تعمل الولايات المتحدة على مشروع إقليمي واسع لإعادة رسم خريطة نقل الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، عبر إنشاء مسارات بديلة لمضيق هرمز، بهدف تقليص اعتماد الأسواق العالمية على الممر البحري الذي استخدمته إيران لعقود كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الغرب.
وأعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس باراك، أن واشنطن تنسق مع سوريا والأردن وتركيا ولبنان ومصر لتنفيذ برنامج يعتمد مبدأ “التسليم الاحترازي”، بما يسمح بالانتقال تدريجياً من النقل البحري عبر المضائق إلى ممرات برية وخطوط أنابيب للنفط والغاز، متوقعاً أن تصبح أهمية مضيق هرمز “ثانوية” خلال عامين.
وقال باراك، خلال قمة الأعمال الأميركية العراقية في واشنطن، إن المشروع يأتي ضمن رؤية أوسع لإيجاد بدائل أكثر استقراراً لسلاسل إمداد الطاقة، إلى جانب تطوير “الممر الأوسط” الممتد من تركيا عبر أذربيجان وتركمانستان وصولاً إلى آسيا الوسطى، بما يعزز صادرات الغاز إلى أوروبا.
خط كركوك – بانياس في قلب المشروع
تزامنت تصريحات باراك مع توقيع سوريا والعراق مذكرتي تفاهم لإعادة تأهيل خط أنابيب حديثة – بانياس، إلى جانب اتفاق مع ائتلاف دولي تقوده شركة شيفرون الأميركية لإعداد الدراسات الفنية والمالية للمشروع.
وشُيد خط كركوك – بانياس عام 1952، وكان ينقل في ذروة تشغيله نحو 300 ألف برميل يومياً من حقول كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، قبل أن يتوقف بشكل شبه كامل عام 2003.
وكان نائب رئيس الشركة السورية للبترول لشؤون النقل والتخزين، أحمد قبه جي، كشف الشهر الماضي عن دخول ما بين 900 و1000 صهريج نفط عراقي يومياً إلى سوريا عبر معبري التنف واليعربية، بالتزامن مع إعلان بغداد خطة لرفع صادراتها عبر الأراضي السورية إلى نحو 50 ألف برميل يومياً.
وقالت وزارة الطاقة السورية إن أعمال إعادة التأهيل تستهدف رفع الطاقة التشغيلية للخط إلى نحو مليوني برميل يومياً، بما يعيد تفعيل أحد أهم ممرات تصدير النفط في المنطقة، ويعزز موقع سوريا كممر للطاقة نحو البحر المتوسط.

وبحسب وكالة “بلومبيرغ”، يعتمد العراق على مضيق هرمز في تصدير نحو 95% من نفطه، فيما تراجعت صادراته البحرية خلال مايو/أيار الماضي إلى نحو 8% فقط من متوسط صادرات عام 2024، الأمر الذي دفع بغداد إلى البحث عن منافذ بديلة أقل عرضة للتوترات العسكرية.
ورغم الأهمية الاستراتيجية للمشروع، يرى مراقبون أن إعادة تأهيل خط الأنابيب، البالغ طوله نحو 800 كيلومتر، ستواجه تحديات أمنية ولوجستية كبيرة، في مقدمتها نشاط خلايا تنظيم “داعش” قرب أجزاء من مساره، إضافة إلى معارضة بعض المليشيات العراقية المتابعة لإيران كونه الأكثر ضرراً من اكتمال المشروع.
رهان أميركي على تحييد إيران
تأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى تقليص قدرة إيران على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، بعدما أثبتت الحرب الأخيرة أن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية.

وترى واشنطن أن توفير منافذ تصدير بديلة عبر سوريا وتركيا والبحر المتوسط سيحد من قدرة طهران على استخدام المضيق كورقة ابتزاز جيوسياسية، ويمنح الدول المنتجة والمستهلكة خيارات أكثر استقراراً لنقل النفط والغاز بعيداً عن التهديدات العسكرية.
ويرى مراقبون أن المشروع يمثل جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، عبر ربط العراق وسوريا وتركيا بشبكة طاقة وتجارية جديدة تقودها الولايات المتحدة، بما يقلل من النفوذ الإيراني ويضعف إحدى أهم أدوات الضغط التي امتلكتها طهران طوال العقود الماضية.
ويشير محللون إلى أنه في حال نجحت واشنطن في تنفيذ هذه المشاريع خلال الأعوام المقبلة، فإن إيران ستكون أمام خسارة استراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي.
ومع توسع خطوط الأنابيب البرية وظهور مسارات تصدير جديدة، قد تجد طهران نفسها للمرة الأولى منذ عقود عاجزة عن استخدام المضيق لتهديد أسواق الطاقة العالمية أو فرض كلفة اقتصادية على خصومها، وهو ما يجعل المشروع الأميركي محاولة لإحراق أقوى أوراق الضغط الإيرانية، وإعادة رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط على المدى الطويل.
- استنزاف “حوثي” متواصل في معارك غرب تعز.. تابع المستجدات
- مهاجرون أفارقة في الصفوف الأولى لهجمات “الحوثيين” على تعز
- طهران وبكين على مفترق هرمز.. ماذا تريد الصين من إيران؟
- تقرير حقوقي يحمل الحكومة وفصائل بالسويداء مسؤولية عرقلة امتحانات الطلاب
- على خلفية مقتل متظاهرين عراقيين.. تحرك قضائي ضد زعيم منظمة “بدر”

