعة المخالفات المنسوبة إليها، وهو تطور يعزز المخاوف من تصاعد التوترات البحرية في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
مفاوضات معلقة ومستقبل غامض
في المقابل، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وجود “محادثات جيدة” مع إيران، مع التلويح في الوقت ذاته بإمكانية استئناف الضربات العسكرية إذا تعثرت المفاوضات، لتبدو فرص التوصل إلى تسوية سريعة محدودة في ظل تمسك كل طرف بموقفه، فالمبادرة العمانية تمثل محاولة لإيجاد صيغة توازن بين المصالح الأمنية الإيرانية وحرية الملاحة الدولية.
هذا ويكشف الرد الإيراني أن طهران لا تزال تعتبر السيطرة على مضيق هرمز جزءاً من معادلة الردع الإقليمي، وأن أي اتفاق مستقبلي لن يكون ممكناً ما لم يأخذ هذه الاعتبارات في الحسبان، الأمر الذي يبقي المضيق مفتوحاً على مزيد من التجاذبات السياسية والأمنية، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على أسواق النفط والتجارة العالمية.

