فتحت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن باباً واسعاً لإعادة ترتيب الملف العراقي اقتصادياً ومالياً، بعد إعلان بغداد وواشنطن توقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم شملت النفط والكهرباء والمصارف والإنترنت والزراعة والصناعة.
وتأتي الخطوة بينما تشتد لهجة أميركا تجاه إيران، في وقت أظهرت طهران انزعاجاً واضحاً من مسار بغداد الجديد، وهو ما يضع الحكومة العراقية أمام اختبار التوازن بين شراكات اقتصادية واعدة وحساسية الجغرافيا السياسية.
الزيدي في واشنطن: إصلاح مصرفي وعودة الدولار
قال الزيدي، إن واشنطن وافقت على تأهيل 7 مصارف عراقية للعودة إلى قنوات المراسلة الخارجية والتعامل بالدولار، بعد أن طالت عقوبات أميركية بعض المصارف سابقاً على خلفية شبهات تمويل إيران.
ويرى مستشار رئيس الوزراء مظهر محمد صالح في تصريح صحفي، أن الاتفاقات تمثل “مؤشراً على تنامي الثقة الدولية بالإمكانات الاقتصادية للعراق”، مشيراً إلى أن الهدف يتجاوز السيولة نحو تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
وتعاملت أوساط اقتصادية مع الملف المصرفي بوصفه بوابة لإعادة دمج العراق في النظام المالي العالمي، خصوصاً مع تزايد التدقيق الأميركي على التحويلات العابرة للحدود ومسارات العملة الصعبة.
وفي سياق الترويج لجذب الاستثمار، نقلت مصادر سياسية عن الزيدي قوله: “يسعدني أن أرى كل رجل أعمال عراقي يصافح رجل أعمال أميركياً”، في إشارة إلى رهان حكومته على الشراكات المباشرة مع القطاع الخاص.
أنبوب عبر سوريا لتجاوز الاختناقات
ضمن سلة التفاهمات، برز اتفاق لمد أنبوب نفط عراقي عبر الأراضي السورية وصولاً إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، بمشاركة شركات أميركية، وفق ما أوردته تقارير صحفية.
ووقع العراق وسوريا في واشنطن، مذكرة لإعادة تأهيل أنبوب النفط الممتد من حديثة إلى بانياس، على أن تتولى شركة “شيفرون” الأميركية تنفيذ المشروع.
وفي بيان لها، رحبت السفارة الأميركية في بغداد بتوقيع مذكرة التفاهم، ووصفتها بأنها خطوة تاريخية بين حكومتي العراق وسوريا لإعادة تأهيل وإعمار خط أنابيب النفط الخام الرابط بين البلدين.
السفارة أكدت، أن المشروع يمثل أحد المشاريع الحيوية للبنية التحتية، لما له من دور في تعزيز الأمن والاستقرار عبر دعم الترابط الإقليمي وتحفيز الازدهار الاقتصادي، مشيرة إلى أن الشركات الأميركية ستضطلع بدور رئيسي في تنفيذ أعمال الإنشاء.
وأشارت إلى أن المشروع، بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل، سيتمتع بطاقة نقل أولية تصل إلى مليوني برميل من النفط الخام يومياً، ما يجعله أحد أبرز مشاريع البنية التحتية في قطاع الطاقة بالمنطقة.
وتقول تقديرات متداولة في أوساط الطاقة، إن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز انعكس على تدفقات وإيرادات بغداد، مع حديث عن هبوط العائدات النفطية من 6.8 مليارات دولار شهرياً إلى نحو مليار دولار، ما أعاد طرح بدائل التصدير كأولوية اقتصادية.
ويُقرأ المشروع أيضاً كرسالة سياسية بأن بغداد تبحث عن مسارات تصدير أقل تعرضاً للصدمات الإقليمية، وهو ما قد يغير موازين الاعتماد على الممرات التقليدية ويمنح العراق هامش مناورة أكبر في سوق الطاقة.
غضب إيراني ورسائل توازن عراقية
سياسياً، تزامنت الزيارة مع لقاء جمع الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أشاد به ووصفه “القائد العظيم”، ما عزز الانطباع بأن واشنطن تراهن على حكومته لدفع ملفات الاقتصاد والسيادة المالية.
في المقابل، صعّد مستشار المرشد الإيراني علي ولايتي لهجته واصفاً الزيدي بأنه “قليل الخبرة”، واعتبر زيارته إلى واشنطن “عاراً كبيراً”، وهو موقف عكس حساسية طهران من أي مسار يقلص نفوذها داخل المؤسسات العراقية.
وحاولت بغداد الإبقاء على خيط توازن، إذ أعلن وزير الخارجية فؤاد حسين، أن العراق “ضد الحرب وضد استمرارها”، مندداً بأي هجوم يستهدف دول الخليج، مع التأكيد على التوجه إلى طهران ضمن جولة تشمل أيضاً قطر وتركيا.

