مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية على إيران، تواجه الفصائل المسلحة المرتبطة بها في العراق مرحلة شديدة الحساسية في ظل تحولات إقليمية متسارعة قد تعيد رسم موازين النفوذ والقوة في المنطقة. وتجد هذه الفصائل نفسها أمام واقع يرفع كلفة الانخراط في أي مواجهة مفتوحة، وما قد يترتب عليه من خسائر بشرية ومادية، فضلاً عن التداعيات السياسية والشعبية داخل العراق.
هنا، لا تبدو معادلة السلاح والمواجهة المباشرة الخيار الأسلم بالنسبة إلى تلك الجماعات، خصوصاً مع توجه الحكومة العراقية نحو حصر السلاح بيد الدولة وتحديد 30 أيلول/ سبتمبر المقبل موعداً نهائياً لتسليم السلاح خارج إطار المؤسسات، بالتزامن مع انتهاء مهمة تواجد “التحالف الدولي” في البلاد، حيث أكدت الحكومة أن أي سلاح يبقى خارج إطار الدولة بعد هذا الموعد سيخضع للمعالجة القانونية بموجب قانون “مكافحة الإرهاب”.
وفي هذا السياق، يوضح أستاذ الإعلام والباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي، في حديث لـ “الحل نت”، أن الفصائل اعتمدت استراتيجية متبادلة للوجود؛ حيث تستغل عملها في الجانب السياسي لتوفير الغطاء لسلاحها، وتستخدم السلاح لترسيخ نفوذها السياسي.
ويرى الدعمي، أن هذا السلوك ليس بجديد، إلا أن الفصائل تسعى حالياً لاتخاذ التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط ذريعة مبررة للحفاظ على ترسانتها، بالرغم من خيارها “الظاهري” بعدم الانخراط الفعلي المباشر في المواجهات العسكرية الإقليمية بين إيران وأميركا وإسرائيل.
حصر السلاح والانخراط السياسي.. الفصائل أمام اختبار التفاهم والتسليم
في ظل هذا الواقع، تبرز السياسة بوصفها مساحة أكثر أماناً للحفاظ على النفوذ، عبر توظيف الحضور داخل المؤسسات والعملية السياسية بدلاً من الدخول في مواجهة عسكرية قد تستنزف رصيد الفصائل الشعبي وتضعها أمام ضغوط متزايدة.
وتبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الفصائل العراقية المقربة من إيران على إعادة ترتيب أولوياتها، والانتقال من الاعتماد على القوة المسلحة كأداة أساسية لحماية النفوذ إلى توسيع حضورها السياسي.
ويبيّن غالب الدعمي، أن هذه الجماعات تمر بمرحلة حرجة تتسم بالتراجع والخسائر؛ إذ لم يعد تراجع تأثير حلفائها في المنطقة هو المهدد الوحيد لوجودها، بل إنها تصطدم بواقع محلي رافض. فقد أدى التناقض بين تصريحاتها وأفعالها الميدانية المحسوبة عليها في استهدافها لدول الجوار، إلى إضعاف حضورها الميداني، والتأثير سلباً على شعبيتها.
ويلفت الدعمي، إلى أنه نتيجة لهذه المتغيرات وتراجع الزخم الخارجي والداخلي، باتت الفصائل تتجه بصورة أكثر جدية نحو “المجال السياسي” كوسيلة بديلة وملاذ أخير لتعويض فقدان قاعدة التأثير الجماهيري والحد من عزلتها.
من جانبه، يؤكد القيادي في “تيار الحكمة” حسن فدعم، في تصريح صحفي، أن “حصر السلاح عنوان لمشروع ومطلب عراقي، وليس استهدافاً لجهة أو طرف”، مبيناً أن معالجة الملف لن تكون عبر الصدام، وإنما من خلال الحوار والتفاهم مع الأطراف المعنية.
وأشار فدعم، إلى أن هذا الموقف لا يخفي استمرار وجود اعتراضات داخل البيت الشيعي بشأن ملف حصر السلاح، ولا سيما ما يتعلق بآليات تنفيذه والجهات المشمولة به.
بين لغة العقل وتحدي السلاح.. مساعٍ مكوكية لتجنب الصدام
سياسياً، شددت الرئاسات الأربعة، في اجتماع ضم رئيس الجمهورية نزار ئاميدي، ورئيس الحكومة علي الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة كركيزة أساسية لسيادة القانون، تزامناً مع بدء انسحاب قوات “التحالف الدولي”، وتطوير قدرات القوات المسلحة، ومواصلة جهود مكافحة الفساد.
وفي غضون ذلك، حدّد “ائتلاف إدارة الدولة العراقية” 30 أيلول/ سبتمبر المقبل موعداً نهائياً لحصر السلاح بيد الدولة، محذراً من التعامل وفق قانون “مكافحة الإرهاب” مع أي نشاط مسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية بعد انقضاء المهلة.
وعن المساعي السياسية لتهدئة الخلاف، كشف النائب عن كتلة “صادقون” أحمد الخزعلي، -وهي الجناح السياسي لعصائب أهل الحق- في حديث متلفز، عن تشكيل لجنة برئاسة زعيم “تحالف الفتح” هادي العامري للتفاوض والتهدئة بين الحكومة والفصائل المسلحة.
“الإطار التنسيقي” شكّل لجنة برئاسة زعيم “تحالف الفتح” هادي العامري للتفاوض مع الفصائل لتسليم سلاحها والتهدئة مع الحكومة
وأوضح الخزعلي، أن العراق بحاجة إلى تهدئة الأوضاع وعدم تصعيدها، داعياً للتروي في ملف حصر السلاح وأوامر القبض، ومؤكداً أن الحكومة لديها أكثر من 40 يوماً وهو وقت كافٍ لتفعيل لغة العقل، وأن بعض الفصائل تتمتع بمستوى عالٍ من العقلانية.
وعلى صعيد التحركات الإقليمية، كشفت مصادر سياسية عراقية كما علم “الحل نت”، أن زيارة قائد “فيلق القدس” الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد جاءت لإعادة تنظيم الملف بعد عدم تحقيق تقدم في زيارة علي الزيدي إلى طهران، حيث حمل قاآني رسائل تدعو لتجنب المواجهة مع الحكومة، مع طرح صيغة تقوم على تسليم جزء من الأسلحة للدولة وإبقاء جزء آخر ضمن إطار “الحشد الشعبي”.
وفي هذا السياق، كشف السياسي العراقي مشعان الجبوري، في لقاء متلفز، أن رئيس الوزراء علي الزيدي أبلغ قاآني بضرورة أن يكون 30 أيلول/ سبتمبر 2026 موعداً نهائياً لإنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، مشدداً على أن أي زيارات لقاآني يجب أن تتم عبر القنوات الرسمية، وهو ما أثار استياء الجانب الإيراني، محذراً من أن التحركات المرتبطة بهذا الملف تحظى بمراقبة استخبارية دقيقة عبر الأقمار الصناعية لتتبع تحركات الصواريخ والعجلات.
نهاية زمن السلاح المنفلت.. الانخراط بمظلة الدولة أو المجهول
ميدانياً، توالت الإجراءات التنفيذية لنزع السلاح؛ حيث أوضح رئيس خلية “الإعلام الأمني”، الفريق سعد معن، أن فصائل “سرايا السلام”، و”عصائب أهل الحق”، و”كتائب الإمام علي” مستمرة في تسليم الأسلحة غير المسجلة، وأن اللجنة الوطنية مستمرة في عملها بدعم كبير من رئيس الوزراء علي الزيدي ووزارة الداخلية.
وكانت مدينة سامراء قد شهدت مراسم تسليم ملف “سرايا السلام” إلى قيادة عمليات سامراء، بحضور نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول الركن قيس المحمداوي وقائد “السرايا” تحسين الحميداوي، مترافقة مع إنزال راية “السرايا” وإعلان الجناح العسكري لـ “التيار الصدري” فك ارتباطه بـ “التيار الوطني الشيعي” والانضمام إلى مؤسسات الدولة.
وفي خطوة مشابهة، أعلنت قيادة “كتائب الإمام علي” فك ارتباطها بتشكيلات “الحشد الشعبي” وتشكيل لجان لجرد الأسلحة والمعدات وتسليمها تحت إشراف القائد العام للقوات المسلحة. كما أعلنت “حركة عصائب أهل الحق” البدء بتنفيذ قرار فك الارتباط بـ “الحشد” وتشكيل لجنة مركزية لاستكمال إجراءات تسليم الآليات والمعدات وتنظيم الارتباط بالقائد العام.
وقد أكد المتحدث باسم كتلة “الصادقون” محمد البلداوي في تصريح صحفي، أن “العصائب” سلّمت أسلحتها المتوسطة والثقيلة، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيرة، متجهة نحو العمل ضمن إطار الدولة لبناء دولة مدنية رشيدة.
وتعقيباً على ذلك، أشار المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، إلى أن هذه الخطوات تأتي ضمن مسار حكومي يستهدف إلغاء المسميات التنظيمية وتعزيز وحدة القرار الأمني.
بالعودة إلى حديثه لـ “الحل نت”، يرى الباحث غالب الدعمي، أن هناك رأياً عاماً محلياً واضحاً تشكّل ليرى أن السلاح المنفلت قد فقد جدواه ووظيفته ولم يعد يشكل أداة حماية حقيقية، موضحاً أن هناك قناعة رسمية وشعبية متزايدة بأن بقاء هذا السلاح خارج إطار الدولة يمثل عبئاً، وأن الجيش العراقي والقوات الأمنية الرسمية هما الوحيدان الكفيلان بردع أي عدوان خارجي وصون سيادة البلاد.
ويختتم الدعمي حديثه، بالتحذير من أن الأوضاع في المرحلة المقبلة تتجه نحو ظروف عصيبة تفرض تحديات جسيمة على العراق بكافة مؤسساته؛ من الجيش إلى الشعب، وصولاً إلى الفصائل نفسها، مؤكداً أن المخرج الوحيد لتفادي سيناريوهات التصادم والتصعيد هو إذعان هذه الفصائل لصوت المنطق والعقل، والقبول بالانخراط التام تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية.
- فاتورة التخرج بالملايين.. كيف حوّلت الجامعات الخاصة التعليم في سوريا إلى “امتياز للأثرياء”؟
- منظمات حقوقية: “الحوثيون” يحيلون 8 من موظفي المنظمات الإغاثية للمحاكمة
- “فجر اليمن”.. القوات الحكومية تتقدم غرب وجنوب تعز وتوسّع عملياتها ضد “الحوثيين”
- “ذاكرة إبداعية” يوقف معرض “معتقلون ومغيبون” في الرقة بسبب ضغوطات أمنية
- استقالة مدير التربية وتقييم 307 مدارس يكشفان حجم أزمة التعليم في دير الزور

