عام على مجازر السويداء.. العدالة المؤجلة وأزمة المرحلة الانتقالية في سوريا

منذ سقوط نظام بشار الأسد، شهدت سوريا مع السلطة الانتقالية الجديدة التي يقودها أحمد الشرع موجات عنف دموية، طالت عدة أطراف وقوى اجتماعية، قومية، طائفية، وجهوية. فالحوادث التي وقعت بحق العلويين مروراً بالمسيحيين وحتى الدروز، كانت تفصح عن نقطة رئيسية مشتركة بينهم. فتتجاوز الطابع الانتقامي الذي ارتبط على نحو رئيسي بطائفة “الأسد”، إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث إن الخطاب التعبوي والتحريضي الذي تبنته قوى رديفة للسلطة، بينما لم تحاول الأخيرة التصدي له أو تفكيكه ودحض أسسه، نظرياً أو عملياً، ساهم في استمرار وتيرة العنف الطائفي للدرجة القصوى.

وفي ما يبدو أن مجازر السويداء التي حدثت منتصف تموز/يوليو 2025، ومع مرور ذكراها الأولى، اليوم، تكشف عن معضلة السلطة التي تخفق في معالجة جذور المسألة الطائفية في سوريا، وهي مسألة شديدة التعقيد والالتباس بفعل التراكم التاريخي الذي مورس من قبل نظام الأسد الأب والابن. إذ كان تطييف المجتمع وسيلة للإبقاء على مركزية الحكم الشمولي في قبضة العائلة/ الحزب/ الطائفة. من ثم، تبديد أي فرصة سياسية نحو الديمقراطية أو التعددية عبر رفع درجة الاستقطاب في المجتمع بتحويله إلى دوائر وكتل لديها القابلية والجاهزية التامة للصدام أو المواجهة الدموية.

عسكرة المكونات السورية المختلفة وتفخيخ أفرادها

من هنا، يمكن القول إن السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع بحاجة إلى الانتقال من أي حديث عن خطابات “التسامح” و”الأخوة” و”التماسك” الفضفاضة، إلى حلحلة البنى المؤسسة للطائفية بتوسيع قاعدة الحكم وإنهاء المركزية ثم بناء مسار جاد للعدالة السياسية والانتقالية، وتدشين معطى سياسي حقيقي وليس مجرد أمور شكلية انتهازية لكسب الوقت، الأمر الذي لن يحدث من دون دولة مواطنة واستعادة مؤسسات وأجهزة الدولة. فالحوادث الطائفية لا تعكس أزمة داخل المجتمع، بقدر ما تؤشر إلى مستوى ونمط إدارة السلطة لأزماتها بتطييف وأمننة وربما عسكرة المكونات المختلفة وتفخيخ أفرادها.

نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب تجاوز منطق المحاصصة الطائفية، أو إعادة إنتاج المركزية السياسية السلطوية والاحتكارية. فالمعادلة المطلوبة ليست دولة طوائف، وإنما دولة مواطنة.

 فلم تكن المجازر الدموية والهجمات الهمجية في المحافظات ذات الأغلبية الدرزية قبل عام، مجرد انفجار أمني عرضي ومؤقت، بل مثّلت لحظة كاشفة وبمثابة ورقة اختبار تقع تحت تداعياتها “سوريا الشرع”، وما إذا كان الأخير جاداً أو بمقدوره القطيعة مع ميراث النظام السابق، وهو ميراث الاستبداد والطائفية والعسكرة. لطالما اعتُبرت سوريا واحدة من أكثر دول المنطقة تنوعاً دينياً ومذهبياً وقومياً، غير أن هذا التنوع لم يتحول تاريخياً إلى مواطنة متساوية، بل ظل يُدار عبر توازنات أمنية فرضها النظام السابق، لحسابات فئوية ضيقة ومحدودة يضمن بها قبضته الخشنة على السلطة واستمرار وراثة الحكم المافياوي والعائلوي.

ورغم سقوط النظام الأسدي، لم تتغير البنية السياسية التي أنتجت الانقسام، بل تغيرت فقط موازين القوى داخلها. فالسويداء كشفت أن الخوف المتبادل بين المكونات السورية ما زال هو المحرك الأساسي للسلوك السياسي والأمني.

من هنا، وبالتزامن مع مرور عام على تلك الأحداث المأساوية، لا تبدو السويداء مجرد ذكرى مدوية، بل لحظة مراجعة ومنصة تصعد عليها النخبة الجديدة التي وصلت للحكم مع نهاية عام 2024، ترى من خلالها إخفاقاتها التي تسبق حتى ضرورات المسائلة القانونية والأشكال الإجرائية لتسمية متهمين بعينهم، وتتمثل هذه الإخفاقات في التحديات البنيوية التي تواجه “سوريا الجديدة” من دولة هشّة أمنياً تهتز أركانها مرة بحادث طائفي أو تفجيرات مباغتة، مرات أخرى، كما حدث مؤخراً، وكذا إنهاء السلاح غير الشرعي وحلّ الوجود الفصائلي والجماعات الميلشياوية، ومن ثم، تهدئة صعود الهويات المغلقة والقاتلة، بفعل انتشار خطاب الكراهية، وتعثر العدالة الانتقالية، وتأخر بناء عقد اجتماعي جديد قادر على استيعاب التنوع السوري.

انهيار الحدود بين الدولة والجماعات الميلشياوية

وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية محلية وأممية وقوع إعدامات ميدانية في مجازر السويداء، وقتل خارج القانون، وحرق منازل، وعمليات نهب واسعة، واعتقالات تعسفية، وانتهاكات ارتكبها مقاتلون من أطراف متعددة، بينهم عناصر محسوبة على القوات الحكومية الانتقالية، بالإضافة إلى فصائل محلية ومجموعات وعشائر قبلية. ولم تكن خطورة ما جرى في حجم الضحايا فقط، وإنما في انهيار الحدود بين الدولة والجماعات المسلحة الميلشياوية.

وبحسب “فايننشال تايمز”، فقد كان مواطناً أميركياً من أصل سوري من بين مئات الضحايا الذين سقطوا خلال أعمال العنف الطائفية التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا مؤكدين أنه أُعدم ميدانياً على يد مسلحين بعد اقتياده مع عدد من أفراد عائلته من منزلهم.

والضحية هو حسام سرايا (35 عاماً)، المنتمي إلى الطائفة الدرزية، والذي كان يقيم في ولاية أوكلاهوما الأميركية قبل أن يعود إلى سوريا العام الماضي. في حين كشفت ابنة عمه، هالة سرايا، إن حسام ظهر في مقاطع مصورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب عدد من أقاربه، وهم يُجبرون على الركوع في إحدى ساحات مدينة السويداء، قبل أن يطلق مسلحون، كان بعضهم يرتدي زياً عسكرياً، وابلاً من الرصاص عليهم في 16 تموز/يوليو 2025. كما أكدت العائلة أن ثمانية من أفرادها قتلوا في تلك الواقعة.

وأصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا تقريراً جديداً، يوثق أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء، مؤكدة أن الأحداث أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص، وأجبرت نحو 200 ألف آخرين على النزوح من منازلهم.

التقرير الذي اعتمد على مئات الإفادات التي أدلى بها ناجون وشهود من المناطق المتضررة، إلى جانب زيارات ميدانية أجراها محققو اللجنة في المواقع التي شهدت أعنف الاشتباكات، وذلك عقب موافقة الحكومة السورية على دخولهم إلى المحافظة، أوضح أن فرق التحقيق رصدت دماراً واسعاً، لا سيما في القرى ذات الغالبية الدرزية، حيث تعرضت عشرات الآلاف من المنازل والمحال التجارية ودور العبادة للحرق أو التدمير.

وقال رئيس اللجنة، باولو سيرجيو بينيرو، في بيان صحفي، إن حجم الانتهاكات ووحشية أعمال العنف التي وثقتها اللجنة في السويداء “يثيران قلقاً بالغاً”، مشدداً على ضرورة محاسبة جميع المسؤولين عنها، بصرف النظر عن انتماءاتهم أو مواقعهم، باعتبار ذلك خطوة أساسية لإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة، إلى جانب إطلاق حوار جاد يعالج الأسباب العميقة التي أدت إلى اندلاع الأزمة.

ووثقت اللجنة سلسلة واسعة من الانتهاكات، شملت الإعدامات الميدانية، والتعذيب، والعنف الجنسي، وإحراق المنازل، فضلاً عن انتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان، معتبرة أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب، وقد تُصنف أيضاً جرائم ضد الإنسانية إذا أثبتت التحقيقات اللاحقة توافر الأركان القانونية اللازمة لذلك.

ضرورة تجاوز منطق المحاصصة الطائفية

ربما كان أخطر ما أنتجته مجازر السويداء هو الانفجار غير المسبوق لخطاب الكراهية. فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع تحريضية، وخطابات انتقامية، وعبارات تنزع الصفة الوطنية عن الخصوم والاتهام بالعمالة خصوصاً إسرائيل، وتحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي بين الطوائف. كما انتشرت تسجيلات مصورة تضمنت إساءات طائفية من أفراد يرتدون زياً عسكرياً، ما دفع السلطات إلى الإعلان عن توقيف بعضهم وفتح تحقيقات، لكن ذلك لم يمنع اتساع دائرة التحريض المجتمعي.

ثمة نقطة رئيسية ولافتة في أحداث السويداء التي ما زالت هي وغيرها من وقائع العنف الدموي لم تشهد إجراءات عدالة ومسائلة نهائية، بل إن مسار العدالة في سوريا بما في ذلك العدالة الانتقالية وبناء المؤسسات على أساس التعدد والتشاركية لتوسيع قاعدة الحكم، يعاني من مماطلة شديدة، وهذه النقطة هي إخفاق الحكومة منع الانهيار الأمني وتأخرها في احتواء الأزمة، وضعف قدرتها على ضبط التشكيلات المسلحة، وعدم إنجاز تحقيقات شفافة وسريعة تحظى بثقة الضحايا. 

وقد دعت الأمم المتحدة مراراً إلى تحقيقات مستقلة ومسائلة المتورطين في الانتهاكات والخروقات الحقوقية كافة، فيما أكدت منظمات حقوقية استمرار فجوة المساءلة بعد أشهر من الأحداث واستمرار وجود جماعات مسلحة فصائلية تعمل بالتوازي مع مؤسسات الدولة، بما يعني قطعاً أن الدولة لم تستكمل بناء سيادتها. ذلك ما كشفته مجازر السويداء على مستوى ما تقع تحت وطأته سوريا التي تعاني غياب أو بالأحرى تغييب قسري للمؤسسات الانتقالية التي بمقدورها إدارة التنوع. فحتى اليوم، ما تزال عملية إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية بطيئة، بينما لم تستكمل مؤسسات العدالة الانتقالية، ولم تُبنَ منظومة وطنية مستقلة للمحاسبة. ويمتد ذلك إلى المؤسسات المختلفة التشريعية والرقابية والتنفيذية، وعليه، يبدو النظام السياسي في كل أزمة بلا قواعد مستقرة لإدارة سلطته أو تناقضاته وفي درجة انسداد من دون أفق.

لهذا، فإن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب تجاوز منطق المحاصصة الطائفية، أو إعادة إنتاج المركزية السياسية السلطوية والاحتكارية. فالمعادلة المطلوبة ليست دولة طوائف، وإنما دولة مواطنة.

بالمحصلة، ليست مجازر السويداء مجرد احتقان محلي، إنما هي أزمة غياب سياسة رسمية تقف على النقيض من نظام قادر على توليد خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، ثم الانخراط في مهام بناء سلطة جديدة ومغايرة تحد فيها من انتشار السلاح خارج إطار الدولة، ولا تماطل في إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية الوطنية وتغلب فيها سيادة القانون على الولاءات الفصائلية أو الأيديولوجية. غير أن عجز السلطة عن تحقيق ذلك كما إخفاقها في إنهاء الخطاب المتشدد والمؤدلج الذي يطال الدروز والعلويين وغيرهما، بالإضافة إلى ضبط الفصائل المسلحة المرتبطة بها يساهم في تقويض الثقة بين قطاعات واسعة من السوريين ومؤسسات الدولة، ويجعل الوضع الأمني مرشحاً للدخول في أزمات أكثر تعقيداً.

بعبارة أخرى، نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب إعادة صياغة العلاقات على أسس تشاركية، وانخراط قطاعات مختلفة أو بالأحرى تمثيل مختلف القوى السياسية والاجتماعية، في إدارة المرحلة، بعيداً عن منطق الاحتكار السياسي أو الإقصاء.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم