مع تعثر المفاوضات.. هل تشن إسرائيل هجوماً منفرداً على إيران وأذرعها بدعم أميركي؟

في ظل التوترات العسكرية في المنطقة، تتزايد المؤشرات على احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، في وقت تحاول فيه واشنطن تجنب الانخراط في حرب جديدة قبيل انتخابات التجديد النصفي، بينما تواصل طهران إعادة بناء قدراتها العسكرية وتتمسك بأوراقها التفاوضية.

وبين الاستعدادات الأميركية لخيارات عسكرية جديدة، والتحذيرات الإسرائيلية من تحركات إيران وأذرعها الإقليمية، يبرز سيناريو شنّ إسرائيل هجوماً منفرداً بدعم أميركي، عبر ضربات تستهدف إضعاف القدرات الإيرانية من دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب واسعة وكبيرة.

لكن هنا ثمة تساؤل يجب أن نطرحه: هل تتجه واشنطن وتل أبيب فعلاً نحو هذا الخيار، أم أن التلويح بالتصعيد جزء من الضغط على طهران في المفاوضات التي بات جلياً أنها وصلت إلى طريق مسدود؟

“أميركا تطلب من إسرائيل الهجوم”!

نقل الصحفي الإسرائيلي بن كاسبيت، في مقال بصحيفة “معاريف”، عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله إن الموقف الأميركي من مهاجمة إيران يتغير بين الحين والآخر، أي بين الاستعداد للهجوم والتراجع عنه إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، مضيفاً: “من المستحيل معرفة ما سيحدث بالفعل”.

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم أمس الأحد، تهديداته لإيران، محذراً من استئناف الضربات إذا لم تغيّر طهران نهجها سريعاً. “وكالات”

ووفقاً لتقرير نشرته “معاريف” في 10 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، فإن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل تنفيذ هجوم منفرد على إيران خلال المحادثات التي جرت بين الطرفين على مدى الأسبوعين السابقين، في محاولة لتحميل إسرائيل المخاطر السياسية والعسكرية للعملية، وتجنب التداعيات المحتملة على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي.

لكن هذه الرواية لم تحظ بتأكيد أميركي أو إسرائيلي رسمي، إذ نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” عن مسؤولين أميركيين اثنين ومسؤول إسرائيلي واحد نفيهم أن تكون واشنطن قد طلبت من إسرائيل شنّ هجوم على إيران قبل الانتخابات. ويعكس هذا التباين غموض المداولات بين الطرفين، وصعوبة الجزم بطبيعة الخيارات التي تدرسها الإدارة الأميركية، أو مدى استعدادها لتحميل إسرائيل مسؤولية أي مواجهة جديدة.

في الوقت نفسه، تتحدث تقارير عن استعدادات أميركية لاحتمال استئناف الحرب ضد إيران خلال الأسابيع المقبلة. ووفقاً لتقرير نشره موقع “أكسيوس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وجّه “البنتاغون” القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إلى استكمال التحضيرات لعمليات عسكرية محتملة، من دون تحديد موعد لبدء العملية أو الإعلان عن اتخاذ قرار نهائي بشأنها.

وتشير التقارير إلى أن أي هجوم محتمل قد يكون مكثفاً وقصير المدة، ويستهدف منشآت في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والبرنامج النووي الإيراني.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فلا يبدو أنه يستبعد المواجهة العسكرية مع إيران على المدى الأبعد، لكنه أبدى تحفظاً على شنّ هجوم استباقي في التوقيت الحالي. ففي مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، الأربعاء 14 تشرين الأول/أكتوبر، حذّر نتنياهو من أن “أعداء إسرائيل يسعون إلى مهاجمتها خلال الأيام الحالية”، مشيراً إلى أن أذرع إيران قد تلجأ إلى إطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات هجومية.

ومع ذلك، قال نتنياهو إن توقيت شنّ هجوم استباقي على طهران قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر غير مناسب، مضيفاً أن ذلك “ليس جيداً” لإسرائيل في الوقت الراهن. وفي المقابل، أكد أنه يسعى خلال العامين المقبلين إلى القضاء على “حماس” و”حزب الله” وإسقاط النظام الإيراني.

وتكشف هذه التصريحات عن معادلة إسرائيلية تجمع بين التلويح بمواصلة المواجهة مع إيران وحلفائها، والتحفظ على فتح جبهة واسعة في توقيت قد تترتب عليه تكاليف سياسية وعسكرية داخلية.

لماذا الآن؟

يرتبط الحديث عن احتمال استئناف الهجمات بتطورات عسكرية واستخباراتية تتعلق بإيران، نُشر بعضها في وسائل إعلام أجنبية، وتشمل استعادة طهران قدراتها الإنتاجية في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، إلى جانب استمرار المخاوف بشأن برنامجها النووي، بما في ذلك الجهود المرتبطة بمنشأة جبل الفأس للتخصيب المحتمل في المستقبل، وإعادة تأهيل مواقع سبق أن تعرضت لهجمات إسرائيلية.

وأفادت وكالة “بلومبرغ” للأنباء بأن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، وفق تقديرات مسؤولين غربيين مطّلعين على قدراتها العسكرية.

وبحسب هذه التقديرات، تحتفظ طهران بمخزون كبير من الصواريخ والأسلحة المضادة للسفن، مع إمكان زيادة ترسانتها في حال استئناف القتال. وأشار أحد المسؤولين الغربيين إلى أن روسيا تزوّد إيران بالصواريخ، في تطور لافت في التعاون العسكري بين البلدين. وفي الوقت نفسه، تتحدث تقارير عن استعدادات إيرانية لاحتمال تجدد الحرب، وتعزيز مواقع استراتيجية، بما في ذلك منشآت نووية ومناطق حدودية.

كما ألمح مسؤولون إيرانيون إلى إمكانية توسيع نطاق المواجهة لتشمل أهدافاً في دول مجاورة، إلى جانب منشآت استراتيجية وبنى تحتية إقليمية، بينها مزارع الخوادم وكابلات الإنترنت البحرية.

ويأتي ذلك في سياق تصعيد إقليمي يتجاوز الأراضي الإيرانية، مع استمرار الهجمات “الحوثية” على السعودية. ففي 10 تشرين الأول/أكتوبر، استهدف هجوم مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وأسفر وفق “رويترز” عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين. ويعزز ذلك المخاوف من اتساع نطاق الهجمات “الحوثية” إلى البنى التحتية الحيوية والمرافق المدنية في السعودية وحتى دول خليجية أخرى.

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن إيران كانت تمتلك نحو 2500 صاروخ باليستي قبل الحرب، بينما قدّرت معلومات استخباراتية غربية في حزيران/يونيو الماضي أنها احتفظت بنحو 75% من مخزون أسلحتها مقارنة بما كان لديها قبل الحرب. ولا يزال الحجم الفعلي لترسانتها المتبقية غير واضح، وسط تقديرات تفيد بأن توقف التصعيد العسكري حالياً أدى لإعادة بناء قدراتها.

وتعكس هذه التطورات تباين التقديرات بشأن حجم القدرات العسكرية الإيرانية المتبقية وسرعة إعادة بنائها، ففي حين يرى مسؤولون غربيون أن طهران ما زالت قادرة على تجديد ترسانتها، تؤكد الإدارة الأميركية أن الضربات السابقة أضعفت قدراتها بصورة كبيرة.

وفي تطور يعكس اتساع الخيارات العسكرية التي تدرسها واشنطن، أفادت شبكة “سي إن إن” الأميركية، في تقرير قبل نحو يومين، بأن الجيش الأميركي وضع خططاً قد تشمل استخدام قنبلة “جي بي يو-43/بي”، المعروفة باسم “أم القنابل”، لاستهداف منشآت الطاقة والمواقع النووية الإيرانية إذا أمر الرئيس دونالد ترامب باستئناف العمليات القتالية.

هجمات إيرانية سابقة على دول الخليج. “وكالات”

ونقلت الشبكة عن مسؤولين أميركيين أن الجيش يواصل تقديم خيارات عسكرية إضافية للرئيس، وأن الخطط المطروحة تشمل استهداف بنى تحتية واسعة، إلى جانب مواقع نووية إيرانية. ويعد استخدام هذه القنبلة، وهي أكبر الأسلحة غير النووية في الترسانة الأميركية، تصعيداً محتملاً في طبيعة العمليات العسكرية.

لكن التقرير لا يعني أن ترامب اتخذ قراراً باستخدام القنبلة، بل يشير إلى أن الخيار مطروح ضمن خطط عسكرية محتملة، في حال تقرر استئناف القتال.

المفاوضات والطريق المسدود

أحد الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن: هل تتخذ واشنطن وتل أبيب خطوة الهجوم على إيران، بما لذلك من تداعيات على إفشال المفاوضات، التي لم تكن طهران جادة فيها أصلاً؟ الإجابة التي قد يستخلصها القادة في واشنطن وتل أبيب من مسار المواجهة هي أن الضغط على إيران لم يؤدِّ إلى تراجع واضح في مواقفها. فالقيادة في طهران متمسكة بمواقفها، ولا تُبدي حتى الآن، استعداداً للتخلي عن شروطها التفاوضية، وسط اتهامات لها بالمراوغة للتملص من التزاماتها، أو الموافقة على اتفاقات مؤقتة بهدف وقف التصعيد العسكري، ثم إعادة بناء قدراتها العسكرية والتملص من تلك الاتفاقات، وفقاً لعدد من الآراء.

ويتمثل الفارق بين طهران وترامب في حسابات الوقت والكلفة السياسية، فالإيرانيون قد يراهنون على قدرتهم على الصمود وإطالة أمد المفاوضات، خاصة في ظل الدعم الصيني والروسي، ولا سيما الصيني، وفقاً لعدة تقارير غربية نشرت مؤخراً. في المقابل، لا يرغب ترامب في أن تبقى الحرب في صميم الأجندة الأميركية خلال النصف الثاني من ولايته، ولا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

ومع ذلك، فإن تصاعد الضغط الأميركي على إيران يزيد احتمالات اللجوء مجدداً إلى الخيارات العسكرية، وإن لم يكن ذلك يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة.

تصعيد عسكري جديد

يبدو أن الأميركيين يريدون تجنب تحمل الكلفة السياسية المباشرة لهجوم جديد على إيران، في وقت يواجه فيه ترامب استحقاق الانتخابات النصفية. لكن هذا لا يعني أن واشنطن ستتخلى عن استخدام القوة، بل قد يدفعها إلى البحث عن خيارات عسكرية أقل كلفة من الانخراط المباشر في حرب واسعة.

وفي هذا السياق، يمكن تصور سيناريو يتمثل في تنفيذ إسرائيل هجمات منفردة ضد أهداف إيرانية، بدعم أميركي سياسي واستخباراتي ولوجيستي وتنفيذ ضربات نوعية ودقيقة أو من خلال توفير معلومات الاستهداف والدعم الدفاعي.

وقد لا تقتصر العمليات الإسرائيلية المحتملة على ضربات جوية واسعة، بل يمكن أن تشمل عمليات نوعية محددة ضد منشآت عسكرية أو مخازن أسلحة أو بنى مرتبطة بإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن استهداف شبكات الإمداد والقيادات العسكرية المرتبطة بإيران وأذرعها الإقليمية. وقد تتيح هذه المقاربة لإسرائيل محاولة إضعاف القدرات الإيرانية وشبكات نفوذها من دون الانخراط بالضرورة في حرب مفتوحة وطويلة الأمد.

وفي مؤشر آخر على استمرار التلويح بالخيار العسكري، جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم أمس الأحد، تهديداته لإيران، محذراً من استئناف الضربات إذا لم تغيّر طهران نهجها سريعاً. وقال في منشور على منصته “تروث سوشيال” إن إيران تعرضت لضربات قاصمة، مضيفاً: “إذا لم تغيّر نهجها وبسرعة فسنكمل المهمة قريباً”.

كما أعلن ترامب دعمه الكامل لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مساعيه لإعادة انتخابه، معتبراً أن خسارته الانتخابات قد تدفع الولايات المتحدة إلى تولي المهمة ضد إيران بنفسها. من جهته، شكر نتنياهو ترامب على دعمه، قائلاً: “معاً سنُنجز المهمة!”.

وتزيد هذه التصريحات من احتمالات العودة إلى الخيار العسكري بهدف الحد من السلوك الإيراني العدائي في المنطقة وتقليص نفوذ أذرع طهران. وبالتالي، فإن استمرار إيران في التمسك بسياساتها التصعيدية واستخدام أذرعها الإقليمية لتهديد أمن المنطقة وممراتها الحيوية يضيّق هامش الحلول الدبلوماسية، ويزيد احتمالات اللجوء إلى القوة. فشبكة الفصائل المرتبطة بطهران، من “الحوثيين” في اليمن إلى الجماعات المسلحة في العراق، باتت أوراق ضغط تستخدمها إيران لتوسيع المواجهة ورفع كلفتها على خصومها.

ولذلك، فإن أي مسار يهدف إلى إنهاء التهديدات الإيرانية لا يمكن أن يقتصر على البرنامج النووي، بل يتطلب معالجة دور هذه الأذرع وقدرتها على زعزعة استقرار المنطقة، بما يحدّ من توظيف السلاح خارج إطار الدولة، ويفتح المجال أمام استعادة الأمن والسيادة في الدول التي تحولت إلى ساحات للصراع بالوكالة والميليشيات المدعومة من طهران.

سارة شريف

سارة شريف

مُحللة شؤون خارجية وباحثة دكتوراه في الإعلام السياسي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم