تصدّر اسم القيادي الإخواني المُصنف إرهابياً في مصر محمود محمد فتحي بدر عناوين الأخبار خلال الساعات الماضية، بعد أن تداولت وسائل إعلام ليبية ومواقع التواصل الاجتماعي أنباءً متسارعة عن إلقاء القبض عليه داخل الأراضي الليبية، وتحديداً في العاصمة طرابلس.
وبينما لم تصدر السلطات الليبية أو المصرية إعلاناً رسمياً يؤكد عملية القبض حتى لحظة إعداد هذا التقرير، أكدت مصادر مطلعة لـ”الحل نت” أن الأجهزة الأمنية المصرية تستعد لاستلام محمود فتحي بدر بعد توقيفه من قبل السلطات الليبية، في إطار تنسيق أمني وقضائي بين البلدين، وهو ما يفتح الباب أمام إنهاء سنوات من هروبه خارج مصر ومثوله أمام القضاء لتنفيذ الأحكام النهائية الصادرة بحقه.
طريق التسليم إلى القاهرة
تأتي هذه التطورات بعد تداول واسع لخبر القبض على فتحي عبر وسائل إعلام ليبية ومنصات التواصل الاجتماعي، وسط ترقب لما ستؤول إليه الإجراءات القانونية، لا سيما أن الرجل يُعد من أبرز المطلوبين لدى السلطات المصرية، بعدما صدرت بحقه أحكام قضائية نهائية في قضايا مرتبطة بالإرهاب، أبرزها القضية المعروفة إعلامياً بـ”اغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات”، والتي أصدرت فيها المحاكم المصرية حكماً بالإعدام بحقه بعد استنفاد درجات التقاضي.
وتشير المعطيات إلى أن القاهرة كانت قد أدرجت اسمه منذ سنوات على قوائم الإرهاب، كما أخطرت الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) عام 2016 بإدراجه ضمن المطلوبين دولياً، في إطار ملاحقة العناصر الهاربة خارج البلاد.
وبحسب مصدر مصري مطلع فضل عدم الكشف عن هويته، فإن الإجراءات الجارية تشبه إلى حد كبير ما حدث في قضية ضابط الجيش المصري السابق والإرهابي هشام عشماوي، الذي ألقي القبض عليه في ليبيا أواخر عام 2018 قبل أن يُسلَّم إلى القاهرة ويخضع للمحاكمة ثم يُنفذ بحقه حكم الإعدام عام 2020.
ومن المرجح أن يسلك ملف محمود فتحي المسار القانوني ذاته، استناداً إلى اتفاقيات التعاون الأمني والقضائي بين مصر وليبيا، وإلى السوابق القضائية التي شهدتها السنوات الماضية.
من ناشط سياسي إلى متهم بالإرهاب
برز اسم محمود فتحي بدر في المشهد السياسي المصري عقب أحداث الثورة عام 2011، عندما ارتبط بحركة “حازمون” المؤيدة للداعية والسياسي السابق حازم صلاح أبو إسماعيل، والتي مثلت آنذاك إحدى أبرز الحركات السلفية ذات الحضور السياسي.
إلا أن التحولات التي شهدتها مصر بعد ثورة 30 حزيران/ يونيو 2013 وضعت اسمه في قلب تحقيقات أمنية وقضائية واسعة، بعدما اتهمته النيابة العامة المصرية بالمشاركة في قضايا إرهابية والتحريض على العنف والانضمام إلى تنظيمات مسلحة، قبل أن يغادر البلاد هارباً ويتنقل بين عدة دول، مستفيداً من شبكات الدعم التي وفرتها بعض الشخصيات والتنظيمات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين خارج مصر.

وتتهم السلطات المصرية محمود فتحي بالضلوع في تأسيس وإدارة ما عُرف باللجان النوعية المسلحة التي نشأت عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وهي مجموعات قالت القاهرة إنها نفذت عمليات استهدفت أفراداً من الجيش والشرطة ومنشآت عامة.
كما ورد اسمه في ملفات قضائية تتعلق بما عُرف إعلامياً بـ”خلية الاغتيالات” و”خلية نسف الكمائن”، فضلاً عن قضية اغتيال النائب العام هشام بركات، التي تعد من أخطر القضايا الإرهابية في مصر خلال السنوات الأخيرة.
ووفق الأحكام القضائية المصرية، صدرت بحق فتحي أحكام بالسجن في قضايا متعددة إلى جانب حكم الإعدام، ليصبح أحد أبرز المطلوبين أمنياً وقضائياً.
تركيا.. محطة الهروب والنفوذ
بعد خروجه من مصر، استقر محمود فتحي في تركيا، حيث ارتبط اسمه بعدد من الشخصيات المقربة من دوائر الحكم آنذاك، من بينها المستشار السابق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ياسين أقطاي، الذي عُرف بعلاقاته مع قيادات من جماعة الإخوان المسلمين.
كما ارتبط اسم فتحي بتقارير تحدثت عن انتقال عدد من العناصر المصرية المنتمية إلى تيارات إسلامية متشددة إلى شمال سوريا خلال سنوات الصراع، للمشاركة ضمن تشكيلات سورية مدعومة من تركيا في عمليات عسكرية مثل “غصن الزيتون” و”نبع السلام”.
ويكتسب الملف بعداً سياسياً إضافياً بالنظر إلى الجدل الذي أثارته صورة جرى تداولها على نطاق واسع في كانون الأول/ ديسمبر 2024، ظهر فيها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى جانب محمود فتحي وياسين أقطاي، خلال لقاء داخل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقد أثارت الصورة آنذاك موجة واسعة من التساؤلات، خصوصاً في الأوساط المصرية، بسبب وجود شخص مطلوب للقضاء المصري ومحكوم بالإعدام إلى جانب الرئيس السوري الانتقالي، غير أن الرئاسة السورية لم تصدر في ذلك الوقت توضيحاً رسمياً بشأن طبيعة اللقاء أو صفته.
أبعاد إقليمية
رغم ذلك، فإن الصورة عكست طبيعة البيئة السياسية المعقدة التي رافقت المرحلة الانتقالية في سوريا، حيث تداخلت شخصيات تنتمي إلى خلفيات إسلامية وسياسية مختلفة مع الوفود الزائرة ودوائر النفوذ الإقليمية، خاصة تلك المرتبطة بتركيا.
كما أعادت الصورة إلى الواجهة النقاش حول مستقبل سوريا بعد سقوط النظام السابق، وما إذا كانت البلاد ستتحول إلى ساحة تستقطب شخصيات مطلوبة في دول أخرى، وهو ما نفته السلطات السورية الجديدة مراراً بتأكيدها التزامها بإقامة علاقات قائمة على احترام القانون والتعاون مع الدول العربية.

من شأن توقيف محمود فتحي، عند تأكيده رسمياً في الساعات المقبلة، أن يمثل ضربة جديدة لشبكات القيادات الإرهابية والإخوانية الهاربة التي اعتمدت خلال السنوات الماضية على التنقل بين أكثر من دولة للهروب من الملاحقة القضائية، كما سيعزز مسار التعاون الأمني بين القاهرة وطرابلس في مواجهة التنظيمات المتطرفة، ذلك بعد أن تحولت ليبيا خلال العقد الماضي إلى إحدى ساحات اختباء عدد من المطلوبين إقليميًا، قبل أن تتزايد عمليات التنسيق الأمني بين دول المنطقة لاستعادتهم.
وحتى الآن، يبقى الإعلان الرسمي من السلطات الليبية أو المصرية العامل الحاسم لتأكيد عملية القبض وتحديد مسارها القانوني، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الملف يتجه نحو إنهاء واحدة من أبرز قضايا الهاربين المطلوبين للعدالة المصرية.
وفي حال تسليم محمود فتحي إلى القاهرة، فإن القضية لن تقتصر على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحقه، بل ستعيد أيضاً تسليط الضوء على شبكات الدعم والتحركات الإقليمية التي استفادت منها شخصيات مطلوبة خلال السنوات الماضية، وعلى العلاقات التي نسجتها تلك الشخصيات داخل بؤر الصراع في المنطقة، وفي مقدمتها سوريا، بما يجعل القضية ذات أبعاد تتجاوز الإطار الأمني المحلي إلى مشهد إقليمي أكثر تعقيداً.
- خسائر ونفوق في قطاع الدواجن.. مطالب بضبط الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي
- مؤتمر دولي للابتكار في الرعاية الصحية والبحث العلمي بجامعة دمشق
- خطة الحسم.. ما هي استراتيجية واشنطن الجديدة حيال إيران لإنهاء الحرب؟
- أكثر من 300 معلم في ريف حماة مهددون بفقدان وظائفهم.. ما الأسباب؟
- موفق طريف يطالب الأمم المتحدة بالتدخل لفك ما وصفه بـ”الحصار” عن السويداء

