المصالح الصينية بإيران.. رهانات تدفع بكين لدعم النظام في طهران على حساب دول الخليج

مرة أخرى، يشهد الصراع العسكري بين إيران والولايات المتحدة موجة جديدة من التفاوض السياسي، وسط مرحلة حرجة تتبادل فيها واشنطن وطهران شروطاً تتعلق بالتعويضات ورفع القيود البحرية، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزالة الألغام من مضيق هرمز، بينما تشترط طهران رفع القيود لاستئناف الملاحة، وذلك على هامش مذكرة التفاهم الأخيرة التي لم تصمد طويلاً.

نقطتان قد لا يبدو للعلن ثالث لهما: مضيق هرمز والسلاح النووي، وهما مضمون المفاوضات الأميركية-الإيرانية طوال الشهور الماضية. بيد أن تداعيات هذا الصراع العسكري تَشي بوضوح بأن ثمة اعتبارات عديدة ومتباينة تحيط بملف الصراع في إيران، سواء ميدانياً أو سياسياً، ما يرتبط بواشنطن وطهران، وما يمتد ويتصل بآخرين من دول إقليمية ودولية فاعلة.

ولا شك، تعدّ الصين واحدة من أهم القوى السياسية في العالم التي تُبصر جيداً تطورات المشهد، على خلفية عدة حقائق اقتصادية وجيوسياسية، فضلاً عما يتصل بمبيعات الأسلحة لأطراف عديدة في الشرق الأوسط، بحسب تقارير صحافية.

الصين وإيران: شراكة تتجاوز الاقتصاد

بكين وطهران تنظران إلى بعضهما بعضاً من خلال زاوية التناقضات التي تجمع بينهما، مما يدفعهما إلى التعاون وتعزيز مواقف بعضهما بعضاً، خاصة خلال العامين الأخيرين، مع اتساع رقعة العمليات العسكرية.

بيد أن بكين واجهت امتحاناً قاسياً خلال عام 2026؛ مرة حين سقط النظام في فنزويلا، وأخرى حين يتجدد الخطر ضد النظام في إيران، مما يضع الصين في مواجهة دقيقة وحاسمة أمام الأنظمة التي تدعمها، وكلفة هذا الالتزام وتبعاته.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ونظيره الصيني شي جين بينغ. “إنترنت”

قبل ستة أعوام، وبالتحديد في الخامس والعشرين من شهر حزيران/يونيو 2020، أقرّت الحكومة الإيرانية مسودة اتفاق للشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الصين لمدة خمسة وعشرين عاماً، وكلّف الرئيس الإيراني آنذاك، حسن روحاني، وزير خارجيته محمد جواد ظريف، اتخاذ الإجراءات التنفيذية للتوقيع على الاتفاق، مما وضع البلدين أمام سؤال مهم يدور حول مضمون هذا الاتفاق، والدوافع الأساسية التي تقف وراءه، وتداعياته الاستراتيجية المتوقعة.

وربما، بعد سنوات قليلة، ومع تفجّر الصراع ميدانياً، بدأت كلفة انخراط النظام الإيراني في حرب طويلة تنعكس على مستقبل التعاون مع الصين، وبدا اهتمام الأخيرة بدخول الحرب في لحظة هدوء واستقرار تضمن للنظام الإيراني التقاط أنفاسه، وتحقيق تعهداته تجاه الصين، واستفادة بكين من جغرافيا إيران نحو تحقيق جملة من الاستثمارات، خاصة ما يتصل بمبادرة “الحزام والطريق”.

ومن الأهمية بمكان النظر إلى العلاقة الاقتصادية بين الصين وإيران ضمن أفق يتجاوز حجم الاستثمارات المباشرة، ليصل إلى ما يشبه حلم استثمارات صينية ضخمة تصل قيمتها إلى 400 مليار دولار، كما يوحي أحياناً الخطاب المتداول. 

غير أن هذا الرقم يمثل قيمة استثمارات وتمويلات مستهدفة ضمن اتفاق التعاون الاستراتيجي لمدة خمسة وعشرين عاماً، الموقع عام 2021، وليس قيمة الاستثمارات التي نفذتها الصين فعلياً. وتشير بيانات وزارة التجارة الصينية إلى أن الاستثمارات الصينية المباشرة المتراكمة في إيران بلغت نحو 3.9 مليارات دولار حتى نهاية عام 2023، فيما يقدّر معهد “American Enterprise Institute” إجمالي الاستثمارات الصينية منذ عام 2007 بأقل بقليل من 5 مليارات دولار.

ومع ذلك، تنخرط الشركات الصينية في قطاعات استراتيجية عدة، أبرزها النفط والغاز، والسكك الحديدية، والطاقة المتجددة، والمعادن، والبنية التحتية. ومن أبرز المشاريع استثمار شركة “Sinopec” نحو ملياري دولار في حقل يادآوران النفطي، ومشاركة “CNPC” في حقلي جنوب بارس وشمال آزادغان، إضافة إلى اتفاق بنحو 1.5 مليار دولار لتطوير خط سكة حديد طهران-مشهد، فضلاً عن مشاريع أخرى في الطاقة الشمسية والصلب والنقل.

المصالح الاقتصادية والاستراتيجية

وتكتسب هذه العلاقة أهمية أكبر بسبب اعتماد الصين المتزايد على النفط الإيراني؛ فبحسب لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية، استوردت الصين في عام 2025 نحو 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، أي ما يقارب 12 بالمئة من إجمالي وارداتها النفطية، فيما كانت تستحوذ على أكثر من 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية.

أما جغرافياً، فتمنح إيران الصين قيمة تتجاوز الطاقة والاستثمار، إذ تقع عند نقطة اتصال بين آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا والخليج العربي وبحر عُمان، ما يجعلها ممراً محتملاً للربط البري بين الصين وأسواق الشرق الأوسط وأوروبا. 

وقد أدرجت بكين إيران ضمن شبكة “الحزام والطريق”، وتؤكد وزارة الخارجية الصينية أن إيران تُعد مركزاً للنقل وتوزيع التجارة على طريق الحرير. وفي هذا السياق، تطورت مشاريع الربط السككي بين البلدين؛ كما أُطلق في عام 2024 ممر للقطارات يربط الصين بإيران وأوروبا، مع وصول قطارات الشحن إلى طهران عبر كازاخستان وتركمانستان.

وبالتالي، فإن أهمية إيران بالنسبة إلى بكين لا تنبع فقط من قيمة الأموال التي استثمرتها الشركات الصينية داخل البلاد، وإنما أيضاً من كونها مصدراً رئيسياً للطاقة بالنسبة إلى الصين، وسوقاً ومجالاً للاستثمار، وحلقة جغرافية يمكن أن تربط الصين بآسيا الوسطى والخليج والشرق الأوسط وأوروبا ضمن شبكة “طريق الحرير” الجديدة.

وبالتالي، تدفع الصين إيران بدعم مباشر وغير مباشر، منعاً لسقوط النظام نتيجة الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية منذ نهاية شهر فبراير/شباط الماضي، وسقوط نخبة القيادة الإيرانية.

رهانات تتجاوز الحرب

كما أن الصين تستهدف لحظة توقف حقيقية للعمليات العسكرية، وهدوءاً حقيقياً للتوتر في الشرق الأوسط، ما يعني بالنسبة إلى بكين عدة اعتبارات ودلالات، تتعلق تارة بالوضع الاقتصادي، خاصة فيما يتصل بإمدادات الطاقة الإيرانية للصين، وأخرى جيوسياسية ترتبط باستكمال الصين لأحلامها ومشاريعها التوسعية.

إذاً عملت الصين عميقاً على الاستثمار في النظام الإيراني، وتسعى جاهدة إلى الحفاظ عليه ودفعه لتحسين بعض مؤشرات التفاوض مع واشنطن، خاصة خلال الجولة الحالية، سيما أن بكين وطهران تدركان جيداً أن فشل هذه الجولة لا يعني سوى العودة إلى العمل العسكري الخشن، وربما الثقيل، أكثر من أي مرة سابقة.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره الصيني وانغ يي في بكين يوم 6 أيار/مايو 2026. “شينخوا”

بموجب الاتفاقيات التي أبرمتها الصين مع إيران، تضمن الأولى من الأخيرة عدة امتيازات منعت الحرب دون استفادة بكين منها، بينما تحركت إيران لبلوغ أقصى استفادة وظيفية من علاقاتها ببكين، الأمر الذي يدفع الصين إلى ترقّب اللحظة التي ستحصد فيها عوائد ما قدمته لإيران.

تشير التقارير إلى أن الاتفاق الصيني-الإيراني يمنح بكين حق الحصول على الواردات النفطية من إيران بأسعار منخفضة عن أسعار السوق، وإمكانية الدفع الآجل حتى عامين، إلى جانب إمكانية الدفع بالعملة المحلية الصينية، اليوان. وهي مسألة تنطوي على مكاسب مشتركة للطرفين، إذ تزيد من فرص تحوّل العملة الصينية إلى عملة دولية وأداة للوفاء بالالتزامات وتسوية المعاملات الدولية، كما تجنّب إيران الاعتماد على الدولار الأميركي.

فضلاً عن ذلك، يتيح الاتفاق فرصاً للتنمية المشتركة في الصناعات العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء المناورات العسكرية المشتركة. كما يمنح الصين فرصة كبيرة للنفاذ إلى الموانئ الإيرانية، وفقاً للعديد من التقارير.

وعليه، كل ذلك يجعل الحرب الدائرة منذ شهور على الأراضي الإيرانية نزيفاً استراتيجياً للصين، بالنظر إلى حجم الاستثمارات الضخمة التي ضختها بكين في أوعية وشرايين الاقتصاد الإيراني.

“أداة لمحاربة واشنطن على حساب الخليج”

إذن، لا يمكن تخيّل إيران بالنسبة إلى الصين بوصفها حليفاً طارئاً أو استثنائياً، بل إنها تجسّد تصورات بكين لشبكة تحالفاتها، التي تتأسس على اعتبارات اقتصادية وعسكرية وسياسية وجيوسياسية متعددة، بما يحقق لها جملة من أهدافها.

وفي ضوء ذلك، هذا ما يجعل بكين تدافع عن بقاء واستمرار النظام في طهران، بغية الحفاظ على مصالحها في الأراضي الإيرانية، تسعى لأن تحمي تلك المصالح بشتى الطرق من خلال تقديم الدعم المباشر وغير المباشر لطهران، خاصة وأن النظام الإيراني الحالي يعد حليفاً جيداً لبكين في حربها ومنافستها غير المباشرة مع الولايات المتحدة، وبالتالي تعمل على إطالة أمد الحرب بالمنطقة، حتى وإن كان يستنزف الصين استراتيجياً واقتصادياً إلى حد ما، غير أنها تراهن على إنقاذ النظام الإيراني من السقوط ووضع شروط تفاوض معينة على طاولة التفاوض مع واشنطن.

ولذلك، فإن ضمان بقاء النظام الإيراني يعني بالنسبة لبكين الحفاظ على مصالحها واستثماراتها الاقتصادية داخل إيران. وإلى جانب ذلك، تستخدم بكين طهران كأداة لمحاربة واشنطن. وما يدعم ذلك ما كشفته عدة تقارير صحفية خلال الفترات الفائتة من أن الصين تدعم إيران عسكرياً وتقنياً، وسط معلومات عن دراسة بكين نقل صواريخ دفاع جوي محمولة على الكتف إلى طهران عبر دول وسيطة، لتعويض جزء من خسائرها خلال المواجهات الأخيرة.

وفي حال تمت الصفقة، فإنها قد تمثل انتقالاً في الدعم الصيني من توفير المكونات وقطع الغيار إلى تزويد إيران بأسلحة كاملة، بما يعزز قدراتها الدفاعية ويزيد استعدادها لأي مواجهة أخرى ومستقبلية، ما يعني أن بكين تسعى لضمان بقاء النظام الإيراني، بغية تحقيق أهداف تخدم مصالحها، وإن كانت على حساب الدول الإقليمية، وخاصة الخليجية، أو على حساب أمن الملاحة الدولية والشعب الإيراني واقتصادهم.

هشام الجندي

هشام الجندي

كاتب صحفي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم