محاكمة بلا متهمين.. كيف قرأت منظمة حقوقية محاكمة ماهر وبشار الأسد الغيابية؟

وضعت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” المحاكمة الغيابية للرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر أمام اختبار قانوني يتعلق بمدى استيفائها لمعايير المحاكمة العادلة، محذرة من أن قيمة أي أحكام تصدر عنها ستبقى مرتبطة بضمانات الإخطار والتمثيل القانوني وإمكان إعادة المحاكمة عند حضور المتهمين أو القبض عليهم.

وفي تقرير أصدرته أمس الثلاثاء، بعنوان “المحاكمة الغيابية ضد بشار وماهر الأسد: المعايير القانونية للمساءلة الانتقالية في سوريا”، حددت المنظمة أربعة شروط إجرائية قالت إنها ينبغي أن تحكم المحاكمات الغيابية أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، التي بدأت إجراءاتها في 26 أبريل/نيسان 2026.

وتشمل هذه الضمانات، بحسب التقرير، الإخطار الفعال، وثبوت تنازل المتهم عن حقه في الحضور أو تهربه بعد إخطاره بصورة كافية، والتمثيل القانوني الفعال، وإتاحة إعادة المحاكمة أو مراجعة موضوع الدعوى عند وجود خلل في الإخطار أو التنازل عن الحضور.

“الغياب البنيوي”.. حين لا يكون حضور المتهم ممكناً

تطرح الشبكة في تقريرها مفهوماً تسميه “الغياب البنيوي”، وتستخدمه لوصف الحالات التي يفشل فيها افتراضان تقوم عليهما المحاكمة الغيابية التقليدية وهما إمكانية الوصول إلى المتهم، وإمكانية إعادة محاكمته بصورة فعلية بعد حضوره.

ووفق هذا الإطار، تعتبر المنظمة أن حالة بشار الأسد تندرج ضمن هذه الفئة، نظراً إلى وجوده في روسيا منذ مغادرته سوريا، وما تصفه المنظمة باستمرار تمتعه بحماية روسية تحول عملياً دون الوصول إليه.

وفي المقابل، تشير الشبكة إلى أن القانون السوري يتيح إعادة المحاكمة في حال تسليم المتهم نفسه أو إلقاء القبض عليه.

وتنص المادتان 328 و329 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، وفق التقرير، على إلغاء الحكم الغيابي وإعادة محاكمة المتهم حضورياً في هذه الحالة.

وبذلك، ترى المنظمة أن إمكانية إعادة المحاكمة متحققة من الناحية القانونية، لكنها غير متحققة عملياً في الوقت الراهن بالنسبة إلى بشار الأسد.

أين تقف إجراءات محكمة الجنايات الرابعة؟

بدأت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق إجراءاتها الغيابية بحق المتهمين في 26 أبريل/نيسان 2026، قبل أن تقرر في جلسة 10 مايو/أيار أن مذكرات الدعوة أُبلغت أصولاً في آخر محل إقامة معروف لهما، وتثبت عدم حضورهما وتعلنهما فارين، بحسب التقرير.

لكن الشبكة تشير إلى فجوتين في السجل العلني للإجراءات. الأولى تتعلق بالتبليغات، إذ تقول المنظمة إنه لا يظهر في السجل المتاح توثيق شامل يوضح أساليب كل محاولة لإخطار المتهمين وقنواتها ونتائجها.

أما الثانية فتتعلق بالتمثيل القانوني، إذ لا يتضمن السجل العلني، بحسب التقرير، ما يؤكد أن المحكمة عينت محامياً مستقلاً لتمثيل المصالح الإجرائية للمتهمين الغائبين.

وتعتبر الشبكة أن معالجة هاتين النقطتين ضرورية لضمان نزاهة الإجراءات، خصوصاً في قضية ذات طبيعة استثنائية وتهم تتعلق بجرائم خطيرة.

ماهر الأسد.. غياب مختلف

تضع الشبكة السورية لحقوق الإنسان حالة ماهر الأسد في إطار قريب من “الغياب البنيوي”، لكن لأسباب مختلفة. ففي حين تشير المنظمة إلى أن مكان وجود بشار الأسد معروف، فإن مكان وجود ماهر الأسد الحالي لا يزال، وفق التقرير، غير محسوم في السجل العلني.

صورة أرشيفية يظهر فيها ماهر الأسد بجانب شقيقه بشار خلال تشييع حافظ الأسد بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2000- ا ف ب

وتتداول تقارير احتمالات بشأن وجوده في العراق أو روسيا، لكن الشبكة تقول إن هذه المعلومات لا تثبت مكان وجوده وفق معيار إثبات كاف.

ويشير التقرير إلى أن ماهر الأسد مستهدف أيضاً بإجراءات قضائية في فرنسا، بينها مذكرة توقيف صادرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، على خلفية اتهامات تتعلق بالتواطؤ في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية في آب/ أغسطس 2013 في الغوطة الشرقية ودوما.

وتؤكد الشبكة أن الضمانات الإجرائية الأربعة التي حددتها تنطبق على حالة ماهر الأسد أيضاً، رغم اختلاف الظروف المتعلقة بإمكان الوصول إليه.

مسار فرنسي موازٍ

ولا تقتصر الإجراءات القضائية المتعلقة ببشار الأسد على سوريا، إذ يشير تقرير الشبكة إلى مسار قضائي موازٍ في فرنسا.

ففي 25 تموز/ يوليو 2025، ألغت محكمة النقض الفرنسية مذكرة التوقيف الصادرة بحق بشار الأسد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، استناداً إلى تمتعه بالحصانة الشخصية بصفته رئيساً للدولة في ذلك الوقت.

وفي اليوم نفسه، أصدرت المحكمة حكماً في قضية المسؤول السوري السابق أديب ميالة، أكدت فيه، بحسب التقرير، أن الحصانة الوظيفية لا تحول دون ملاحقة المحاكم الفرنسية لجرائم دولية خطيرة، مع مراعاة القواعد القانونية الواجبة التطبيق.

كما يشير التقرير إلى إجراءات فرنسية لاحقة بحق بشار الأسد، بينها مذكرة توقيف جديدة في تموز/ يوليو 2025 على صلة بملف الهجمات الكيميائية في الغوطة الشرقية ودوما، ومذكرة أخرى صدرت في كانون الثاني/ يناير 2025 مرتبطة بمقتل المواطن الفرنسي السوري صلاح أبو نبوت في درعا عام 2017.

وترى الشبكة أن المسارين السوري والفرنسي يمكن أن يتقاطعا في المستقبل من ناحية تبادل الأدلة والمساعدة القانونية، مع ضرورة احترام اختصاص كل جهة واستقلال القضاء.

ماذا يعني الحكم الغيابي؟

لا تتعامل الشبكة مع الحكم الغيابي، في ظروف ما تسميه “الغياب البنيوي”، باعتباره نهاية للمسار القضائي. ويقول فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن الالتزام بالضمانات الأربعة ضروري للحفاظ على “النزاهة الإجرائية” للمحاكمات، بغض النظر عن العقبات العملية التي تحول دون الوصول إلى بشار وماهر الأسد.

وبحسب المنظمة، ينبغي التعامل مع أي حكم غيابي في هذه الظروف باعتباره حكماً قابلاً لإعادة النظر، وفق المادتين 328 و329 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري.

وتشير الشبكة إلى أن القيمة العملية للحكم قد تتجاوز العقوبة نفسها، إذ يمكن أن يسهم في إنشاء سجل علني للوقائع والأسس القانونية، ودعم إجراءات قضائية لاحقة وملفات الولاية القضائية العالمية، فضلاً عن توفير مواد يمكن أن تستفيد منها آليات الأمم المتحدة، ضمن حدود اختصاص كل منها.

اختبار للمساءلة الانتقالية

وتضع “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” المحاكمة ضمن إطار أوسع يتعلق بالعدالة الانتقالية في سوريا، معتبرة أن الإجراءات القضائية لا تتعلق فقط بمحاسبة متهمين عن أفعال منسوبة إليهم، وإنما أيضاً بقدرة القضاء السوري على تطبيق معايير المحاكمة العادلة في قضايا شديدة الحساسية.

وتدعو المنظمة السلطات السورية ومحكمة الجنايات الرابعة إلى الاحتفاظ بسجل شامل لإجراءات الإخطار، وتعيين محامين مستقلين يتمتعون بالموارد اللازمة لتمثيل المتهمين الغائبين، وأن يتضمن أي حكم غيابي تفسيراً واضحاً للضمانات التي جرى تطبيقها وللظروف التي أحاطت بغياب المتهمين.

كما تدعو إلى تحديد الأساس القانوني للتهم المتعلقة بمسؤولية القيادة، وبيان عناصر القيادة والسيطرة الفعلية والعلم والتدابير التي كان يتعين اتخاذها، استناداً إلى أدلة خاصة بكل متهم.

وتوصي الشبكة كذلك بإجراء تعديلات تشريعية لتعريف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وأشكال المسؤولية الجنائية ذات الصلة في القانون السوري، بما يتوافق، بحسب رؤيتها، مع الالتزامات الدولية لسوريا والإطار الدستوري الانتقالي.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم