ما تداعيات الاحتجاجات السورية على مسار التقارب العربي مع دمشق؟

في ظل تدهور قيمة الليرة السورية، وتراجع القدرة الشرائية للسوريين في الداخل، والعجز عن توفير أبسط احتياجاتهم وسط الغلاء الجامح، والقرارات الحكومية الجائرة الأخيرة التي أوصلت أوضاع الشعب السوري إلى مستويات صعبة، الأمر الذي قوبل بموجة احتجاجات عارمة مستمرة حتى الآن في الجنوب السوري وحالة غضب في معظم المناطق السورية الأخرى، مثل مناطق الساحل السوري، التي لطالما اعتبرت الحاضنة الشعبية لحكومة دمشق.

هذه الاحتجاجات الشعبية الجديدة تأتي في ظل جمود بمسار التقارب العربي مع حكومة دمشق. ووسط شكوك حول مدى قدرة الحكومة السورية على التعامل مع تتالي الأزمات الاقتصادية والخدمية والتي أصبحت من أكبر التحديات التي تواجه السلطة السياسية الحاكمة في دمشق، وبالتالي هذه التظاهرات الشعبية والتي يبدو أنها لا تتراجع، بل تحتدم في محافظتي درعا والسويداء جنوبي البلاد ستحمل معها تداعيات جمّة على العلاقات السورية العربية.

لا تزال احتجاجات السويداء مستمرة ودخلت أسبوعها الثاني، فيما صعّد المتظاهرون من مطالبهم التي بدأت بتحسين الأوضاع المعيشية، للمطالبة برحيل السلطة السياسية الحاكمة في دمشق، وتنفيذ القرار الأممي رقم 2254، إضافة إلى رفض مسار التقارب العربي مع دمشق وأي محاولة أخرى لإعادة تعويمها.

رسائل الاحتجاجات الشعبية

نحو ذلك، أغلق المتظاهرون في مدينة السويداء، اليوم الإثنين، معظم الدوائر الحكومية، في اليوم التاسع من العصيان المدني والمظاهرات المطالبة برحيل السلطة السياسية الحاكمة بدمشق. حيث أضافت شبكة “السويداء 24” المحلية، أنه “قبيل الساعة الثامنة صباحا، انتشرت مجموعات شبابية في أنحاء مدينة السويداء، لتغلق معظم الدوائر الحكومية، قبل بداية موعد الدوام الرسمي، اليوم الإثنين”.

الشبكة المحلية التي تغطّي الاحتجاجات بالصور والفيديوهات منذ يومها الأول، أردفت، أن حالة العصيان المدني تتواصل في مدينة السويداء، “على عكس مدينتي شهبا وصلخد، اللتان تشهد احتجاجات يومية، لكن العصيان المدني لم يمتد لهما حتى اليوم”.

بينما وثّقت شبكة “الراصد” المحلية المعنية بتغطية أخبار السويداء، فتحا جزئيا لبعض الدوائر الخدمية، حيث يحضر في بعض الدوائر موظف واحد لتيسير الأمور الطارئة للمواطنين بناء على اتفاق مع منظّمي الاحتجاجات. ولا توجد مؤشرات على تراجع هذه الاحتجاجات، وقد تمتد إلى مدن أخرى، وسط استمرار تدهور الأوضاع المعيشية، ولا يوجد بصيص أمل في حلّ الأوضاع المأزومة بالفعل.

يقول المحلل السياسي والصحفي السوري فراس علاوي، إن هذه الاحتجاجات الشعبية ستكون لها تأثير واضح على مسار التقارب العربي مع دمشق، الذي كان مجمّدا في الأساس قبل بدء الاحتجاجات. ولوحظ أنه بعد قمة جدة، كاد مسار التطبيع أن يتوقف، إذ تراجع كثيرا وحتى موجة الاتصالات العربية مع دمشق وأخبار عودة تعويم الرئيس السوري بشار الأسد خُفّف بشكل لافت.

في النهاية، كان لـ”التطبيع” العربي مع دمشق شروط معينة، منها إجراء إصلاحات معينة وتحسين الخدمات، والتركيز على الحل السياسي وعودة اللاجئين، ومشاريع التعافي المبكر، وعن ضرورة إيقاف تهريب المخدرات المنبعثة من سوريا والعمل على تحديد أماكن تصنيعها بالتعاون مع الدول العربية. إلا أن الأسد لم ينفّذ أيٍّ من هذه الشروط، وبالتالي ارتأت الدول العربية أنه غير جاد في مسألة الإصلاح الداخلي من أجل دعم “التطبيع” وغيره من شروط التقارب، وفق ما أضافه المحلل السياسي السوري لموقع “الحل نت”.

هذه الاحتجاجات الحالية وجّهت رسالة قوية للدول العربية والدول الراغبة في “التطبيع” مع الأسد، وأكدوا على أن الشعب السوري برمّته يرفض وجود السلطة السياسية الحاكمة في دمشق، رغم ادعاء الأسد أنه مسيطر على سوريا، لكن عندما ظهرت الاحتجاجات في المناطق الخاضعة لسيطرته وفي المناطق الحدودية أيضا، فإن ذلك أثبت للدول العربية فكرة أن الأسد لم يعد المسيطر على البلاد، وبالتالي أصبحت عملية تعويمه صعبة للغاية، وفق تعبير المحلل السياسي السوري.

سيناريوهات الاحتجاجات

يعيش المواطنون في سوريا تحت وطأة الحرب التي مزّقت البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن. فالوضع المعيشي متهالك والحكومة السورية عاجزة على إيجاد أي حلول، بل تعتاش هي على مصادر دخل السوريين، ولم يعد الاستياء من انتشار الفقر وتدهور الوضع المعيشي خافيا على أحد.

ليست الاحتجاجات المستمرة في الجنوب السوري هي المنطقة الوحيدة ضد سياسات السلطة الحاكمة في دمشق في الوقت الحاضر. بل ثمة حالة من الغضب غير المسبوقة تشهدها مناطق الساحل السوري، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي وعبر الصحفيين والناشطين.

إلى جانب انتشار منشورات ورقية مناهضة في عرطوز البلد وجسر الرئيس بمنطقة البرامكة، والسومرية والعاصمة دمشق وهي نتيجة الغضب والاستياء الواسع الذي تعيشه عموم سوريا اليوم.

بالتالي السيناريوهات المتوقّعة للاحتجاجات الشعبية الحالية وفق تقدير علاوي، فإنه يمكن رؤية انفجارات أخرى في مناطق أخرى، أو قد تصعّد الحكومة السورية باتجاه الجنوب السوري، وبالتالي حدوث صدام عسكري، وفي كل الأحوال فإن ذلك سيؤثر على مسار التقارب العربي مع دمشق.

إلا أن سيناريو حدوث صدام عسكري سيكون له عواقب أكبر، على اعتبار أنه سيكون هناك تماس مباشر مع الأردن، وحينها “سننتظر موقف الأردن ودول الخليج من هذا الأمر”، ويرى علاوي، أنه خلال الفترة المقبلة سنشاهد تبلور موقف عربي واضح من المشهد السوري، وفي حال زادت الاشتباكات سيتغير الوضع ولن يكون بالتأكيد لصالح دمشق.

جانب من الاحتجاجات اليوم الجمعة في مدينة السويداء- “السويداء 24 – أ.ف.ب”

قطعت دول عربية كثيرة علاقاتها الدبلوماسية مع حكومة دمشق بسبب قمعها للمظاهرات التي اندلعت ضدها في 2011، لكن تلك الدول، بما في ذلك الإمارات والسعودية، استأنفت علاقتها مؤخرا مع دمشق، بغية إيجاد حلٍّ للأزمة السورية التي باتت تداعياتها تصل لدول الجوار والمنطقة بشكل عام.

بالتالي، بعد سلسلة تواصلات وتفاهمات عربية، قررت “جامعة الدول العربية” إعادة سوريا لشغل مقعدها الدائم في المنظمة بعد سنوات من استبعادها. إلا أن خروج احتجاجات شعبية جديدة ضد الرئيس السوري اليوم، يدلل بأن الأوضاع في سوريا مفتوحةً على جميع الاحتمالات ومسار التقارب العربي مع دمشق بات في مرحلة “التعثر”.

تعثر التقارب العربي مع دمشق

حدوث تعثر في مسار التقارب العربي مع دمشق لن يكون أمرا مباغتا، فقد خمّن الكثير من الدول والسياسيين بفشل هذه الجهود، نظرا لأن السلطة الحاكمة في سوريا متشبثة حتى اليوم بعقليتها وسياساتها القمعية، وحتى تصريح الأسد الأخير خير دليل على هذا التعثر، فقد قال بلسانه في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، عندما سُئل عن عودة العلاقات مع بعض العواصم العربية، “أن هذه العودة ستكون شكلية طالما أنه لا توجد حلول للمشاكل، وأن الجامعة العربية لم تتحول إلى مؤسسة بالمعنى الحقيقي”.

هذا وكان الرئيس الأسد يأمل في عودة علاقات سلطته مع عدد من الدول العربية، لاسيما الخليجية، في إنقاذ اقتصاد سوريا المتداعي على جميع الأصعدة، وخاصة بعد تخفيف كلّ من إيران وروسيا من مساعدتهما له، وسط غرقهما في مشاكلها الخاصة، نتيجة عدائها تجاه العديد من الدول.

لذا، فإن الوضع الاقتصادي يتجه نحو الأسوأ بكل تأكيد، والدول العربية لا تستطيع مساعدة دمشق اقتصاديا، لسببين؛ الأول، وجود عقوبات غربية تتمثل بـ”قانون قيصر” على دمشق، فضلا عن التصريحات الأميركية والغربية التي تدعو إلى وقف الاندفاع العربي نحو تعويم دمشق، كما يراه علاوي.

كما أن إعادة تعويم دمشق تتطلب إجماعا وقبولا عربيا بما ستقدمه دمشق بشأن شروط وخطوات التقارب العربي، ولم تقدم دمشق شيئا فيما يتعلق بالخطوة العربية تجاهها، وكلما تعاظمت موجة الاحتجاجات الشعبية في مناطق أخرى في سوريا، كلما خفّ الاندفاع العربي نحو دمشق، الذي في الأساس تراجع مؤخرا، وفق علاوي.

هذا ولاقت الاحتجاجات في جنوب سوريا تضامنا في مناطق ريف دمشق وريف حلب وإدلب ودير الزور والرقة.

فضلا عن انتشار صور لعناصر من الأمن العسكري التابع لحكومة دمشق في منطقة جرمانا وبلدة زاكية، خوفا من خروج مظاهرات مناهضة للسلطة الحاكمة في دمشق، علما أن جرمانا شهدت منتصف الشهر الحالي، مظاهرات للعشرات نددوا بقرارات فيها الحكومة الخاصة برفع أسعار المحروقات التي أدت إلى تدهور حاد في الأوضاع المعيشية.

وسط كل ذلك، فإن تجارة المخدرات “الكبتاغون” ستنتعش، لكن في جنوب سوريا إذا حدثت اشتباكات أو تم طرد الحكومة السورية منه فإن طريق عبر المخدرات سيصبح صعبا للغاية وبالتالي سيتم تشكيل منطقة شبه عازلة هناك أمام الأردن ودول الخليج، وهو ما سيكون رادعا أمام سلك المخدرات صوب هذه الدول، ولذلك يرى علاوي أنه من الضروري على الأردن ودول الخليج دعم هذه احتجاجات وإنشاء هذه المنطقة العازلة، من أجل حماية أمنها واقتصادها من تهديدات تجارة المخدرات، لكن ذلك لن ينهي تجارة المخدرات، إذ لجأ الأسد مؤخرا إلى الموانئ لتمرير تجارته من “الكبتاغون”.

استمرار الاحتجاجات في السويداء جنوب سوريا- “إنترنت”

في ظل تدهور الليرة السورية، ووصول سعر الصرف إلى نحو 15 ألف ليرة مقابل الدولار، يتوقع اقتصاديون أن تصل الليرة السورية تلقائيا إلى 20 ألف ليرة مقابل الدولار حتى نهاية العام الجاري، إذا بقي الوضع على ما هو عليه. وبالتالي فإن مستوى الاحتجاجات وحالة الغضب قد تزداد وتشمل مناطق واسعة من سوريا، وهو ما سيُفشل مسار التقارب العربي مع دمشق، وبالتالي استمرار مسيرة معاناة السوريين ودخول البلاد إلى مستويات خطيرة.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم