مطار المزة إلى الاستخدام المدني.. أسئلة حول المقابر الجماعية وحقوق الملكية المصادرة

اثارت خطة الحكومة السورية لإعادة تصنيف مطار المزة العسكري في دمشق وتحويله إلى مطار مدني مخاوف تتعلق بملفين حساسين يرتبطان بإرث العقود الماضية وهما مصير مواقع يشتبه في احتوائها على رفات معتقلين، وحقوق ملكية أراضٍ يقول سكان إن النظام السابق صادرها لبناء المطار.

وبحسب تقرير نشرته وكالة الأنباء السورية “سانا” الأسبوع الماضي، تستعد الهيئة العامة للطيران المدني لإعادة تصنيف المطار، على أن يكون مكملاً لمطار دمشق الدولي، فيما بدأت أعمال إزالة الركام وتحديث البنية التحتية.

لكن أعمال التطوير تثير مخاوف حقوقية من احتمال المساس بمواقع يعتقد أنها تضم مقابر جماعية، إلى جانب اعتراضات من سكان يطالبون بحقوقهم في الأراضي التي أُقيمت عليها منشآت المطار.

ويضع المشروع الحكومة السورية أمام اختبار يتعلق بكيفية الموازنة بين إعادة استخدام المنشآت العامة وجذب الاستثمارات، وبين معالجة ملفات مرتبطة بالإرث الأمني لنظام بشار الأسد وحقوق الملكية التي تعود إلى عقود.

وثائق عن إعدامات داخل المطار

كان مطار المزة خلال حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد أحد المواقع المرتبطة بالمنظومة الأمنية السورية، إذ ضم فروعاً للمخابرات الجوية ومرافق احتجاز، إلى جانب استخدام أجزاء منه للرحلات الرئاسية والرسمية.

مروحية محترقة بعد استهداف إسرائيلي لمستودعات أسلحة بالقرب من مطار المزة العسكري (أرشيفية، أ ف ب).

وتكشف وثائق تابعة للمخابرات الجوية حصل عليها “المركز السوري للعدالة والمساءلة” وأطلعت عليها “رويترز”، أن مسؤولين عسكريين سوريين وافقوا عام 2012 على استخدام المطار موقعاً لتنفيذ أحكام إعدام بحق معتقلين صدرت بحقهم أحكام من محاكم ميدانية عسكرية.

وتشير إحدى الوثائق إلى مقترح لنقل تنفيذ أحكام الإعدام من سجن صيدنايا إلى المزة، باعتباره “مجمعاً أمنياً مغلقاً” قريباً من دمشق.

وتظهر مراسلات لاحقة بحث استخدام ميدان للرماية، ثم حظيرة طائرات قرب المدرج، لتنفيذ عمليات الإعدام، مع توجيهات بإقامة منصة داخل إحدى الحظائر وتوفير حبال من النايلون، على أن تتم الأعمال بإشراف المخابرات الجوية وبسرية مشددة.

وبحسب تحقيق أجراه “المركز السوري للعدالة والمساءلة” عام 2025، حدد المركز موقعين داخل المطار يُشتبه في أنهما مقبرتان مرتبطتان بأشخاص توفوا أثناء احتجازهم في المزة.

وقال المركز إن أكثر من 1150 معتقلاً توفوا في المطار، بعضهم نتيجة الإعدام، وآخرون بسبب التعذيب أو سوء المعاملة.

وفي تموز/يوليو 2025، أرسل المركز إلى “الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا” إحداثيات الموقعين، مطالباً بوقف أعمال البناء أو الحفر فيها إلى حين استكمال التحقيقات.

وقال المركز لـ”رويترز” إن الهيئة أبلغته حينها بعدم وجود خطط لأعمال بناء أو إعادة تطوير في المطار.

لكن بعد ظهور خطط إعادة التطوير، عاد المركز في 8 أيلول/سبتمبر الحالي إلى مخاطبة الهيئة، محذراً من أن أعمال الحفر وإزالة الأنقاض يمكن أن تلحق الضرر بالرفات البشرية أو الأدلة التي قد تساعد في تحديد هويات القتلى. وقال المركز إنه لم يتلق رداً على رسالته الثانية.

مخاوف على الأدلة والرفات

يقول عاملون في مجال توثيق السجون السورية إن أهمية الموقع لا ترتبط فقط باحتمال وجود رفات بشرية، وإنما أيضاً بما يمكن أن تحتويه المواقع على أدلة تساعد في تحديد مصير المفقودين.

وقال عامر مطر، مؤسس “متحف سجون سوريا”، لـ”رويترز”، إن تنفيذ مشروع تجاري في موقع قد يحتوي على مقابر جماعية من دون إجراء تحقيق شامل وحماية الموقع والحفاظ على الأدلة، يمثل تجاهلاً للعائلات التي لا تزال تبحث عن مصير أقاربها.

في المقابل، نقلت “سانا” عن متحدث باسم هيئة الطيران المدني أن تطوير المطار سيأخذ في الاعتبار المحيط العمراني والاعتبارات القانونية والاجتماعية المرتبطة بالموقع، من دون الإشارة بشكل محدد إلى المواقع التي يُشتبه في أنها مقابر جماعية. ولم تتضح الجهة التي ستتولى تنفيذ مشروع التطوير.

أراضٍ يطالب أصحابها باستعادتها

لا تقتصر الإشكالية على ملف المعتقلين والمفقودين، إذ يواجه مشروع تطوير المطار أيضاً مطالبات تتعلق بملكية الأراضي التي أقيمت عليها منشآته.

مدرج الطائرات يظهر من غرفة التحكم في برج مراقبة بمطار المزة العسكري – رويترز

وبحسب سجلات أراضٍ صادرة عن بلدية المعضمية واطلعت عليها “رويترز”، أُقيم مطار المزة على مساحة تبلغ نحو 2.76 كيلومتر مربع من أراضٍ كانت مملوكة لمئات المواطنين.

وقال مسؤول سابق في البلدية للوكالة إن مراسيم المصادرة استخدمت لتبرير سيطرة الحكومة على الأراضي عند إنشاء المطار عام 1956، مشيراً إلى أن أصحابها لم يحصلوا على تعويضات.

وتظاهر سكان في المعضمية بعد يوم من الإعلان عن خطط إعادة تطوير المطار، مطالبين بمعالجة حقوقهم في الأراضي.

وقال أحد منظمي الاحتجاج، الذي عرف نفسه باسم أبو خالد، إن السكان لا يعارضون الاستثمار، لكنهم يريدون التفاوض بشأن حقوقهم في الأراضي مع الجهة المستثمرة، مؤكداً أن لديهم وثائق تثبت ملكيتهم.

تأتي هذه المطالبات في وقت تواجه فيه الحكومة السورية ملفاً أوسع يتعلق بالممتلكات التي صودرت خلال العقود السابقة، وفي 2 أيلول/سبتمبر، دعا خبراء أمميون في مجال حقوق الأراضي الحكومة السورية إلى تعليق وإلغاء قوانين قالوا إنها سمحت بمصادرة الممتلكات بصورة منهجية خلال عهد الأسد.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم