حذرت “هيومن رايتس ووتش” من أن مشاريع إعادة الإعمار في سوريا تمضي في ظل غياب إطار قانوني يضمن مشاركة المجتمعات المتضررة في القرارات المتعلقة بمنازلها وأراضيها وأحيائها، معتبرة أن ذلك يهدد حقوق السكان، خصوصاً مع استمرار نزاعات الملكية وعودة ملايين السوريين إلى مناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
وقالت المنظمة، في تقرير نشرته اليوم الأحد، إن الحكومة الانتقالية السورية وقعت صفقات وأعلنت عن مشاريع بمليارات الدولارات، بينما لا تلزم الأطر القانونية الناظمة لإعادة الإعمار الحكومة أو المطورين بالتشاور مع السكان المتضررين قبل الموافقة على المشاريع.
وأضافت أن عملية إعادة الإعمار تحتاج إلى ضمانات تتيح للسكان المشاركة في القرارات التي تؤثر في منازلهم وأراضيهم، والتفاوض على شروط التعويض بدلاً من فرضها، إلى جانب إنشاء آلية مستقلة تمكن المتضررين من الطعن في القرارات المتعلقة بممتلكاتهم.
قرارات إعادة الإعمار من دون السكان
استندت “هيومن رايتس ووتش” إلى بحث ميداني أجرته في سوريا خلال أيار/ مايو من العام الجاري، شمل مقابلات مع سكان في قرية غدفة بريف إدلب عادوا من مخيمات النزوح، إضافة إلى ناشط يطالب بإلغاء المرسوم 66 واستعادة حقوق الملكية في مشروع “ماروتا سيتي” بدمشق.

كما راجعت المنظمة وثائق وبيانات حكومية سورية وتقارير صادرة عن البنك الدولي والمنظمات الإنسانية والأممية، إلى جانب دراسة لـ “مبادرة الإصلاح العربي” استندت إلى 45 مقابلة مع سكان وفاعلين في المجتمع المدني ومسؤولين ومستثمرين بين تموز/ يوليو 2024 وأيار/ مايو 2026.
وخلصت المبادرة، بحسب التقرير، إلى أن قرارات إعادة الإعمار تتخذ من دون مشاركة مجدية للمجتمعات المحلية أو معايير واضحة للتعويض أو آليات تظلم يسهل الوصول إليها. وقالت إن مشاريع أُعلن عنها في حمص وحلب ودمشق من دون تشاور مسبق أثارت احتجاجات وتراجعات جزئية وزادت انعدام الثقة بالسلطات.
وتشير “مبادرة الإصلاح العربي” إلى أن السلطات الانتقالية وضعت الاستثمار في صلب أجندة إعادة الإعمار، فيما اتخذت بعض القرارات ضمن دوائر رسمية وتجارية ضيقة قبل إشراك المجتمعات المتضررة بصورة مجدية.
وتأتي هذه المخاوف فيما تقدر احتياجات إعادة إعمار الأصول المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وفق تقييم للبنك الدولي، الذي قدر الأضرار المادية الناجمة عن الحرب بنحو 108 مليارات دولار.
الملكية والتعويض في صلب الخلاف
وترى “هيومن رايتس ووتش” أن غياب المشاركة لا ينفصل عن واحدة من أكثر قضايا إعادة الإعمار تعقيداً، وهي حقوق السكن والأراضي والملكية.
وفي دمشق، أشارت المنظمة إلى استمرار الجدل حول المرسوم 66 الصادر عام 2012، والذي أتاح إنشاء مناطق لإعادة التطوير، وبينها “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”. وقالت إن الحكومة الانتقالية لم تلغِ المرسوم، وإن المشاريع التي أتاحها ما تزال تُسوّق للمستثمرين، رغم تشكيل لجنة رئاسية في كانون الأول/ ديسمبر 2025 لمراجعة إجراءاته وصدور بعض قرارات التعويض في أيار/ مايو 2026.
كما أشارت إلى القانون رقم 10 لعام 2018، الذي وسع نموذج المرسوم 66 إلى مناطق أخرى في سوريا، وقالت إن متطلبات إثبات الملكية التي فرضها أثرت بشكل غير متناسب على النازحين بسبب صعوبة وصولهم إلى الوثائق.
وفي جوبر، حيث تشير بيانات “تقرير سوريا” إلى تدمير نحو 95% من المباني، قالت المنظمة إن السلطات أبلغت السكان بعدم قدرتهم على إعادة البناء بصورة فردية، وإن مشروعاً مقترحاً لإعادة إعمار المنطقة يتضمن حصول أصحاب المنازل السابقين على وحدات جديدة تعادل 50% من المساحة الطابقية لمنازلهم السابقة.
وبحسب التقرير، يحصل سكان العشوائيات في المشروع المقترح على 30% من مساحة أراضيهم من دون احتساب المنشآت المقامة عليها، بينما لا يحصل المستأجرون على تعويض.
وترى المنظمة أن معالجة هذه القضايا قبل إطلاق مشاريع إعادة الإعمار ضرورية لمنع تحول العملية إلى مصدر جديد للنزاعات حول الملكية، خصوصاً أن ملايين السوريين نزحوا خلال الحرب وفقد كثير منهم الوثائق أو القدرة على الوصول إلى سجلات الملكية.
العودة لا تعني بالضرورة حياة قابلة للاستمرار
يربط التقرير بين مشاركة السكان في إعادة الإعمار وبين ظروف عودة النازحين واللاجئين، محذراً من أن العودة إلى مناطق مدمرة تفتقر إلى الخدمات لا تحقق، بمفردها، شروط العودة الآمنة والكريمة.

وبحسب لجنة الإنقاذ الدولية، عاد أكثر من 3.5 مليون لاجئ ونازح سوري إلى مجتمعاتهم منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، إلا أن المنظمة أشارت إلى أن بعض عمليات العودة لم تكن طوعية بالكامل، إذ دفعت ظروف النزوح الصعبة، وتراجع المساعدات، وارتفاع تكاليف الإيجار، وهشاشة الوضع القانوني، بعض السكان إلى العودة.
وفي غدفة بريف إدلب، قالت “هيومن رايتس ووتش” إن السكان الذين قابلتهم عادوا ليجدوا مناطقهم من دون مياه جارية أو شبكة كهرباء عاملة أو مرافق صرف صحي ملائمة أو مدارس عاملة أو خدمات طبية قريبة.
وقال رئيس المجلس البلدي في غدفة، وفق التقرير، إن القرية كانت تضم قبل الحرب نحو 8,500 نسمة وخمس مدارس على الأقل ومستشفى يخدم المنطقة، بينما يعيش فيها حالياً نحو 13 ألف شخص، في وقت لا تملك فيه سوى سبعة منازل من أصل نحو 1,500 أسقفاً إسمنتية.
وأشار التقرير إلى أن بعض السكان يعيشون في خيام أقيمت فوق أنقاض منازلهم أو في مبانٍ متضررة، فيما يعتمد آخرون على شراء المياه بالصهاريج واستخدام ألواح الطاقة الشمسية في ظل غياب شبكة كهرباء عاملة.
وتعتبر المنظمة أن توفير المياه والكهرباء والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية في مناطق العودة يجب ألا يُؤجل إلى مرحلة لاحقة من إعادة الإعمار، بل يجب التعامل معه كجزء من الالتزامات الأساسية تجاه السكان.
غياب آلية مستقلة للطعن
ولا تقتصر المشكلة، بحسب التقرير، على عدم إشراك السكان في اتخاذ القرار، إذ تقول “هيومن رايتس ووتش” إنه لا توجد في سوريا حتى الآن آلية مستقلة ومتخصصة تتيح للمجتمعات المتضررة الاعتراض على قرارات إعادة الإعمار المتعلقة بمنازلها وأراضيها وأحيائها.
وأضافت أن السكان يلجؤون، في ظل غياب هذه الآلية، إلى الاحتجاج والضغط عبر وسائل التواصل الاجتماعي والوساطة السياسية.
وفي حالة “ماروتا سيتي”، نقلت المنظمة عن ناشط قابلته في حزيران/ يونيو قوله إن الطعون التي قدمها المتضررون عبر القنوات الرسمية لم تلقَ رداً، وإن وعوداً بإحالة القضية إلى الرئاسة لم تتبعها إجراءات لحل النزاع.
وتشير المنظمة كذلك إلى أن قدرة السكان على اللجوء إلى القضاء في النزاعات العقارية تبقى محدودة بسبب نقص الموارد والعوائق المتعلقة بإثبات الملكية والوثائق، بينما لا توجد قناة رسمية مستقلة للطعن في قرارات إعادة الإعمار الأوسع.
استثمارات بمليارات الدولارات
تأتي هذه المخاوف في وقت تسعى فيه الحكومة الانتقالية إلى جذب استثمارات وتمويلات لإعادة بناء البنية التحتية والمناطق المتضررة.

وقد تعهدت دول خليجية ودول أوروبية ومؤسسات مالية دولية بتمويل مشاريع في سوريا، فيما قدر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
وتقول “هيومن رايتس ووتش” إن الأطر القانونية الناظمة لإعادة الإعمار لا تزال قيد الصياغة، معتبرة أن هذه المرحلة توفر فرصة لإدخال ضمانات حقوقية قبل توسع المشاريع.
وكانت المنظمة قد أشارت في تقييم سابق للمرحلة الانتقالية إلى أن السلطات السورية تتجه بصورة متزايدة إلى تقديم إعادة الإعمار باعتبارها عملية تقودها الاستثمارات والمشاريع الكبرى، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه نقصاً حاداً في الخدمات الأساسية والنزوح والاحتياجات الإنسانية.
ماذا تطلب “هيومن رايتس ووتش”؟
تدعو المنظمة الحكومة الانتقالية إلى إلزام مشاريع إعادة الإعمار بمشاركة المجتمعات المتضررة قبل الموافقة عليها أو التعاقد بشأنها أو عرضها على المستثمرين، ووضع معايير واضحة وعادلة للتعويض، وإعطاء الأولوية لرد الممتلكات وعودة النازحين.
كما تطالب بإنشاء آليات تظلم مستقلة وسهلة الوصول، وإعادة النظر في المرسوم 66 والقانون رقم 10، وربط إعادة الإعمار بالعدالة الانتقالية في قضايا السكن والأراضي والملكية.
وتدعو المانحين والمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية إلى جعل احترام حقوق الإنسان جزءاً من شروط تمويل المشاريع، وإجراء تقييمات لأثر المشاريع على الحقوق قبل تمويلها في المناطق التي لم تُحسم فيها قضايا النزوح أو الملكية.
- “هيومن رايتس ووتش”: إعادة إعمار سوريا تمضي دون مشاركة السكان المتضررين
- 110 ملايين دولار في “السورية للبترول”.. هل هي أموال مختلسة أم أضرار محتملة؟
- بانياس يتحول إلى محطة عبور للبنزين المتجه إلى العراق
- من 1000 إلى 7000.. ألمانيا تدرس رفع حافز العودة الطوعية للسوريين
- ترامب يربك طهران.. ومواقف متضاربة بين الدبلوماسية الإيرانية و”الحرس الثوري”

