طالبت ثمانية أحزاب كردية سورية بإزالة جميع آثار سياسات التعريب التي انتهجها نظام البعث، وإلغاء مشروع الحزام العربي، وإعادة اعتماد الأسماء الكردية الأصلية للمدن والبلدات والقرى والمواقع الجغرافية والتاريخية، معتبرة أن هذه الخطوات تمثل جزءاً من مسار العدالة الانتقالية وبناء دولة سورية تعترف بالتعددية القومية والثقافية.
ودعت الأحزاب الدولة السورية الجديدة إلى معالجة ما وصفته بالمظالم التاريخية التي تعرض لها الكرد خلال العقود الماضية، في وقت يتواصل فيه النقاش حول مستقبل الحقوق القومية وشكل الدولة في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.
إزالة آثار التعريب
وقالت أحزاب “اللقاء التشاوري الكردي” في بيان صدر السبت إن سياسات التعريب لم تقتصر على مشروع الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي الذي جُرد بموجبه عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، بل شملت أيضاً تغيير أسماء المدن والبلدات والقرى والجبال والأنهار والتلال والمواقع الأثرية والجغرافية الكردية، في إطار ما وصفته بمحاولة طمس الهوية القومية والثقافية للشعب الكردي وإنكار وجوده التاريخي.
وطالبت الأحزاب بإلغاء جميع القرارات والمراسيم التي شرّعت تلك السياسات، وإعادة اعتماد الأسماء الكردية الأصلية رسمياً في الوثائق والسجلات والخرائط والمؤسسات العامة، إلى جانب تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم مختصين في التاريخ والجغرافيا واللغات والآثار وممثلين عن المناطق المعنية، تتولى توثيق الأسماء التاريخية وإعادة اعتمادها وفق معايير علمية.
كما دعت إلى إدراج حماية التنوع اللغوي والثقافي واحترام الخصوصيات القومية ضمن المبادئ الدستورية للدولة السورية الجديدة، معتبرة أن إعادة الأسماء التاريخية تمثل حقاً تاريخياً وخطوة ضرورية لترسيخ المساواة بين السوريين.
وتأتي هذه المطالب في وقت تسعى فيه الأحزاب الكردية إلى البناء على خطوات اتخذتها السلطات الانتقالية خلال الأشهر الماضية، من بينها المرسوم الرئاسي رقم 13 الذي اعترف للمرة الأولى بالهوية الكردية بوصفها جزءاً من النسيج الوطني السوري، ونص على جملة من الحقوق المدنية والثقافية واللغوية للكرد، إلا أن الأحزاب ترى أن تلك الخطوات لا تكفي ما لم تُترجم إلى إجراءات تعالج السياسات التي كرستها عقود حكم البعث، وفي مقدمتها تغيير الأسماء وسياسات التعريب
ملف الحزام العربي
وشدد البيان على ضرورة إلغاء مشروع الحزام العربي وإزالة جميع الآثار المترتبة عليه، بما يشمل إعادة الحقوق إلى أصحابها وتعويض المتضررين وتطبيع الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل تنفيذ المشروع، مع اعتبار معالجة آثار التعريب جزءاً من برامج العدالة الانتقالية وجبر الضرر المعنوي والثقافي الذي لحق بالكرد.
ويُعد مشروع الحزام العربي، الذي بدأ تنفيذه خلال سبعينيات القرن الماضي على امتداد أجزاء من الشريط الحدودي في محافظة الحسكة، أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الحركة السياسية الكردية والدولة السورية، إذ تعتبره الأحزاب الكردية نموذجاً لسياسات التغيير الديموغرافي والإقصاء القومي التي مورست بحق السكان الكرد.
ويضم “اللقاء التشاوري الكردي” ثمانية أحزاب سياسية هي: حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، والحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)، وحزب اليسار الديمقراطي الكردي في سوريا، وحركة آزادي الكردستاني في سوريا، وحزب الوفاق الديمقراطي الكردي السوري، وحزب السلام الديمقراطي الكردستاني، والحزب اليساري الكردي في سوريا، والحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا.
وتشكل هذه الأحزاب أحد أبرز أطر التنسيق السياسي الكردي خارج “الإدارة الذاتية”، وتتبنى منذ سنوات مطالب تتعلق بالاعتراف الدستوري بالوجود القومي الكردي وإزالة آثار السياسات التي استهدفت المناطق الكردية خلال حكم البعث.
ويأتي طرح هذا الملف أيضاً في ظل المسار التفاوضي بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية”، والذي شهد توقيع اتفاق 29 كانون الثاني/يناير الذي وضع إطاراً لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة، مقابل ضمانات تتعلق بالحقوق المدنية والثقافية للكرد وعودة المهجرين. وترى الأحزاب الكردية أن تسوية ملفات مثل الحزام العربي وإعادة الحقوق العقارية والأسماء التاريخية تمثل اختباراً عملياً لمدى التزام الدولة بتنفيذ تلك التعهدات، ولا يمكن فصلها عن أي اتفاق سياسي يتعلق بمستقبل المنطقة.

