هل تعيد سوريا إنتاج القمع عبر قوانين الأسد؟

هل تعيد سوريا إنتاج القمع عبر قوانين الأسد؟

رغم مضي أكثر من عام ونصف على سقوط الأسد ونظامه، إلا أن أدواته التي كان يدير بها البلاد عبر قوانين تلاحق المعارضين والمنتقدين للسلطة آنذاك، مازالت حاضرة في المشهد السوري اليوم، ما يثير تساؤلات بشأن أثر استمرارها على الحريات العامة وحرية التعبير خلال المرحلة الانتقالية.

ولعل عودة ملاحقة صانع المحتوى حسان عقاد، إلى جانب حالات أخرى طالت صحفيين وناشطين ومنتقدين لمسؤولين، أعادت النقاش حول ما إذا كانت المشكلة تقتصر على نصوص قانونية قديمة لم تُعدّل بعد، أم أنها تمتد إلى طريقة تطبيق القانون نفسها، خصوصاً عندما تبدأ بعض القضايا بشكوى فردية وتنتهي باستدعاء أو توقيف أو إذاعة بحث.

هذا النقاش عاد إلى الواجهة أيضاً بعد دراسة حديثة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق االأدنى حذرت من أن استمرار استخدام تشريعات موروثة من عهد الأسد بصورة انتقائية قد يتحول إلى مشكلة تتجاوز حرية التعبير، وتمس ثقة السوريين بمؤسسات الدولة ومسار الانتقال نفسه.

حسان عقاد.. وملاحقة جديدة

اسم صانع المحتوى حسان عقاد عاد إلى ملف الملاحقات القضائية، بعد نحو شهرين من توقيفه في دمشق على خلفية شكاوى تتعلق بالقدح والذم والتشهير عبر الإنترنت.

المخرج حسان عقاد - وسائل التواصل الاجتماعي
المخرج حسان عقاد – وسائل التواصل الاجتماعي

وبدأت القضية الأولى في 3 حزيران/يونيو 2026، عندما تقدم الإعلامي موسى العمر بشكوى إلى النيابة العامة في دمشق ضد عقاد. وقال المدعي العام بدمشق، القاضي حسام خطاب، حينها إن النيابة أحالت الشكوى إلى فرع مكافحة الجريمة الإلكترونية، قبل توقيف عقاد في 17 حزيران/يونيو. ثم أُفرج عنه في 21 من الشهر نفسه بعد سحب العمر شكواه، بينما بقيت بحقه دعاوى أخرى، وفق ما ذكره عقاد ودراسة لاحقة لمعهد واشنطن.

وفي 29 حزيران/يونيو، أصدرت وزارة العدل التعميم رقم 26 لتنظيم إجراءات الجرائم المعلوماتية. وقيد التعميم احتجاز المشكو منهم وإذاعات البحث، واشترط قراراً خطياً من النيابة العامة، كما حصر اللجوء إلى إذاعة البحث بالجرائم الخطيرة أو حالات محددة. وشددت الوزارة مجدداً، في 6 آب/أغسطس، على ضرورة الالتزام بهذه الضوابط.

لكن عقاد أعلن في 28 آب/أغسطس الجاري، أنه اكتشف وجود إذاعة بحث جديدة بحقه صادرة عن الأمن الجنائي على خلفية دعوى من محافظة حماة، ومسجلة بجرم “الابتزاز”. وقال إن الضبط وإذاعة البحث صدرا في 4 آب/أغسطس، وإنه لم يتبلغ بالدعوى قبل اكتشافها لاحقاً، معتبراً أن الإجراء يخالف تعميم وزارة العدل.

ولا تتطابق القضية الجديدة من حيث الوصف القاانوني مع دعاوى القدح والذم السابقة، إذ صنفت وزارة العدل الابتزاز ضمن الجرائم التي قد تستدعي تحقيقات أولية. وهو ما يعيد النقاش إلى المسار الإجرائي نفسه: شروط إصدار إذاعة البحث، والتبليغ، والجهة التي أجازت الإجراء.

ملاحقات أخرى

لم تقتصر الملاحقات المرتبطة بالنشر أو الاحتجاج على قضية حسان عقاد، وسجلت خلال الأشهر الماضية حالات أخرى طالت ناشطين وصحفيين ومعارضين، بعضُها استند إلى شكاوى فردية أو إلى قانون الجرائم المعلوماتية.

في 2 حزيران/يونيو 2026، أوقف ياسر عباس، الناطق باسم رابطة إسقاط المرسوم 66، والمهندس إبراهيم شيخ الشباب، ممثل لجان أهل المزة، على خلفية نشاطهما المتعلق باعتراضات متضررين من مشروعات إعادة التطوير في دمشق. وأفرج عنهما بكفالة في 9 حزيران، مع استمرار الملاحقة القضائية. وبحسب بيان لمنظمات حقوقية، استندت القضية إلى اتهامات شملت “التشهير” و”نشر أخبار كاذبة” و”النيل من سمعة وهيبة إدارة عامة”.

وفي 3 آب/أغسطس الجاري، أوقفت إدارة الأمن الجنائي الصحفي حمزة عباس لساعات بسبب رسالة جرى تداولها ضمن مجموعة على تطبيق “واتساب”. وقال اتحاد الصحفيين إن التوقيف جرى من دون إبلاغ فرعه في دمشق، خلافاً لما تنص عليه المادة 101 من قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011.

وبعد يومين، أوقف الناشط السياسي طوني دانيال في اللاذقية عقب انتقادات وجهها لما وصفه بالفساد الإداري والمالي في نقابة المهندسين. وأفرج عنه في 6 آب بعد نحو 24 ساعة، عقب إسقاط الدعوى المقامة بحقه.

كما استُدعي الناشط أبو فارس الحريري في 20 آب/أغسطس الجاري، إلى شعبة أمنية في إزرع بريف درعا على خلفية منشور على “فيسبوك” تناول فيه المحسوبيات.

دراسة زيلين

من جهته، حذر الباحث الأميركي آرون ي. زيلين، في دراسة نشرها “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” في 28 آب/أغسطس 2026، من استمرار استخدام قوانين الإعلام والجرائم الإلكترونية الموروثة من عهد بشار الأسد ضد منتقدين للسلطات الجديدة.

وقال زيلين إن الحكومة الانتقالية “لا تعيد إنشاء دولة بشار الأسد البوليسية”، مشيراً إلى الإفراج عن بعض الموقوفين، وإصدار وزارة العدل تعميماً للحد من بعض إجراءات التوقيف، إلى جانب استمرار مساحة من النقد العلني لم تكن متاحة في عهد النظام السابق. لكنه اعتبر أن تطبيق القوانين القديمة بصورة غير متساوية ما زال يثير مشكلة تتعلق بطريقة التعامل مع الانتقادات والشكاوى الفردية.

وتناول زيلين عدداً من التشريعات التي صدرت خلال عهد الأسد، بينها المرسوم التشريعي رقم 108 لعام 2011 الخاص بالإعلام، والمرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012 المتعلق بالجرائم المعلوماتية، الذي جرى توسيعه لاحقاً بالقانون رقم 20 الصادر في آذار/مارس 2022.

وأشار إلى أن المادتين 24 و25 من القانون رقم 20 تجرمان بعض أشكال الذم والتشهير عبر الإنترنت بعقوبات قد تشمل الحبس، مع تشديد العقوبة عندما يتعلق المحتوى بموظفين عامين. كما أضاف القانون أحكاماً تتعلق بالأخبار الكاذبة التي تعد مضرة بـ”مكانة الدولة”.

وتطرق كذلك إلى نصوص تحظر محتوى يُعتبر مضراً بـ”الوحدة الوطنية” أو “الأمن القومي” أو “رموز الدولة”، معتبراً أن اتساع هذه الصياغات يسمح بتفسيرات مختلفة عند تطبيقها.

قوانين قديمة في مرحلة انتقالية

ويربط مدير الآلية السورية للتحقيق ياسر شالاتي بين استمرار بعض التشريعات الموروثة من عهد الأسد ومسار العدالة الانتقالية، معتبراً أن النظر إلى هذه القوانين يتطلب العودة إلى الظروف التي صدرت فيها والأهداف التي وُضعت من أجلها.

وقال شالاتي في حديثه لـ”الحل نت” إن هذه القوانين “وضعها نظام الأسد لتثبيت روايته وقمع أي صوت معارض لما يقوله”، مضيفاً أن استخدامها بعد سقوط النظام يؤثر بصورة مباشرة في العدالة الانتقالية، لأنها لا تحدد فقط ما يستطيع الصحفي أو المواطن قوله، بل تؤثر أيضاً في “من يملك حق رواية الماضي، وكيف توثق الانتهاكات، ومن يستطيع مساءلة السلطة”.

وبحسب شالاتي، فإن تقييد الإعلام والتعبير يمكن أن ينعكس على مشاركة الضحايا في مسار العدالة الانتقالية، ولا سيما في الحالات التي يريدون فيها الحديث عن الانتهاكات أو الاعتراض على بقاء متهمين بارتكابها خارج المساءلة.

وأشار شالاتي إلى أن الإعلان الدستوري لم يمنح، برأيه، مساحة كافية للحريات الشخصية، لكنه تطرق إلى القوانين الاستثنائية. وأضاف أن بعض التشريعات التي تقيد حرية التعبير يمكن التعامل معها ضمن هذا الإطار.

وقال إن حرية التعبير ترتبط أيضاً بإصلاح المؤسسات، وهو أحد مسارات العدالة الانتقالية، متسائلاً عن إمكانية قياس التغيير أو كشف الأخطاء “إذا كان الصحفي أو الناشط يخشى الملاحقة بسبب نشر معلومات أو انتقاد مؤسسات الدولة”.

ويرى شالاتي أن مراجعة هذه التشريعات يجب أن تشمل بصورة خاصة النصوص التي تقيد الحقوق والحريات أو تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة.

“هيبة الدولة” وحدود النقد

تتضمن بعض التشريعات الموروثة من عهد الأسد عبارات واسعة تتعلق بـ”هيبة الدولة” و”مكانتها”، إلى جانب نصوص تجرم الذم والتشهير والإهانة بحق موظفين ومسؤولين عامين.

ويرى شالاتي أن المشكلة ترتبط باتساع هذه المصطلحات وغياب تعريف دقيق لها، وقال في حديثه لـ”الحل نت” إن النصوص الجزائية التي تجرم “إهانة أو هيبة الدولة والسلطات” تستخدم عبارات فضفاضة يمكن توظيفها ضد الخصوم السياسيين.

الدولة ليست شخصاً يجب حمايته من النقد المسؤول العام يجب أن يتحمل النقد بدرجة أكبر من المواطن العادي.

مدير الآلية السورية للتحقيق – ياسر شالاتي

وفرق شالاتي بين النقد والتشهير، موضحاً أن القوانين يمكن أن تجرم التشهير أو الإهانة، بما في ذلك عندما تستهدف رئيس الدولة أو مسؤولاً عاماً، لكن انتقاد المسؤول بحد ذاته لا ينبغي أن يعد جريمة.

وأشار إلى أن اتساع المصطلحات يفتح باباً لاختلاف التفسير، وقال: “إذا كان الصحفي يكشف فساداً فقد تقول السلطة إنه يضر بسمعة الدولة، وإذا انتقد الجيش فقد يقال إنه يضعف معنويات الدولة، وإذا كشف انتهاكاً فقد يعتبر نشره إضراراً بالمصلحة العامة”.

وتعيد هذه النصوص طرح مسألة الحدود الفاصلة بين حماية الأفراد من التشهير، وتجريم التحريض، وبين استخدام مفاهيم عامة عند التعامل مع النقد الموجه إلى مؤسسات الدولة أو مسؤوليها.

الانتقائية في تطبيق القانون

وتوقف الباحث آرون ي. زيلين في دراسته عند تفاوت التعامل مع قضايا مرتبطة بالنقد والخطاب التحريضي، مشيراً إلى أن السلطات تحركت في عدد من الشكاوى المقدمة ضد منتقدين، بينما لم تسجل إجراءات مماثلة في بعض الحالات التي تضمنت خطاباً طائفياً.

وأورد زيلين مثالاً يعود إلى 30 حزيران/يونيو 2026، عندما نشر الإعلامي عمر التلاوي كلاماً دعا فيه إلى “محو” 11 حياً علوياً من الخريطة. وبحسب الدراسة، لم تتخذ السلطات إجراءات بحقه، في وقت شهدت فيه الفترة نفسها توقيف أو استدعاء أشخاص على خلفية منشورات أو انتقادات موجهة إلى مسؤولين ومؤسسات عامة.

ولا يعترض زيلين على وجود تشريعات تجرم التحريض المباشر على العنف، لكنه يدعو إلى اعتماد معيار واحد في تطبيقها، من دون تمييز مرتبط بهوية المتحدث أو الجهة المستهدفة.

ويرى شالاتي أن الانتقائية تمس المبدأ الأساسي الذي يمنح القانون صفته العامة، ويقول لـ”الحل نت”: “بمجرد أن تقول انتقائية لا يبقى هناك قانون”.

وأضاف أن القانون يجب أن يطبق على الجميع، بمن فيهم واضعوه، معتبراً أن عدالة النص وحدها لا تكفي إذا اختلف تطبيقه من حالة إلى أخرى.

وتطرح الحالات التي أوردها زيلين مسألة اتساق الإجراءات القانونية، ولا سيما عند المقارنة بين التعامل مع النقد الموجه إلى مسؤولين وبين الخطاب الذي يتضمن تحريضاً طائفياً أو دعوات إلى العنف.

لماذا تهتم واشنطن؟

يقدم آرون ي. زيلين القضية في دراسته باعتبارها مرتبطة بالاستقرار السياسي والأمني في سوريا، وليس فقط بملف حقوق الإنسان وحرية التعبير.

ويرى أن التطبيق الانتقائي للقوانين يمكن أن ينعكس على ثقة الأقليات بمؤسسات الدولة، وعلى تعامل السلطات مع الاحتجاجات، كما قد يؤثر في شرعية المؤسسات وفي بيئة الاستثمار وإعادة الإعمار.

وقال زيلين إن استمرار هذه الممارسات يرسل رسائل مختلفة إلى السوريين، من بينها أن الحماية القانونية قد لا تكون متساوية، وأن بعض أشكال التعبير عن المظالم يمكن أن تقود إلى ملاحقات أو إجراءات أمنية.

ودعا الباحث المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك إلى إثارة الملف مع دمشق ضمن النقاشات المتعلقة بالأمن وإعادة الإعمار، مقترحاً أن تستخدم واشنطن أدواتها السياسية والاقتصادية للدفع نحو مراجعة هذه التشريعات.

كما أوصى بأن يتابع الكونغرس الأميركي هذه القضايا من خلال تقارير دورية تقدمها وزارة الخارجية بشأن طبيعة الملاحقات والتهم المرتبطة بها.

ويمكن القول إن الملاحقة الجديدة بحق حسان عقاد، بعد أسابيع من صدور تعميم وزارة العدل رقم 26، أعادت النقاش حول فعالية الضوابط التي وضعت لتنظيم إجراءات التوقيف وإذاعات البحث في قضايا النشر والجرائم المعلوماتية.

ويرى شالاتي أن تعديل التشريعات لا يكفي من دون إصلاح المؤسسات التي تطبقها. وقال لـ”الحل نت”: “القوانين وحدها لا تكفي إذا لم يكن هناك أولاً احترام لها ولتطبيقها”، مشدداً على ضرورة وضع حدود واضحة لصلاحيات المؤسسات الأمنية والعسكرية وربط إجراءاتها بالسلطات القضائية.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم