ثمة محاولات محمومة تذهب باتجاه تقويض فرص الحل السياسي في سوريا، بعدما نجح السوريون في الوصول إلى مشهد فرار بشار الأسد، والذي جرى إرغامه للتخلي عن السلطة. غير أن تلك المحاولات تصر على أن لا تغلق دائرة الصراع بنفس منطق وآليات “الأسد”، ومثلما عمد الأخير إلى تطييف الثورة في بواكيرها وتحويل الحراك في صورته المدنية التي ترفع شعارات تنبذ الطائفية، حتى يكون بمقدوره تصنيف المعارضة، كل المعارضة، على أنها مجموعة من الفصائل “الإرهابية”، يحدث الأمر ذاته من قبل قوى إقليمية بوجه آخر ليس طائفيا تماما إنما بتفخيخ صراع قومي، تحديدا بين العرب والكُرد.
لم تكن الثورة السورية منذ اندلاعها لها أي وجه طائفي، بل إنها انفجرت لتخطي مرحلة ترسيم المواطن على أساس مناطقي وجهوي وبحسب موقعه أو تصنيفه الطائفي. كما أن الأعوام التي شهدتها مناطق “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، لم تسفر عن صراعات حادة أو نزاعات مع مختلف الطوائف والقوميات، بل إلى جانب تمثيلهم السياسي والمجتمعي في مؤسسات “الإدارة الذاتية” المختلفة، كان الحوار والتفاوض من بين ديناميات الحل بالمنطقة التي شهدت درجة استقرار لافتة، وذلك بخلاف مناطق أخرى، سواء الواقعة تحت سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا وغيرها في شمال غرب سوريا، أو مناطق النظام.
من ثم، تبرز رغبة بعض الأطراف إلى عسكرة المشهد السياسي في سوريا وهو يقترب من لحظة أفول هذه الفترة المريرة والدموية التي عانى من آثارها وتداعياتها السوريون، عبر النزوح والشتات فضلا عن القمع والإبادة، من خلال تفجير خلافات ظاهرية ومصنوعة بين العرب والكُرد.
الكُرد وفرص الحل السياسي في سوريا
وليس ثمة شك، أنه مثلما كانت تخفي طائفية النظام التي وصم بها المعارضة والحراك الثوري منذ العام 2011، مصالح مشبوهة تتصل بالبقاء في السلطة لـ”الأبد”، وفق شعار شهير متداول بين أوساط البعثيين، ومنع تداول سلمي للسلطة أو الحوار مع المعارضة، والاحتماء بحلفائه الروس والإيرانيين، ومنحه الحرية المطلقة في إبادة من يصفهم بـ”الإرهابين”، فإن اتساع جيب آخر في الصراع وظهوره من خلال تحريك صراعات بين الكُرد والعرب، إنما يخفي بالمثل مصالح مشبوهة.
يمكن القول إن الفترة الماضية والمتزامنة مع وصول فصائل “المعارضة” إلى دمشق، شهدت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو مكثفة، تكشف عما يمكن توصيفه بـ”التزييف العميق/ Deepfake” من خلال تكرار الاتهامات عبر الأخبار المضللة والشائعات، بأن “قسد” حقيقة تعمد إطلاق النار على المتظاهرين في الرقة ودير الزور.
وهذه المصالح المشبوهة ربما تهدف إلى منع استكمال شروط العملية الانتقالية في سوريا على أساس سياسي مدني تشاركي، وفرض أمر واقع، يتسبب في إقصاء أطراف أخرى من المشهد، والانفراد بالسلطة.
فالتوترات المفتعلة في المنطقة ومحاولات تضخيمها إعلاميا، يسعى لتوظيفها أطراف عديدة للتعمية عن مخططات إقليمية وخارجية، تريد حجب استحقاقات سياسية لجزء ليس بالهين من السوريين، ومنهم الكُرد بطبيعة الحال، والاستفادة من السيولة الأمنية في تكرار حوادث قمعية من دون حساب أو مسائلة.
وخلط الأوراق ببعضها، وتعميم صورة تحمل طابع عنيف ودموي كما يتم الترويج، تضطلع بها قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، يماثل إلى حد كبير المنهج الأمني القديم الذي يبحث عن شرعية قبل عمليات عدوانه وتصفية خصومه السياسيين، وذلك لجهة الإبقاء على سياسة التهميش والإقصاء وجعل نمط الحكم والسلطة مركزيا، ولا يصل إلى التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية المطلوبة والملحة للسوريين كافة، من دون استثناء منطقة أو قومية أو طائفة بعينها. سوريا التعددية.
“التزييف العميق”
ويمكن القول إن الفترة الماضية والمتزامنة مع وصول فصائل “المعارضة السورية” إلى العاصمة دمشق، شهدت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو مكثفة، تكشف عما يمكن توصيفه بـ”التزييف العميق/ Deepfake” من خلال تكرار الاتهامات عبر الأخبار المضللة والشائعات، المنقولة بالأخبار المكتوبة أو المصورة وغيرها، بأن “قسد” حقيقة تعمد إطلاق النار على المتظاهرين في الرقة ودير الزور.
هذه السياسة تتضمن تكتيكات “الحرب النفسية” بهدف إحداث فجوة بين المكونات الاجتماعية مع بعضها، كما في الحالة السورية بين العرب والكُرد، حتى يتسنى للقوى المستفيدة من هذا الصراع استكمال إدارتها للوضع بسوريا بعزل القوى الكُردية التي ما تزال تصنفها “إرهابيا”، وتعتبر كل كُردي بالضرورة “انفصاليا” و”عدوا”.
هناك أجندة سياسية تركية لا تتخلى عن استراتيجيتها تجاه الكُرد، سواء كان مواطنا عاديا أو مسيسا بأي درجة. جميعهم متهمون، ربما، حتى لو ثبت العكس. ومع الدور المتنامي لأنقرة والتي تتوغل من خلاله في الملف السوري، فإنها تحاول بكل السبل ملء الضغوط حول المجتمعات التي بها غالبية كُردية وتحديدا الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية”، وزعزعة الاستقرار من خلال نزاعات مع العرب، بعضها طفيف ويتم تضخيمه، وبعضها الآخر لم يحدث، ويتم صناعته بوسائل تلفيقية عديدة.
ضرورة التعاطي مع الكُرد
كل ذلك، حتى تتباعد المسافة بين دمشق وشمال شرقي سوريا، ويظل الاتهام بـ”الانفصالية” أمرا جاهزا، رغم أن عدة تصريحات مؤخرا صدرت من قيادات كُردية على رأسهم إلهام أحمد عبر قناة “العربية“، ألحت على ضرورة تعاطي تركيا مع الكُرد في سوريا باعتبارهم سوريين، وذلك في إطار رفض تام للتبعية لأي قوى خارجية وأن يكون الحلّ سوري سوري.
وأكد إلهام أحمد على أن حقوقهم سيتم المطالبة بها في دمشق وضمانها من دمشق، وأن الحوار بين السوريين يتعين أن يكون وطنيا من دون حمولات وضغوطات خارجية، فضلا عن رفضها التام للمزاعم التي تروج بشأن تكرار تجربة إقليم كردستان العراق في سوريا، حيث إن الأخيرة بها مكونات عديدة في جغرافيا شمال شرقي سوريا، ولا يمكن هضم حقوقها والقفز عليها بإعلان مثل هذا النمط السياسي أو تطبيقه.

وقالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية لـ”الإدارة الذاتية”: “نحن نطالب بحقوقنا ونضمن حقوقنا في دمشق وليس في أنقرة، وهذه الضمانات يجيب أن تأتي من دمشق، وقضيتنا الأساسية في دمشق، ويبقى على جارتنا التركية أن تكون على سلام وبيننا تعاون أمني أو إداري بخصوص المعابر واقتصادي.. نحن منفتحون على كافة الجوانب، وتتعامل معنا كسوريين”.
إذاً، كما في كل الحروب والنزاعات، تصدر أخبار مضللة وشائعات كاذبة، تقف خلفها جهات ذات أجندات محددة ضد أطراف مغايرة لهم. وهذا ما حدث كثيرا خلال الحرب السورية منذ نحو 13 عاما، ولم تنته بعد، فبعد سقوط نظام بشار الأسد، سرعان ما انتشرت أخبار “كاذبة” وغير صحيحة يتعلق بمختلف الملفات.
وإلى جانب الأخبار المضللة، ثمة حملات إعلامية تخدم أجندات سياسية معينة، وبشكل خاص ما حدث في المناطق الشرقية من سوريا، وتحديدا في الرقة ودير الزور. وبعد انهيار الجيش السوري وانسحابه، قامت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بملء الفراغ الأمني، منعا لاستغلال تنظيم “داعش” للأمر “غير العادي”، وقد صرح بذلك قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي.
إلا أن بعض الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى بعض المنابر الإعلامية، حاولت ولا تزال تصر على إشعال الفتنة بين المكونات السورية، الكُردية والعربية، في الرقة ودير الزور، الخاضعتين إلى حد كبير لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية وبدعم من “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
حقيقة الفيديوهات المتداولة من الرقة والدير
ونشرت العديد من مقاطع الفيديو التي تزعم أنها لمظاهرات في محافظتي الرقة ودير الزور ضد قوات سوريا الديمقراطية والمطالبة بخروجها من مناطقهما. إلى ذلك، زعمت هذه الصفحات ووسائل الإعلام أن “قسد” منعت الأهالي للاحتفال بسقوط نظام بشار الأسد في مناطقها، أو أنها أطلقت الرصاص الحي على كل من خرج للاحتفال.
فيما تبين لاحقا أن ذلك محض افتراء وليس صحيحا بالكلية، حيث أظهرت مقاطع الفيديو التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي كيف يحتفل الناس هناك بحرية بسقوط الأسد.
وقد تواصل “الحل نت” مع أحد الصحفيين العاملين في مدينة الرقة وأريافها، وقال إن “القصة باختصار الناس خرجت تحتفل بشكل عفوي بقرار رفع علم الثورة السورية، فيما كانت الاحتفالات سلمية بالبداية وعناصر قسد موجودين وما حكوا مع أي شخص.. لكن بعض الأشخاص هاجموا سيارات وعناصر لقسد بالحجارة، وبعدها أطلقت الأخيرة الرصاص عليهم.. إطلاق النار حدث أمام المحكمة وبدوار النعيم والفيديو المتداول لشخص يطلق النار من بي كي سي هو عنصر من قسد من لواء الشمال كان عم يحتفل من دون أن يصيب أحد وذلك بحسب ما سجلته ووثقته..”.
وبحسب المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، أوضح أن الحديث عن “إصابات ليس موثقا بحال من الأحوال إنما هي أحاديث متواترة على مجموعات من تطبيقات التواصل الاجتماعي (واتس آب)، مع الوضع في الحسبان أن عناصر قسد لا تملك الإمكانات التي تجعلها تواجه عمليات شغب كما في البلدان الديمقراطية، فهي لا تملك رصاصا مطاطيا أو غاز مسيل للدموع، وبالأساس السلاح معها هو لمواجهة داعش، وبالتالي فقط سلاح ورصاص حي. ما أستطيع تأكيده هو وقوع قتيل واحد وفق ما تم تداوله بين أهالي المدينة”.
وأشار الصحفي الذي تحدث بشكل خاص مع “الحل نت”، إلى أن “هذا الحدث الذي حصل في الرقة بكل الأحوال يحتاج إلى تدقيق وتحقيق داخلي سواء كان القتل عن عمد أو بالخطأ.. بالنهاية هناك شغب حدث ومواجهة مع القوات بالمقابل، وكل ذلك يجعل الغموض والالتباس كبيرين ولا يملك اعتماد سردية ورواية واحدة”.
إلى ذلك، فإن المشهد لا يمكن أن يتجاوز فكرة حدوث مناوشات واحتكاكات تسببت في نتائج ميدانية محدودة بمعنى أن قوات سوريا الديمقراطية لم تعمد إلى الانتقام من المجموعات التي هاجمتها وقامت بالاعتداء عليها، وهذا لا يعفيها من مسؤولية الإعلان عن التفاصيل بشفافية وبناء على تحقيق، لكن لو أن مبادلة القوات الهجوم بشكل عشوائي كان سيسفر حتما عن قتلى وضحايا أكثر وتتضاعف الأعداد وليس وقوع قتيل فقط.
ويؤكد مصدر عسكري من “قسد” بالرقة لـ”الحل نت” أن الرصاص تم إطلاقه لتفريق الناس ولم يكن الهدف إصابة أي شخص، مشددا على أنه لم يكن هناك أي أوامر لإطلاق الرصاص أو استهداف الناس. وأضاف: “كل ما نشر حول مذابح وإطلاق رصاص من قبل قوات (قسد) ضد الأهالي في الرقة ودير الزور، محض افتراء، فلا مصلحة لقسد في هذه الأوقات الحرجة من أن تضرب الناس”.
- من الساحل السوري إلى لبنان.. كيف تحركت شبكة متهمة بالتخطيط لهجمات في سوريا؟
- لماذا يتزايد غضب الشارع الإيراني ضد العراقيين؟
- ماذا يعني رفع واشنطن القيود المتعلقة ببيع الأسلحة لسوريا؟
- ممرات السكك الحديدية وتجارة المقايضة: أبعاد الدعم الصيني لإيران وأثره على أمن الخليج
- القبض على متزعم خلية متورطة بقتل 3 عناصر من الأمن السوري.. ما التفاصيل؟

