ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية السورية إلى 141 ليرة جديدة للشراء و141.75 ليرة للمبيع، خلال تعاملات الاثنين 12 تشرين الأول، في مسار يعكس عودة الضغوط على سعر الصرف بعد تراجع محدود خلال تموز، واستقرار نسبي في آب، قبل تسارع الارتفاع في أيلول واستمراره خلال الأيام الأولى من تشرين الأول.
وبحسب بيانات التداول المنشورة اليوم، اتسعت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، لتعيد إلى الواجهة تساؤلات بشأن العوامل التي تحرك الدولار، ومدى انعكاس تقلباته على أسعار السلع والقدرة الشرائية للسوريين.
فجوة تتسع بين السعرين
حددت نشرة مصرف سوريا المركزي رقم 189، السارية اعتباراً من ظهر الأحد 11 تشرين الأول، سعر الدولار عند 121.50 ليرة للشراء و122.50 ليرة للمبيع، وبالمقارنة مع سعر المبيع في السوق الموازية البالغ 141.75 ليرة، يصل الفارق إلى 19.25 ليرة، أي ما يعادل نحو 15.7 بالمئة من السعر الرسمي.
ويعني ذلك أن شراء ألف دولار وفق سعر السوق الموازية يحتاج إلى 141,750 ليرة جديدة، مقابل 122,500 ليرة وفق السعر الرسمي، بفارق يبلغ 19,250 ليرة، مع الإشارة إلى أن السعر الرسمي المحدد في النشرة لا يعني بالضرورة إمكان الحصول على الدولار بهذا السعر لجميع المتعاملين.

وتكشف مقارنة الأسعار المسجلة في بداية الأشهر عن مسار متقلب، ففي تموز، تراجع سعر المبيع من 131.50 ليرة في الأول من الشهر إلى 130.25 ليرة في الثلاثين منه، بانخفاض يقارب 0.95 بالمئة وفي آب، ارتفع من 131 إلى 132 ليرة، بزيادة نحو 0.76 بالمئة.
ذلك قبل أن يتسارع الصعود في أيلول من 132 إلى 138.50 ليرة، بارتفاع بلغ 6.50 ليرة، أو نحو 4.92 بالمئة ومع بداية تشرين الأول، بلغ السعر 138.50 ليرة، ثم وصل إلى 141.75 ليرة في 12 منه، بزيادة 3.25 ليرة، تعادل نحو 2.35 بالمئة مقارنة ببداية الشهر، وفق هذه السلسلة السعرية.
ارتفاع تراكمي يضغط على السوق
باحتساب الفترة من أول تموز إلى 12 تشرين الأول، ارتفع سعر المبيع من 131.50 إلى 141.75 ليرة، أي بمقدار 10.25 ليرة، أو نحو 7.79 بالمئة، لتوضح هذه الحسابات أن الاتجاه العام كان صاعداً رغم التراجعات المحدودة التي شهدتها السوق في بعض الفترات، مع ضرورة التمييز بين أسعار الشراء والمبيع عند مقارنة البيانات اليومية، إذ قد يؤدي الخلط بينهما إلى نتائج غير دقيقة.
لا تقتصر دلالات هذا الارتفاع على سوق الصرف، بل تمتد إلى الأسواق المحلية في ظل اعتماد قطاعات تجارية وإنتاجية على المواد الأولية والسلع المستوردة. ففي متابعة لعدد من أسواق دمشق، بينها الحميدية وباب الجابية، ظهرت فروقات في أسعار السلعة الواحدة بين متجر وآخر، بحسب إفادات مواطنين، أشاروا إلى أن بعض التجار يعزون الزيادات إلى تغير سعر الدولار، بالتزامن مع استمرار الضغوط على دخول الأسر وتكاليف احتياجاتها اليومية، وفق صحيفة “الحرية”.
وتشمل السلع التي أشار المواطنون إلى ارتفاع أسعارها الزيوت والأرز والسمن والبقوليات والحبوب والسكر والمعلبات، في وقت لم تعد فيه الرواتب والدخول، بحسب إفاداتهم، كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما يؤدي إلى تقليص الإنفاق على بعض السلع وإعادة ترتيب أولويات الأسرة، بينما يزداد العبء مع تداخل أسعار الصرف مع تكاليف النقل والطاقة والتوزيع وهوامش التجارة.
التجار بين ارتفاع التكاليف وضعف الطلب
من جهتهم، أشار تاجرا المفرق إبراهيم الحمديدي ومحمد المصري إلى ارتفاعات متتالية طالت المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية والوقود والأدوية وغيرها، موضحين أن ارتفاع الدولار يزيد تكلفة الاستيراد وينعكس على أسعار البيع.
وفي المقابل، تحاول بعض الشركات المحلية، وفق إفادات التجار، زيادة الإنتاج وتقليل الاعتماد على المواد المستوردة، لكنها تواجه تحديات لوجستية وتكاليف مرتفعة تعرقل قدرتها على تلبية الطلب بأسعار مناسبة.

وفي هذا السياق، يوضح عضو غرفة تجارة دمشق، فيصل المنان، أن ارتفاع سعر صرف الدولار يضغط على أسعار السلع الأساسية ويؤثر في التوازن بين العرض والطلب، مشيراً إلى أهمية دعم القطاعات الإنتاجية والاعتماد على مصادر الطاقة المحلية وتقليل الواردات مرتفعة التكلفة، وداعياً إلى دراسة تخفيف الأعباء الضريبية وتوفير قروض ميسرة للمنشآت الصناعية، بما يساعدها على مواصلة العمل والحد من انتقال ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى المستهلك النهائي.
و يوضحمن جانبه الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف، أن ارتفاع سعر صرف الدولار في الأسواق المحلية، لا يرتبط بالعرض والطلب في السوق وحدهما، بل يتأثر بمجموعة من العوامل الاقتصادية، من بينها محدودية الاحتياطيات النقدية، والانكماش الاقتصادي، والضغوط التي تواجه الأسواق العالمية والتجار.
من أين يبدأ استقرار الأسعار؟
يرى الخبير الاقتصادي، أن معالجة تقلبات سعر الصرف تتطلب إجراءات متكاملة تراعي طبيعة التحديات القائمة، وتجمع بين التدابير قصيرة الأجل والسياسات الاقتصادية طويلة الأمد، إلى جانب إجراءات عاجلة، تشمل أهمية تعزيز الرقابة على السوق الموازية، وتقديم دعم مؤقت للسلع الأساسية، والعمل على الحد من الفروقات السعرية بين المناطق، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين انضباط الأسواق، وضمان حرية عملها.
أما على المدى الطويل فأكد يوسف ضرورة تعزيز الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار في القطاعين الصناعي والزراعي، إلى جانب تنمية الصادرات بما يساعد على توفير موارد من القطع الأجنبي ودعم الاحتياطيات النقدية، وضمان استمراريتها.
الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف
وشدد على أهمية تحقيق التوازن في السياسات النقدية بما يحد من تراجع القوة الشرائية لليرة السورية، مع مراعاة الأثر المعيشي للقرارات الاقتصادية وتجنب الإجراءات المفاجئة التي قد تزيد الأعباء على المواطنين، والأسواق على حد السواء، إلى جانب ضرورة تعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص، وإشراك الفعاليات الاقتصادية والمستثمرين المحليين في جهود معالجة التحديات التي تواجه الأسواق والإنتاج، لتخفيف الأعباء والتكاليف الباهظة.
وبيّن أن الاعتماد على الإجراءات الحكومية وحدها، لا يكفي لمعالجة الصعوبات الاقتصادية، ما لم يترافق مع دور فاعل للقطاع الخاص في دعم الإنتاج والاستثمار، وتحسين القدرة على تلبية احتياجات السوق المحلية.
بناء على ذلك فإن استقرار الأسعار في سوريا لا يرتبط بضبط سوق الصرف وحدها، بل بقدرة السياسات الاقتصادية على الحد من الاختلالات النقدية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والصادرات.
وبينما يمكن للإجراءات الرقابية والدعم الموجّه تخفيف بعض الضغوط الآنية، يبقى تحسين القدرة الشرائية للأسر مرهوناً بتقليص الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، وبناء قدرة اقتصادية أكثر استدامة على توفير السلع وتخفيف الاعتماد على الواردات
- سعر الصرف والأسواق في سوريا.. لماذا يرتفع الدولار؟
- تمويل أميركي محتمل لمشاريع في سوريا.. ما علاقة قانون العمل؟
- جدل استقبال محافظ طرطوس بـ”السجادة الحمراء”.. بروتوكول رسمي أم مظاهر ترف؟
- “ذا تايمز”: ترهيب النساء الرافضات لأفكار “داعش” في مخيم روج بسوريا
- فاتورة استضافة الوفود الأجنبية في سوريا.. كم تبلغ تكلفتها؟

