لم يعد خافيا أن القيادات الكُردية في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تشكل الجسم العسكري “للإدارة الذاتية” لشمال شرقي سوريا، وجهت نداءات عديدة إلى السلطة الجديدة في دمشق، كما بعثت برسائل تطمينية لمختلف القوى الداخلية والإقليمية، منها تركيا، ومفادها انفتاحها على ضرورة البناء السياسي عبر الحوار والتشاركية، فضلا عن تبديد المخاوف المختلفة، مثل الارتباط بـ”حزب العمال الكُردستاني”، ثم القبول حتما بأن تكون القوات الكُردية ضمن الجيش السوري.
القنوات التي تحض القيادات الكُردية أن تجد عبرها استجابة من الطرف المقابل في دمشق، هي ضرورة لتكون “سوريا الجديدة” لكافة القوى ومن دون إقصاء طرف، أي أن الحوار السوري السوري يصبح كذلك توطئة للانتقال السياسي السلمي ومن دون صراعات أو اقتتال، بعيدا عن أجواء الاستقطاب المحموم، وتحريض خارجي وإملاءات إقليمية.
وعلى ضوء ذلك، بدا تلقائيا أن تؤكد “قسد” في خطابها السياسي والإعلامي عدم سعيها إلى الانفصال أو تأسيس فيدرالية، إنما الاندماج مع الحكومة في دمشق بعد التفاهم والتشارك على الأسس التي ستنبني عليها سوريا ما بعد بشار الأسد، بما فيها “قسد” والتي لعبت دورا محوريا في هزيمة تنظيم “داعش” الإرهابي.
قطع قنوات التواصل بين “قسد” ودمشق
غير أن هناك محاولات عديدة لجر مناطق “الإدارة الذاتية” إلى الحافة، عبر قطع الاتصالات التي تتم بين “قسد” و”هيئة تحرير الشام” في دمشق، بما يفرض خيارات ضيقة ومحدودة في ظل تجميد ما هو سياسي لصالح الصراع العسكري بين الطرفين، والذهاب للخيارات القائمة على الاقتتال المسلح.
التهديد التركي عسكريا، ثم ممانعة “الهيئة” أو مماطلتها في الاستجابة للحوار مع “قسد”، يرتبط لدى اللاعب الجديد في سوريا على أساس أنه ملأ الفراغين الروسي والإيراني.
ومع هدنة مؤقتة في منبج وكوباني/ عين العرب (انتهت أمس وفق الإعلان الأميركي، رغم النفي التركي لأية هدنة)، فإن خروقات عديدة تسبب فيها مناوشات التحشيد العسكري الذي قادته تركيا عبر فصائلها “الجيش الوطني السوري”، وقد نجم عن التوترات الماضية مقتل مدنيين بمسيّرة تركية.
تؤشر الظروف السياسية القائمة والمساعي التي تقودها بعض الأطراف الإقليمية في سوريا، فضلا عن الحوادث التي تكررت منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق، إلى أن هناك من يسابق القنوات التي تلح على فتحها “قسد” مع السلطة الجديدة، وفي المقابل تهدف إلى التوتير والتصعيد ثم تسريع وتيرة الصراع لتأزيم الوضع وانسداد الأفق حتى لا يكون هناك ثمة خيار إلا الخيار المسلح.
وفي هذا الصدد، زار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان العاصمة السورية دمشق، اليوم الأحد، والتقى رئيس الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع.
سياسيا، يبدو السيناريو التركي، لا يخرج عن إطار تعطيل أي احتمالات الوصول لتوافق بين “الهيئة” و”قسد”، وكسب الوقت لقطع الطريق على إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لمنح القوات الكُردية لتثبيت أو توفيق وتسوية أوضاعها، حتى تفرض على الرئيس الجديد والمنتخب دونالد ترامب أمرا واقعا يتمثل في الحكومة الجديدة وفقط بدمشق.

وفي المقابل، كتلة من التعقيدات الهائلة في شمال شرقي سوريا تنذر بصراع أو ساقطة في تخومها، بمضاعفة الاحتكاكات العسكرية التي تواصلها “الفصائل السورية” المدعومة من أنقرة، وبالتالي، يضحى الخيار المحتمل لدى الإدارة الأميركية الجديدة، هي إما صدّ تركيا تماما وكبح دورها المتنامي وشل إرادتها في إدارة الملف السوري بمفردها والقائم على العداء للكُرد، أو التعويل على الانسحاب الأميركي وإطلاق يد تركيا باعتبارها اللاعب الإقليمي الذي يجول ويصول.
استبعاد تخلي واشنطن عن “قسد”
ميدانيا، ما تزال المعارك المحتدمة والاقتتال العنيف الذي تقوده الفصائل المدعومة من تركيا ضد مناطق متاخمة لنفوذ “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا، يبعث على التشاؤم والقلق لجهة الضحايا والقتلى من المدنيين، والحالة الإنسانية التي يقع تحت وطأتها سكان هذه المناطق.
وضع “قسد” حتى اللحظة يؤكد أن القوات الكُردية لديها حوار داخلي قائم على تفاهمات واضحة ومباشرة بصدد الاضطلاع بدور سياسي في اللحظة التاريخية التي تتخطى فيها سوريا حقبة “الأسد” المريرة، ومن ثم، تميل إلى تقديم تنازلات والمرونة في تبديد هواجس عديدة، بما في ذلك قبولهم الانسحاب من كوباني/ عين العرب وإقامة “منطقة منزوعة السلاح” ثم إعادة التموضع برعاية أميركية.
ومن ثم تأكيد القائد العام لـ”قسد”، مظلوم عبدي، مغادرة “المقاتلين الأكراد الذين قدموا إلى سوريا من مختلف أنحاء الشرق الأوسط لدعم القوات الكُردية السورية في حال تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في المواجهة مع تركيا بشمال سوريا”، أحد مطالب تركيا الأساسية.
التهديد التركي عسكريا، ثم ممانعة “الهيئة” أو مماطلتها في الاستجابة للحوار مع “قسد”، يرتبط لدى اللاعب الجديد في سوريا على أساس أنه ملأ الفراغين الروسي والإيراني، وأن الولايات المتحدة بالتبعية سوف تفرط في شركائها المحليين بسوريا والذين حاربوا تنظيم “داعش” الإرهابي، وعضو فاعل ومهم في ملف مكافحة الإرهاب.
غير أن ثمة مؤشرات تؤكد أن الولايات المتحدة ليست بصدد التفريط في مكون ساهم بهذا الدور، وهناك قانون مقترح في “الكونغرس” الأميركي لفرض عقوبات على تركيا صاغه عضوان من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وبحسب موقع “الحرة”، فإن مشروع القانون المقترح الذي سمي “قانون مواجهة العدوان التركي لعام 2024″، يتيح فرض عقوبات تهدف إلى منع المزيد من الهجمات التركية أو المدعومة من تركيا على “قسد”، والتي تنذر بإعادة ظهور “داعش” ما يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة.
من جهته، أوضحت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، باربرا ليف، أن الولايات المتحدة تعمل مع أنقرة و”قسد” بغية “انتقال محكم فيما يتعلق بدور قوات سوريا الديمقراطية في ذلك الجزء من البلاد”.
ضرورة التوافق بين “قسد” و”الهيئة”
إلى ذلك، فإن “قسد” في بيانها الأخير الذي صدر الخميس الماضي، لم يختلف عن كل ما سبق من خطاب سياسي طرحته لتمتين العلاقات مع السلطة الجديدة بدمشق، والإلحاح على أهمية عدم تغييب طرف سياسي في المرحلة الانتقالية، وتحويل الفراغ السياسي إلى سيولة أمنية واقتتال داخلي، الأمر الذي يهدد بمستقبل يعاود سيرة القمع والتنكيل والإبادة مرة أخرى.
وجاء في البيان: “إننا في قوات سوريا الديمقراطية نؤكد على أهمية وقف التصعيد ووقف جميع العمليات العسكرية وحل كافة المواضيع العالقة عبر الحوار. لكننا لن نتردد في التصدي لأي هجوم أو استهداف لشعبنا ومناطقنا”. لكنها أكدت في المقابل على أن القوات الكُردية “ستحارب بمشاركة أهالي كوباني بكل ما أوتيت من قوة”.
وفي رسالة إلى ترامب، في 17 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، اطلعت عليها “رويترز”، قالت المسؤولة السورية الكُردية إلهام أحمد إن تركيا تستعد لغزو الشمال الشرقي قبل توليه منصبه.
وكتبت أن خطة تركيا “تهدد بإلغاء سنوات من التقدم في تأمين الاستقرار ومحاربة الإرهاب… نعتقد أن لديك القوة لمنع هذه الكارثة”.
وأكد قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في مقابلته مع “رويترز” أنه جرى فتح اتصالات مع “هيئة تحرير الشام” لتجنب الاشتباكات بين قوات الجانبين، لكنه قال إن أنقرة ستسعى إلى خلق انقسام بين دمشق والقوات التي يقودها الأكراد.
ومع ذلك، قال إنه يوجد دعم قوي من الأطراف الدولية، منها “التحالف الدولي” الذي تقوده الولايات المتحدة، لانضمام قوات سوريا الديمقراطية إلى “المرحلة السياسية الجديدة” في دمشق، واصفا إياها بأنها “فرصة عظيمة”.

وقال “نحن نستعد، بعد وقف إطلاق نار كامل بيننا وبين تركيا والفصائل التابعة، للانضمام إلى هذه المرحلة”.
وبالتالي، ثمة ضرورة على القوى الدولية والولايات المتحدة أن تتجه لإنهاء خروقات الفصائل والميلشيات المدعومة من تركيا تجاه الكُرد، بحيث تنهي ممارساتها التي من شأنها تؤدي إلى ارتكاب انتهاكات ضد الكُرد وفق ما تم توثيقه من قبل المنظمات الحقوقية والأممية. كما أنه في السابق تورطت القوات التركية وفصائلها في أنشطة ساهمت بتعزيز نفوذ التنظيمات الإرهابية مثل “داعش”.
وبالتوازي، يجب على واشنطن أن تستمر في متابعة الملف السوري مع “هيئة تحرير الشام”، وأن تضغط عليها بالقبول في الدخول في تسوية تفاوضية مع “قسد”، وسط ما تقدمه الأخيرة من تنازلات ومبادرات حسن نية، وعدم السماح لتركيا في التحكم بمستقبل سوريا عبر فرض وصاية عليها مثلما فعلت إيران في السابق على سوريا وغيرها من الدول عبر أذرعها.
ويمكن القول إنه في حال فشلت “الهيئة” في التوصل لصيغة توافقية مع “قسد” على إدارة سوريا الجديدة، والسعي في وضع “قسد” تحت جناحيها، أي غياب أي تسوية، فإن المنطقة ستدخل حتما في حرب عنيفة “غير مسبوقة”. علاوة على ذلك، فإن شمال وشرق سوريا ستكون أمام ظهور جديد لتنظيم “داعش” الإرهابي، خاصة وأن التنظيم أثبت عام 2022 أنه لا يزال قادرا على شنّ هجمات وعمليات كبيرة ونوعية، مثل الهجوم على “سجن الصناعة” في الحسكة.
- لماذا يتزايد غضب الشارع الإيراني ضد العراقيين؟
- ماذا يعني رفع واشنطن القيود المتعلقة ببيع الأسلحة لسوريا؟
- ممرات السكك الحديدية وتجارة المقايضة: أبعاد الدعم الصيني لإيران وأثره على أمن الخليج
- القبض على متزعم خلية متورطة بقتل 3 عناصر من الأمن السوري.. ما التفاصيل؟
- استعادة مواقع في الوازعية وسط تصاعد معارك غرب تعز

