‏البنية التحتية أم المشاريع التجميلية.. كيف ترتب الحكومة أولوياتها؟

‏ البنية التحتية أم المشاريع التجميلية.. كيف ترتب الحكومة أولوياتها؟

بعد 14 عاماً من الثورة والنزاع، يجد السوريون أنفسهم أمام بنية تحتية متدهورة وواقع خدمي ومعيشي صعب، اذ توقفت خلال كل تلك السنوات مشاريع ترميم وتطوير الطرقات، ما خلف شبكة طرق متهالكة، في مختلف المناطق السورية ولعل أبرزها الطرق الرئيسية التي تربط المحافظات السورية ببعض.

‏وبعد وصول السلطات الانتقالية التي أطاحت ببشار الأسد نهاية 2024، لم يكن الحال أفضل مما كان عليه، ‏إذ يشهد طريق دمشق-دير الزور أو كما بات يسمى “طريق الموت” حوادث شبه يومية تودي بحياة العشرات، كان آخرها فاجعة أودت بحياة 35 شخصاً وإصابة 35 من العسكريين والمدنيين.

وأعادت هذه الحادثة طرح أسئلة حول العقبات التي تواجه تأهيل الطرق، وكيفية ترتيب الحكومة أولويات الإنفاق بين البنية التحتية الأساسية والمشروعات الخدمية والتجميلية التي تعمل عليها الحكومة.

أولوية معلنة تنتظر التنفيذ

ففي 25 تموز/يوليو الجاري، وبعد الكارثة التي وقعت على طريق دمشق-دير الزور بساعات، أعلنت وزارة النقل السورية أن مشروع إعادة تأهيل الطريق وأنه دخل المراحل النهائية لاختيار المتعهد، على أن تبدأ الأعمال خلال شهر وتستمر عامين.

حادث على طريق دمشق-دير الزور أودى بحياة 35 شخصاً وإصابة 35 من العسكريين والمدنيين - وسائل التواصل الاجتماعي
حادث على طريق دمشق-دير الزور أودى بحياة 35 شخصاً وإصابة 35 من العسكريين والمدنيين – وسائل التواصل الاجتماعي

وقال وزير النقل يعرب بدر إن المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية طرحت مناقصة المشروع قبل الحادث بنحو شهر، وأدرجت الطريق ضمن أولويات تأهيل شبكة الطرق.

ويمتد المشروع على مسافة 425 كيلومتراً، وفق مدير المؤسسة معاذ نجار، ويشمل صيانة الطريق المستخدم حالياً وإنشاء طريق جديد موازٍ له. كما يتضمن معالجة النقاط السوداء واستكمال متطلبات السلامة المرورية، على أن تبدأ صيانة الطريق القديم خلال عام 2026.

إلا أن التصريحات لم تحدد تاريخ بدء الدراسات الفنية، أو مصدر تمويل المشروع، كما لم تتضمن جدولاً زمنياً منفصلاً لكل مقطع. ولم توضح الوزارة ما إذا كانت أعمال الصيانة قد بدأت فعلياً، ولا طبيعة المعالجات المؤقتة المقررة قبل اكتمال المشروع، مثل توسيع الأكتاف وتخطيط المسارات وتركيب الإشارات عند النقاط الخطرة.

وتباينت الأرقام المعلنة بشأن التمويل؛ إذ قُدّرت كلفة المشروع بنحو 300 مليون دولار، بينما تحدثت “الإخبارية السورية” عن خطة رُصد لها نحو نصف مليار دولار، من دون توضيح ما إذا كان المبلغ الأخير مخصصاً للطريق وحده أو لخطة أوسع.

نقص الموارد أم ترتيب أولويات الإنفاق؟

لا يتوقف النقاش بشأن تدهور الطرق عند حجم التمويل اللازم لإعادة تأهيلها، بل يمتد إلى كيفية توزيع الموارد المتاحة والمشروعات التي تحظى بالأولوية والاهتمام الرسمي. ففي وقت بقيت طرق رئيسية بانتظار الصيانة، شهدت مدن سورية إعادة تأهيل عدد من الساحات والدوارات، بينها دوار الليرمون في حلب وساحة الأمويين في دمشق وغيرها، مما يراه السوريون غير ذي أولوية اليوم.

ويقول الخبير الاقتصادي يونس الكريم في حديثة لـ”الحل نت“: إن “الخلل يعود إلى عدة أسباب، السبب الأول هو فلسفة إدارة الأزمة، لدى الحكومة السورية قائمة على خلق أزمات جديدة وتضخيم القضايا الآنية، بحيث يكون جوهر المشكلة الأساسية المبني على احتياجات استراتيجية مكلفة يتم التجاوز عليها. وثانياً هو إبعاد أصحاب الاختصاص”.

وأضاف: “الحكومة خلال تسلمها لعام ونصف لم تضع خطة اقتصادية واضحة لترتيب أولوياتها. نلاحظ هناك خلل بين الإنفاق الإنتاجي والانفاق الاستهلاكي وخلل ثاني مركب أن الإنفاق على المشاريع والبنية التحتية ضعيفة مقارنة بالإنفاق على المشاريع ذات الطابع الخدمي الرمزي”.

وتابع الكريم: “إن أولويات الحكومة الآن إذا أردنا إعادة تقيمها بشكل واضح، هي ربط الطرق إلى الاستثمار الخارجي”.

الكلفة الاقتصادية للإهمال

كما أن تدهور طريق دمشق-دير الزور يطيل زمن النقل منها وإليها ويرفع كلفته، كما يؤخر وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق المحلية ويعرضها للتلف.

ويحذّر الخبير الاقتصادي من إن “الأثر كبير يتجاوز السلامة المرورية، فاستمرار التدهور سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والصيانة للشاحنات التي تعمل على هذا الخط والتي تحمل المحروقات”.

ويرتبط الطريق بنقل النفط والقمح والماشية والتجارة مع العراق؛ لذلك يمثل تأهيله استثماراً منتجاً، بينما تزيد صعوبة الوصول ومخاطر النقل تردد المستثمرين.

ويضف الكريم: أن “جاذبية الاستثمارات تنخفض سواءً النفطية أو مشاريع نقل المحروقات من العراق إلى الساحل السوري، وكل هذا يجعل الحكومة غير قادرة على تحقيق نهضة اقتصادية متكاملة”.

كما أن تدهور الطرق يضعف وصول الكوادر الطبية والخدمات والمساعدات، ويوسع الفجوة بين المنطقة الشرقية والمركز، وقال الكريم: “لا يمكن قياس مدى الفرص البديلة الضائعة على الحكومة السورية والسبب هو عدم وجود خطة يمكن الركون عليها لتقييم حجم الفرص البديلة الضائعة”.

وأضاف: “كلما تأخر الاستثمار في البنى الأساسية في تلك المنطقة دفعت سوريا لأمنها واستقرارها فاتورة كبيرة”.

ويوضح الكريم بعداً آخر يفسر برود المستثمرين تجاه الطريق تحديداً: قائلاً “حقول النفط لا تتجه على الطرق البرية، وإنما تتجه على خطوط خاصة بها، نحو اللاذقية وبانياس، وليس إلى العاصمة دمشق”.

ويضيف أن الأوضاع الاقتصادية لسكان دير الزور والقامشلي يجعلهم “غير قادرين على استخدام طريق مدفوع، وبالتالي يجد المستثمر أن هذا الطريق هو غير مجدٍ حقيقةً اقتصادياً، خصوصاً أنه بعيد عن مركز الثقل السياسي والاقتصادي غرب الفرات”.

وعن قدرة الحكومة المالية على تنفيذ المشروع، يقول الكريم: “التأهيل إن كان يُقصد به إعادة شق طريق جديد من دير الزور إلى دمشق، الحكومة الحالية غير قادرة على ذلك، لعدم توفر القدرة المالية”، مبيناً أن “الحكومة تبحث إما أن يتم التمويل عن طريق المنح والمساعدات الدولية، أو عن طريق إعطاء هذا الأصل لشركة تكون شريكة للصندوق السيادي”.

ويلفت الكريم إلى أن بعض المعالجات العاجلة لا تحتاج تمويلاً أصلاً، فـ”توسيع حرم الطريق، بحيث تستطيع السيارات في حال ضيق المكان أن تنحرف إلى الطريق الترابي لا يكلف الحكومة شيئاً”.

لكنه يرى أن المعضلة الحقيقية ليست مالية بقدر ما هي في الإرادة: “لا رغبة لدى الحكومة بشق طريق، وإنما هي رغبة لتحريك الرأي العام نحو منح هذه الطرقات للاستثمار”.

من يتحمل المسؤولية؟

من جهته حمّل المحامي جلال الحمد الحكومة مسؤولية عدم اتخاذ إجراءات تمنع تكرار الحوادث، وكتب على “فيسبوك”: “طريق دير الزور-دمشق خطر، وهذا أمر ليس بجديد. الجديد هو ازدياد السفر بين المحافظتين لأسباب كثيرة، منها العلاج، والتعليم، والبحث عن فرص عمل، ومتابعة قضايا شخصية، فضلاً عن اللامبالاة التي تترافق عادة مع الإفلات من العقاب”.

وأضاف: “يموت العشرات كل عام على هذا الطريق، ولا حياة لمن تنادي. دير الزور لا تحتمل الترقيع؛ فالوقت ثمنه أرواح أهلنا وناسنا”.

وانتقد الحمد الاستجابة الحكومية في الساعات الأولى بعد الحادث، قائلاً: “لم تلتئم الحكومة، رغم مرور ساعات على حادث دير الزور، وأسابيع على غرق العبّارة، وعدة أشهر على ارتفاع منسوب نهر الفرات. تكتفي الحكومة الانتقالية بـ“التعازي الحارة”، وكأننا نعيش في فنزويلا”.

وتابع: “من جهة أخرى، هناك من يحمّل السائقين المسؤولية، وكأن هذا الحادث هو الأول من نوعه. والحقيقة أن الحكومة تتحمل المسؤولية الكاملة عن تقصيرها في اتخاذ إجراءات تمنع تكرار الحوادث على طريق دير الزور-دمشق. أمّا باقي ما يُقال، فليس سوى تفاصيل”.

وفي وقت لاحق، أعلنت الحكومة تشكيل لجنة تحقيق مشتركة بين الوزارات المعنية لتحديد أسباب الحادث ومراجعة واقع طرق البادية.

المشكلة ليست الطريق فقط

المشاكل الخدمية في دير الزور ومناطق شمال شرق سوريا لا تنحصر في الطريق الذي يربطها بالعاصمة دمشق فحسب، إذ كشفت فيضانات نهر الفرات، التي بدأت أواخر أيار/مايو واستمرت آثارها خلال حزيران/يونيو 2026، حجم الأضرار في البنية التحتية بدير الزور. حيث تضررت جسور ومعابر ومحطات مياه، وغمرت المياه أراضي زراعية، فيما تقطعت حركة السكان والخدمات بين ضفتي النهر.

وتعود أزمة العبور إلى سنوات الحرب، التي تضرر خلالها 19 جسراً كان يربط أجزاء المحافظة، ما دفع السكان إلى الاعتماد على العبارات النهرية. وفي 12 تموز/يوليو، انقلبت عبارة كانت تقل أكثر من 35 شخصاً بعد تعطل محركها وانجرافها باتجاه جسر السياسية.

وارتفعت الحصيلة في 14 تموز/يوليو إلى 7 قتلى، بينهم 5 أطفال، بينما واصلت فرق الدفاع المدني ووزارة الدفاع والأهالي عمليات البحث والإنقاذ.

واتخذت الحكومة خلال الفيضان إجراءات طارئة شملت تحذير السكان وإجلاء المقيمين في المناطق المنخفضة، وتدعيم السواتر، ونشر فرق الطوارئ، وتجهيز مراكز إيواء وتوزيع المياه بالصهاريج، إلا أن جميع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة كانت إسعافية وليست حلول جذرية ذات جدوى.

كما عملت الجهات المحلية مع المنظمات الدولية لحماية منشآت المياه وإعادة تشغيلها. لكن تقريراً لليونيسف صدر في 8 حزيران/يونيو أفاد بأن 46 محطة لمعالجة المياه في دير الزور بقيت خارج الخدمة حتى 7 حزيران/يونيو. وكانت محطة الفرات تزود نحو 400 ألف شخص بمياه الشرب.

الحلول الممكنة؟

الخبير الاقتصادي يونس الكريم دعا إلى اعتماد أثر المشروعات في تحديد الأولويات، قائلاً: “الأفضل للحكومة اليوم أن تتعامل على تعظيم العائد الاقتصادي للإنفاق، تبدأ أولاً بتوسيع حرم الطريق، وهذا لا يحتاج بناء بنية تحتية قوية أكثر من إعادة توسعة الحرام ترابيا. النقطة الثانية إصلاح الكهرباء والماء ووضع نقاط اتصال لاسلكية ودوريات بالنقاط”.

وخلال تنفيذ المشروع، يمكن صيانة الطريق الحالي بالتوازي مع إنشاء الطريق الجديد، وتقسيم الأعمال إلى مقاطع وفق أولويات معلنة، من دون انتظار اكتمال المشروع لتحسين السلامة، ويتطلب ذلك نشر الكلفة، والجهة الممولة، واسم المتعهد، ونسب الإنجاز لكل مقطع.

ويخلص الكريم إلى أن الأهم “تحويل تكاليف المشاريع التجميلية من الدوارات وأرصفة إلى الطرق الاستراتيجية التي تربط بين المحافظات. وهذا الأمر بالغ الأهمية”.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم