ترامب يراهن على سوريا لتقليص نفوذ إيران.. هل تصبح بديلاً عن مضيق هرمز؟

ترامب والشرع

في خضم التصعيد المتواصل بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافقه من اضطراب متكرر في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تطرح صحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية رؤية تعتبر أن التقارب المتسارع بين واشنطن ودمشق قد يتجاوز أبعاده السياسية ليصبح جزءًا من استراتيجية أميركية أوسع لإعادة رسم خريطة نقل الطاقة في الشرق الأوسط.

وترى الصحيفة، في مقال للكاتبة صوفيا يان بعنوان “سوريا تمنح ترامب وسيلة لتجاوز مضيق هرمز“، أن الرهان الأميركي على سوريا لا يقتصر على إعادة دمجها في الاقتصاد العالمي، بل يمتد إلى توظيف موقعها الجغرافي كبديل محتمل يقلص النفوذ الذي تمارسه إيران عبر المضيق، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

رهان يتجاوز إعادة الإعمار

تربط الكاتبة هذا الطرح باللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، والذي جاء في توقيت بالغ الحساسية بعد إعلان ترامب انتهاء وقف إطلاق النار مع إيران، واتهامه طهران بأنها “أضاعت فرصة السلام”.

وتلفت إلى أن الرئيس الأميركي أعلن خلال اللقاء عزمه إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تأتي بعد قرار سابق برفع العقوبات الاقتصادية عنها، معتبرة أن هذه الإجراءات تمهد الطريق أمام الشركات الأميركية لدخول السوق السورية، خاصة في قطاعات النفط والغاز والكهرباء والخدمات المصرفية، بدعم من دليل استثماري أعدته الإدارة الأميركية يحدد الفرص المتاحة أمام المستثمرين وفق القطاعات المختلفة.

لقاء الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع ونظيره الأميركي ترامب على هامش قمة الناتو بأنقرة- إنترنت

وتنقل “ديلي تلغراف” عن ترامب قوله للرئيس السوري: “لدينا شركات أميركية مستعدة للاستثمار في سوريا، والمساهمة في جعل بلدكم أعظم وأكثر ازدهارًا من أي وقت مضى”، معتبرة أن هذا التصريح يعكس رؤية تتجاوز إعادة الإعمار إلى بناء شراكة اقتصادية قد تمنح واشنطن أدوات جديدة للتعامل مع التحديات الجيوسياسية في المنطقة، وفي مقدمتها أمن إمدادات الطاقة.

وبحسب الصحيفة، فإن العامل الحاسم في هذا الرهان يتمثل في الموقع الجغرافي لسوريا، إذ تمتلك شريطًا ساحليًا على البحر الأبيض المتوسط بطول يقارب 120 ميلاً، كما ترتبط بريًا بدول تعد من أكبر منتجي النفط والغاز في الشرق الأوسط.

سوريا كممر بديل للطاقة

ترى الكاتبة أن هذه الخصائص تجعل من سوريا ممرًا طبيعيًا لخطوط أنابيب أو طرق نقل برية تصل النفط والغاز الخليجي بموانئ بانياس واللاذقية، قبل إعادة شحنهما إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما قد يتيح للدول المنتجة تجاوز الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة نقطة ضغط استراتيجية تستخدمها إيران في أوقات التوتر الإقليمي.

وتشير “ديلي تلغراف” إلى أن مشاريع لربط كبار منتجي الطاقة في الخليج، ومن بينهم السعودية وقطر، بالموانئ السورية تخضع بالفعل للدراسة، وتنقل في هذا السياق عن مؤيد البني، كبير المحللين في شركة “كرم شعار للاستشارات” والمتخصص في الاقتصاد السوري، قوله إن سوريا، من الناحية الجغرافية البحتة، قد تمثل بالفعل بديلاً لمضيق هرمز إذا جرى تجاوز عوامل المخاطر الأمنية والسياسية.

 لكنه يضيف أن تنفيذ هذا السيناريو ليس بالبساطة التي قد تبدو عليها التصريحات السياسية، سواء من جانب الإدارة الأميركية أو الحكومة السورية، مؤكداً أن الفرصة قائمة لكنها مشروطة بتوافر ظروف معقدة تتجاوز الجغرافيا وحدها.

الفرصة تصطدم بعقبات كبيرة

ترى الصحيفة أن سوريا تمتلك كذلك مقومات تؤهلها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، مستندة إلى امتلاكها احتياطيات نفطية مؤكدة تقدر بنحو 2.5 مليار برميل، فيما تشير بعض التقديرات إلى إمكانية وصولها إلى نحو 27 مليار برميل إذا أُخذت الموارد البحرية المحتملة في الحسبان.

كما تذكّر بأن استخدام الأراضي السورية لنقل النفط ليس فكرة جديدة، إذ ينقل العراق بالفعل نحو 200 ألف برميل يوميًا بالشاحنات عبر سوريا، وإن كانت هذه الكميات لا تزال بعيدة عن مستويات الصادرات التي كانت تمر عبر الموانئ قبل اندلاع الحرب السورية.

إغلاق إيران مضيق هرمز- إنترنت

ومع ذلك، تؤكد الكاتبة أن هذا الطموح يصطدم بجملة من العقبات التي تجعل تحويل سوريا إلى ممر رئيسي للطاقة مشروعًا طويل الأمد، فمن الناحية الأمنية، لا تزال جماعات مسلحة تنشط في بعض المناطق، وهو ما قد يهدد سلامة خطوط النقل والمنشآت، كما تعاني البلاد من ضعف البنية التحتية المالية والمصرفية، فضلاً عن تعقيدات ترتبت على سنوات طويلة من العقوبات، الأمر الذي يجعل تنفيذ المعاملات الدولية وتتبع المدفوعات أكثر صعوبة بالنسبة للمستثمرين والشركات العالمية.

 وإلى جانب ذلك، تضيف الصحيفة أن استمرار الوجود العسكري والتجاري الروسي داخل سوريا يفرض معادلات سياسية إضافية على أي مشروع استراتيجي بهذا الحجم.

هرمز هو الدافع الحقيقي

تخلص “ديلي تلغراف” إلى أن التحدي الأكبر لا يتعلق بالبنية التحتية أو الأمن فحسب، بل بطبيعة التحولات الجيوسياسية التي يتطلبها نجاح مثل هذا المشروع.

وتنقل في ختام المقال عن مؤيد البني قوله إن دول الخليج قد تتردد في منح سوريا دورًا مؤثرًا إلى هذا الحد في منظومة تصدير نفطها، موضحًا أن الدافع الحقيقي وراء إعادة طرح هذا الخيار ليس جاذبية السوق السورية بحد ذاتها، وإنما المخاطر المتزايدة التي تحيط بمضيق هرمز، والتي تدفع المنتجين والمستهلكين على السواء إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر استقرارًا.

وبهذا المعنى، ترى الصحيفة أن مستقبل سوريا الاقتصادي قد يصبح مرتبطًا، بدرجة كبيرة، بمستقبل أمن الطاقة العالمي وبقدرة القوى الإقليمية والدولية على إعادة تشكيل خرائط النفوذ والنقل في الشرق الأوسط.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم