لم يكن تراجع النظام الإيراني عن المسار الدبلوماسي وعودة التصعيد مؤخراً انعطافة تكتيكية فرضتها التطورات والظروف، بقدر ما هو شهادة على تحول في موازين القوى داخل هذا النظام نفسه. فالصراع الذي دار لسنوات بين تيار براغماتي سعى للحفاظ على قنوات التفاوض لتخفيف الأزمات الاقتصادية الخانقة، وتيار راديكالي متطرف أصر على تدمير فرص الاتفاق والدفع نحو مواجهة صفرية مع واشنطن، ليكشف أن الكفة باتت تميل بوضوح لصالح المؤسسة الأمنية والعسكرية ذات التوجه المتشدد.
وبينما راهنت الحكومة المدنية، بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، على استثمار التهدئة لتحسين العلاقات الخارجية وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، دفعت مراكز القوة المرتبطة بـ “الحرس الثوري” نحو خيار أكثر تصادمية، معتبرة أن الحفاظ على أدوات الردع العسكرية والإقليمية يتقدم على أي مكاسب اقتصادية أو دبلوماسية.
وبذلك تبدو إيران اليوم أمام واقع مختلف عما كان عليه قبل أشهر. فالنافذة التي كانت تتيح إعادة فتح قنوات التفاوض مع الولايات المتحدة وإعادة دمج البلاد تدريجيا في الاقتصاد الإقليمي والدولي أغلقت إلى حد كبير، خاصة بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم مع طهران “انتهت” بالنسبة له، بينما أعطى المفاوضين الأميركيين حرية الاستمرار في التحدث مع ممثلي إيران كخيار مواز.
تآكل الحكومة المدنية وصعود العسكر
كشفت التطورات الأخيرة أن الانقسام داخل النظام الإيراني لم يعد يقتصر على الثنائية التقليدية بين المحافظين المتشددين والإصلاحيين الميالين إلى المفاوضات، وهو التيار الضعيف، إنما أصبح يعكس تنافساً بين مؤسسات تمتلك مستويات مختلفة من النفوذ والقدرة على اتخاذ القرار الاستراتيجي.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، أدى مقتل عدد من القيادات الإيرانية خلال الحرب الأخيرة إلى إعادة تشكيل دوائر النفوذ داخل النظام، وهو ما أتاح للتيار الأكثر تشدداً توسيع حضوره داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، في وقت تراجع فيه هامش الحركة أمام الحكومة المدنية.

يرى الباحث في العلاقات الدولية مالك العثامنة أن الانقسام داخل دوائر صنع القرار الإيراني “حقيقي وعميق”، موضحاً أن ما جرى خلال العام الجاري كشف بصورة أوضح من أي وقت مضى تعدد مراكز القوة داخل النظام.
ويقول لـ “الحل نت” إن الانقسام “لم يعد يقتصر على ثنائية الإصلاحيين والمحافظين، بل تحول إلى فسيفساء من المؤسسات ومراكز النفوذ”، مضيفا أن “الحرس الثوري” أصبح، بعد مقتل علي خامنئي، “مركز القوة الأبرز”.
ويرى الباحث أن انعكاس هذا التحول لا يتمثل في انتصار تيار على آخر بقدر ما يظهر في تعقيد عملية اتخاذ القرار، إذ بات تنفيذ أي تفاهم خارجي مرهوناً بتوافق مؤسسات متعددة تمتلك صلاحيات ونفوذاً متفاوتاً، وهو ما يجعل الاتفاقات أكثر هشاشة وقابلة للتعطيل.
كيف ضاعت الفرصة الدبلوماسية؟
لا يقتصر التحول داخل بنية النظام الإيراني على إعادة توزيع النفوذ بين المؤسسات، إنما يرتبط أيضاً بإضاعة فرصة سياسية ودبلوماسية كان يمكن أن تعيد رسم موقع إيران الإقليمي والدولي.
فخلال الأسابيع التي سبقت عودة الحرب وانهيار مذكرة التفاهم التي وقعت بين واشنطن وطهرن في 17 حزيران/ يونيو، بدت الظروف أكثر تهدئة لفتح مسار سياسي يخفف العقوبات ويعيد إيران تدريجياً إلى الاقتصاد الإقليمي والدولي. غير أن الواقع تغير سريعاً مع تصاعد المواجهة العسكرية التي فضلها التيار المتشدد في إيران.

ويرى الباحث أن الاختلال في موازين القوى في إيران انعكس مباشرة على فرص التفاهم مع الولايات المتحدة، إذ أضاعت إيران، بحسب تقديره، فرصتين سياسيتين بارزتين؛ الأولى مع انتهاء المهلة الأميركية عام 2025 دون اتفاق، والثانية عقب توقيع مذكرة التفاهم في حزيران/يونيو 2026، التي كانت تتيح وقف إطلاق النار ورفع العقوبات وفتح مسار لإعادة الإعمار، قبل أن يؤدي التصعيد في مضيق هرمز إلى انهيار التفاهم عمليا.
ومن جانبه، يتفق المحلل في الشأن الإيراني صلاح أبو شريف الأحوازي مع هذه القراءة، معتبراً أن طهران أهدرت فرصة حقيقية لتحويل التهدئة العسكرية إلى مسار سياسي مستدام يخفف من وطأة العقوبات ويعيد دمجها تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي. ويحذر الأحوازي من أن الفشل في استثمار الفرصة الدبلوماسية منح الولايات المتحدة وإسرائيل مساحات أوسع لتعزيز روايتهما أمام المجتمع الدولي بأن طهران شريك لا يلتزم بالتفاهمات طويلة الأمد؛ وهو ما قد يستغل لتبرير فرض مزيد من الضغوط والعقوبات الصارمة، وربما اللجوء إلى خيارات أمنية وعسكرية أكثر تشدداً في المستقبل القريب.
الانقسام الذي يشل القرار الإيراني
ويرى المحلل في تصريح خاص لـ “الحل نت” أن التطورات الأخيرة تعكس بالفعل وجود انقسام حقيقي داخل دوائر صنع القرار، لم يعد يقتصر على التحليلات السياسية، بل أصبح واضحاً في الخطاب العام، وحتى في بعض الشعارات التي رددت خلال تشييع عدد من القيادات، والتي تضمنت انتقادات مباشرة للرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان.

ويقول الأحوازي إن إيران تدار اليوم عبر مسارين رئيسيين؛ الأول تمثله المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها الحكومة، التي ترى أن تخفيف الضغوط الاقتصادية يتطلب انفتاحاً دبلوماسياً وتسويات سياسية، بينما يتمثل الثاني في مؤسسة المرشد و”الحرس الثوري”، اللذين يمتلكان النفوذ الفعلي في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية والبرنامج النووي، ويعتبران أن استمرار الصراع والعقوبات يمنحهما نفوذاً سياسياً واقتصادياً أوسع في إطار ما يصفه بـ”اقتصاد الحرب والعقوبات”.
ويحذر المحلل أن استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” سيؤدي إلى تعميق هذا الانقسام، لأن كلفة الأزمة تتزايد، بينما تختلف حسابات كل مؤسسة بشأن كيفية إدارتها. ويؤكد أن ميزان القوة يميل حالياً بوضوح نحو التيار الأكثر تشدداً، مستشهداً باستمرار التحركات العسكرية في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن الوساطات والتفاهمات، وهو ما يعكس، بحسب قوله، أن القرار النهائي في القضايا الاستراتيجية لا يزال بيد المؤسسة الأمنية والعسكرية، وليس الحكومة المدنية.
ويعزو المحلل في الشأن الإيراني هذا الإخفاق في صياغة موقف موحد إلى تشابك عوامل داخلية وخارجية متزامنة، فمن الناحية الداخلية يبرز تضارب واضح في المصالح بين مؤسسات تستفيد من استمرار العقوبات، وأخرى ترى أن هذا المسار يهدد الاقتصاد الإيراني واستقرار الدولة.
أما خارجياً، فيرة أن انعدام الثقة بين طهران وواشنطن وتل أبيب، منح باستمرار الذرائع الكافية لتعزيز نفوذ وموقف التيار الرافض لأي تنازلات سياسية.
ويخلص الأحوازي إلى أن أخطر ما يواجه النظام الإيراني يكمن في اتساع هذه الفجوة بين مراكز القرار داخل السلطة، مؤكداً أن المضي قدماً في هذا المسار سيجعل من صياغة أو بلورة استراتيجية موحدة للدولة أمراً شبه مستحيل في المرحلة المقبلة.
لكن.. ماذا بقي أمام إيران؟
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة المركبة التي تواجهها إيران لم تعد مرتبطة بحجم الضغوط الأمريكية أو الإسرائيلية فحسب، ولا حتى بمستقبل برنامجها النووي، إنما باتت تتصل ببنية النظام نفسه وآليات صناعة القرار داخله. فكلما اتسعت الفجوة البنيوية بين المؤسستين المدنية والعسكرية، غدت قدرة طهران على صياغة موقف سياسي موحد أمراً بالغ الصعوبة.

وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر اقتناعاً، بأن سياسة الضغط المتواصل لم تعد فاعلة وخاصة في ظل اعتقاد متزايد بأن مراكز القرار داخل إيران لم تعد تتحرك وفق رؤية سياسية موحدة، بل وفق توازنات داخلية متغيرة.
وبذلك، لا تبدو القضية الأساسية ما إذا كانت إيران ستعود إلى طاولة المفاوضات، إنما إذا كانت تمتلك أساساً القدرة على الالتزام بأي تفاهم، وفي ظل اختيارها “المعادلة الصفرية” وهيمنة منطق البندقية على حساب الدبلوماسية، قد تلجأ كل من واشنطن وتل أبيب إلى ممارسة أعلى درجات الضغط الاستراتيجي لرفع كلفة الخسارة وقد تصل إلى الرغبة في تغيير النظام الإيراني بالكامل.

