بعد عام من التأسيس.. هل تحول الصندوق السيادي إلى “بوابة خلفية” لخصخصة أصول السوريين؟

الرئيس الشرع

بعد مرور عام على إنشاء الصندوق السيادي السوري، عاد هذا الكيان الاقتصادي إلى واجهة النقاش العام مع تصريحات وزير المالية محمد يسر برنية، التي أكد فيها أن الصندوق يحظى بتنسيق مستمر مع الوزارة، وأن إدارته نجحت في حماية أصول مهمة من الضياع والعمل على تنميتها، مشدداً على أن هذه الأصول وعوائدها ملك للدولة السورية، وأن الصندوق لا ينافس القطاع الخاص ولا يتمتع بأي إعفاءات ضريبية خاصة، كما أنه لا يزال في مرحلة التأسيس، لكنه مرشح للمساهمة في خلق مئات الآلاف من فرص العمل وتعزيز النمو الاقتصادي ورفد الخزينة العامة بعوائد مستقبلية.

إلا أن مرور عام كامل على تأسيس الصندوق يطرح سؤالاً يتجاوز الخطاب الرسمي، وهو ماذا حقق الصندوق السيادي فعلياً للاقتصاد السوري؟ وهل استطاع أن يتحول إلى مؤسسة استثمارية تدير الأصول العامة وفق معايير الحوكمة والشفافية، أم أن حصيلة عامه الأول بقيت محصورة في الوعود والتصريحات دون بيانات مالية أو تشغيلية تتيح قياس أدائه؟.

الفكرة ليست محل الخلاف

ينقل هذا التقرير عن جريدة قاسيون أن الإشكالية لا تكمن في فكرة إنشاء صندوق سيادي بحد ذاتها، فالتجارب الدولية تثبت أن مثل هذه الصناديق يمكن أن تشكل أداة فعالة لإدارة الأصول العامة، وإعادة تشغيل المؤسسات المتعثرة، وتحويل الممتلكات الحكومية غير المستثمرة إلى مشاريع إنتاجية توفر فرص العمل وتحقق عوائد مستدامة للخزينة.

لكن نجاح أي صندوق سيادي لا يقاس باسمه أو بالأهداف المعلنة عند تأسيسه، بل بقدرته على إدارة المال العام بشفافية وإتاحة المعلومات للرأي العام، باعتبار أن الملكية العامة ليست مجرد ملكية قانونية للدولة، وإنما علاقة اقتصادية واجتماعية تقتضي معرفة المواطنين بما يملكون وكيف تُدار أصولهم وكيف توزع عوائدها.

الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر في التاسع من تموز/ يوليو 2025 المرسوم رقم 113 القاضي بإحداث الصندوق السيادي السوري- إنترنت

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر في التاسع من تموز/ يوليو 2025 المرسوم رقم 113 القاضي بإحداث الصندوق السيادي السوري كمؤسسة اقتصادية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، وحدد له أهدافاً تشمل تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية، وتحسين استثمار الموارد البشرية والمادية، وتنشيط الاقتصاد عبر استثمارات متنوعة، وتحويل الأصول الحكومية غير المستثمرة إلى أدوات إنتاج وتنمية، كما نص المرسوم على إعداد تقارير دورية وإخضاع أعمال الصندوق للتدقيق المالي والرقابة.

لكن، وعلى الرغم من مرور عام على تأسيسه، ما تزال المعلومات المتعلقة به محدودة، فبحسب ما أوردته “قاسيون”، بقيت البنية الإدارية والمالية للصندوق أقرب إلى المعلومات المتفرقة منها إلى الإفصاح المؤسسي الكامل، إذ لم تُنشر حتى الآن قائمة رسمية بالأصول التي يديرها الصندوق، ولا قيمتها السوقية، ولا أسماء جميع أعضاء مجلس الإدارة، ولا تفاصيل العقود الاستثمارية التي وقعها، ولا نتائج أعماله المالية من أرباح أو خسائر.

ويقتصر ما هو متاح على تصريحات رسمية متفرقة وبعض المعلومات المنشورة على الموقع الإلكتروني الذي أطلقه الصندوق في نهاية حزيران/ يونيو الماضي.

شفافية غائبة رغم الوعود

يشير الموقع الرسمي إلى أن الصندوق يعمل عبر 11 شركة مركزية، وينشط في 36 قطاعاً اقتصادياً، ويضم أكثر من 270 موظفاً، ويتحدث عن أكثر من 40 ألف فرصة عمل، إلا أنه لا يوضح ما إذا كانت هذه الوظائف قائمة بالفعل أم مستهدفة مستقبلاً.

 كما لا ينشر الموقع أسماء الشركات التابعة، أو حجم الأصول التي تديرها، أو قيمة الالتزامات المالية، أو التدفقات النقدية، أو القوائم المالية الافتتاحية، أو الميزانية الموحدة، أو التقرير السنوي المدقق، أو أسماء الجهات التي تتولى أعمال التدقيق المستقل.

تزداد أهمية هذه الأسئلة في ضوء تأكيد الصندوق أن منظومة الحوكمة الخاصة به “مستوحاة من مبادئ سانتياغو”، وهي المبادئ الدولية التي وضعتها المجموعة الدولية للصناديق السيادية لتعزيز الشفافية والإفصاح وحوكمة إدارة الثروات السيادية.

وتدعو هذه المبادئ إلى الإعلان عن الإطار القانوني للصندوق، وأهدافه، ومصادر تمويله، وسياسات الاستثمار، وآليات توزيع الأصول، ومعدلات العائد، وإدارة المخاطر.

غير أن المعلومات المتاحة حتى الآن لا تسمح بالتحقق من مستوى التزام الصندوق بهذه المعايير أو تقييم مدى تطبيقها عملياً، وهو ما دفع جريدة “قاسيون” إلى اعتبار أن الاكتفاء بالإشارة إلى هذه المبادئ دون نشر البيانات المرتبطة بها لا يكفي لإثبات الالتزام بها.

جدل الخصخصة يعود مجدداً

من أكثر القضايا إثارة للنقاش ما يتعلق بطبيعة الأصول التي يديرها الصندوق وآلية التصرف بها مستقبلاً، فالصندوق أعلن في أكثر من مناسبة أنه يسعى إلى إدارة الأصول بعقلية القطاع الخاص، ورفع قيمتها السوقية، ثم تنفيذ ما وصفه بـ”الانسحاب المنظم” لتحقيق عوائد للخزينة، إضافة إلى دراسة تحويل بعض المشاريع إلى شركات مساهمة.

 ويرى منتقدو هذه السياسة أن مثل هذا التوجه يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بإمكانية بيع حصص من الأصول العامة أو منح امتيازات طويلة الأجل، ما يستدعي وجود معايير واضحة لتقييم الأصول، وآليات معلنة لتحديد أسعارها، وضمانات تحمي حقوق العمال والمستهلكين والمصلحة العامة.

فعاليات المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي- إنترنت

وتزداد حساسية هذا الملف مع تداول تقديرات تشير إلى أن قيمة الأصول المتوقع أن يديرها الصندوق قد تصل إلى نحو 50 مليار دولار، وهو رقم لم يصدر بشأنه حتى الآن أي كشف رسمي يوضح مكوناته أو منهجية احتسابه.

وإذا صحت هذه التقديرات، فإن الصندوق سيكون مسؤولاً عن إدارة أصول تفوق في قيمتها التقديرات الرسمية للناتج المحلي الإجمالي السوري، ما يجعل الإفصاح المالي والرقابة المؤسسية مطلباً اقتصادياً أساسياً وليس مجرد قضية إعلامية أو سياسية.

روايتان.. ومستقبل واحد

في المقابل، تؤكد الحكومة أن الصندوق لا يمثل مشروعاً لخصخصة مؤسسات الدولة، وإنما أداة للاستثمار المؤسسي تهدف إلى إعادة تشغيل الأصول غير المستغلة، واستقطاب التمويل طويل الأجل، وتنشيط أسواق رأس المال، وخلق فرص عمل، دون منافسة القطاع الخاص أو منحه امتيازات ضريبية خاصة.

كما ترى وزارة المالية أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى مؤسسات استثمارية كبيرة، مثل الصناديق السيادية وصناديق الاستثمار والتقاعد وشركات التأمين، للمساهمة في تعبئة المدخرات وتمويل التنمية الاقتصادية.

غير أن جريدة “قاسيون” ترى أن تبرير غياب الشفافية بخصوصية المرحلة التي تمر بها البلاد أو بالاعتبارات الأمنية لا يمثل مبرراً كافياً لحجب المعلومات المتعلقة بإدارة الثروة العامة، بل إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السوريون تجعل الإفصاح أكثر إلحاحاً، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات الفقر، واتساع الفجوة بين الموارد العامة واحتياجات إعادة الإعمار.

وتذهب الصحيفة إلى أن تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع يبدأ من نشر البيانات المالية، وإتاحة العقود والاتفاقيات للرأي العام، وتمكين المواطنين من متابعة كيفية إدارة أصولهم العامة ومحاسبة القائمين عليها.

حصيلة عام.. وأسئلة بلا إجابات

بعد عام على تأسيس الصندوق، تبدو حصيلته الاقتصادية المباشرة محدودة من حيث النتائج القابلة للقياس، إذ لم تُنشر حتى الآن ميزانية افتتاحية أو تقرير مالي سنوي مدقق أو قائمة رسمية بالأصول والعوائد، في حين تواصل الحكومة التأكيد أن المؤسسة لا تزال في مرحلة البناء والتأسيس وأن آثارها الاقتصادية ستظهر خلال السنوات المقبلة.

وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن حماية الأصول والاستعداد لقيادة الاستثمار المؤسسي، والرواية النقدية التي تطالب بمزيد من الشفافية والإفصاح، يبقى السؤال مفتوحاً هل سينجح الصندوق السيادي السوري في التحول إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية وإدارة الثروة العامة، أم أن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرته على إقناع السوريين قبل المستثمرين بأن إدارة هذه الأصول تتم وفق قواعد واضحة وخاضعة للمساءلة؟.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم