بغداد 32°C
دمشق 24°C
الخميس 24 سبتمبر 2020

الذهب الأبيض في سوريا يفقد بريقه


تحتل سوريا المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج القطن بوحدة المساحة

وصل الإنتاج السنوي للقطن في سوريا قبل الحرب لأكثر من مليون طن

تراوح الإنتاج خلال العام 2015 بين 50 إلى 130 ألف طن

سوريا في المركز الثاني عالمياً من حيث إنتاج ألياف القطن العضوي

عبد الرؤوف ابراهيم – الحل السوري:

الذهب الأبيض.. المسمى الذي يطلق على القطن لما له من قيمة كبيرة في الصناعات حول العالم، ولا شك أن #القطن الذي يعتبر أحد أهم المواد الأساسية في الكثير من الصناعات النسيجية والغذائية والطبية وغيرها أصبح سلعة توازي في قيمتها المعدن النفيس وحتى #النفط.

سوريا “كانت” الثانية عالمياً

وفي الحديث عن سوريا، فقد احتلت المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج القطن بوحدة المساحة بينما تتراجع إلى المركز التاسع في كمية الإنتاج، حيث كان القطن من أهم المنتجات الزراعية النباتية التي توفرت منها كميات تصديرية نسبية حيث بلغت نسبة مساهمتها وسطياً في الفترة 2004-2006 حوالي 14.4%، كما يعد القطن من المحاصيل المهمة استراتيجياً في سوريا وخاصة في المناطق الشمالية والشرقية منها، ويسهم هذا المحصول في تأمين القطع الأجنبي والدخل القومي، حيث وصل مردود الهكتار حتى 4395 كغ/ھ خلال عام 2004، ويعتبر أيضاً من أهم المحاصيل الزراعية التي تشغل اليد العاملة #السورية إن كان زراعة أو صناعة بحيث يقدر عددهم بحوالي 2.5 مليون عامل.

والجدول التالي يبين مساحة وغلة القطن حسب المجموعة الإحصائية لعام 2013.
ويلاحظ من الجدول أدناه بدء الانخفاض في الإنتاج والمساحة وخاصة بعد دخول أعوام الحرب.
e51c163d-53b1-43f1-9a80-e7e9f315b2e6

ووصل الإنتاج السنوي للقطن في سوريا قبل الحرب لأكثر من مليون طن وبلغ إنتاج الهكتار أكثر من 4.2 طن سنوياً وذلك من خلال البحوث العلمية الزراعية وإبدال الأصناف بشكل مستمر ، بحيث تتلاءم وطبيعة المنطقة لذا زادت كمية الإنتاج مضاعفة في نفس وحدة المساحة المخصصة لزراعة #القطن.

ويزرع القطن العديد من المحافظات على رأسها محافظات الحسكة والرقة ودير الزور من حيث المساحة، كما يزرع بمحافظات حلب وإدلب و #حماة و #حمص.

والجدول أدناه يبين مساحة وإنتاج وغلة كل محافظة في سوريا وذلك منذ عام 2004 إلى عام 2013.
2

وكانت الحكومة #السورية تعمل على تصدير ما هو فائض عن الإنتاج المحلي على شكل غزول وذلك من خلال إنشاء مصانع لحلج الأقطان في مناطق الإنتاج وهي #الحسكة و #الرقة ودير الزور إضافة إلى المعامل الأخرى الموجودة في بقية المحافظات.

ونجحت سوريا أيضا في تطوير #زراعة القطن فمثلا استطاعت زراعة القطن الملون وأدخلت ثلاثة أصناف وهي الأصفر – البني – الأخضر دون الحاجة إلى الاصبغة والمواد الكيماوية.

كما اشتهرت سوريا بزراعة القطن العضوي وسنلقي الضوء بشكل سريع على هذا النوع من القطن المميز وخاصة أنها احتلت مركزا عالمياً متقدماً فيه.

زراعة القطن العضوي..

“القطن العضوي هو الذي يتم الحصول عليه دون استخدام مبيدات الآفات أو الأسمدة الكيميائية ضمن دورة زراعية يُستخدم فيها التسميد الأخضر أو العضوي، واستخدام البذور الطبيعية غير المحلوقة كيميائياً، أو غير المعاملة بكاسيات البذور، ويعتمد هذا الأسلوب من الزراعة على استخدام طرق (بيولوجية وميكانيكية) سليمة، مع مراعاة الظروف المحلية، والنواحي البيئية، والاجتماعية، والاقتصادية، وبشكل يتلاءم مع القوانين المحلية والدولية لإنتاج القطن العضوي”.

واحتلت سوريا المركز الثاني من حيث إنتاج ألياف القطن العضوي بعد الهند بإنتاجها نحو 20 ألف طن، وذلك وفقا لإحصائية صادرة عن بورصة الأقمشة TE والجدول التالي يبين المركز الذي احتله سوريا بين دول العالم في هذا النوع من الأقطان:

الدول 10 الأوائل في إنتاج ألياف القطن العضوي:
3

ونجحت سوريا منذ بداية 2006 بزراعة القطن العضوي وبرقابة دولية، وهو التاريخ الذي بدأت به سورية زراعة هذا النوع من الأقطان، حيث تُنتج حوالي 99% من القطن دون استخدام المكافحة الكيميائية لآفاته، ولا تنتج القطن المعدّل وراثياً، حيث لا تتعامل برامج التربية الوطنية للقطن مع الهندسة الوراثية، وتنتج بذارها الزراعي محلياً من خلال برامج التربية والمحافظة على الأصناف، وفي عام 2006 تم زراعة 372 هكتار قطن عضوي، وتحويل أكثر من 10 آلاف هكتار تدريجياً نحو الزراعة العضوية باختيار أراضي مستصلحة أو مضى أكثر من موسمين #زراعيين على عدم استخدام الأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية فيها، وقُدّر الإنتاج بـ 24113 طن قائم أقطان محبوبة عضوية ونصف عضوية.

تراجع الأرقام يفقد القطن قيمته

ومع بدء الحرب في سوريا انحدرت الأرقام للهاوية بل ويمكن القول “للحضيض” وبدأ الذهب الأبيض يفقد بريقه وقوته في الاقتصاد السوري، فمع استمرار #الحرب بدأت أرقام الإنتاج ومساحات زراعة القطن تتراجع عاما بعد عام حتى بلغت نسبة التراجع مؤخرا أكثر من 93 بالمئة، وتراوح الإنتاج خلال العام الأخير 2015 بين 50 إلى130 ألف طن منخفضاً من أكثر من مليون طن قبل الأزمة، والرسم البياني التالي يبين نسبة الانخفاض في #الإنتاج.

4

الأرقام الحكومية الرسمية تحدثت عن تراجع كبير في خطة المساحات المزرعة، وتراجع أكبر في المساحات المزروعة فعلياً، حتى أصبح الحديث عن احتمالات استيراد القطن الخام، لتغطية حاجات صناعة النسيج أمراً مطروحاً، تصريحات وزارية، تناقض تصريحات أخرى لوزير الصناعة، حيث أكد أن القطن المحلوج المتوفر حالياً 20 ألف طن، ومع بداية موسم التسليم فإن الكميات ستكفي لنهاية العام، وذلك في مؤتمر للصناعات #النسيجية بتاريخ 7-10-2015.

وبالنظر لخطة الزراعة خلال 2015، 124-125 ألف هكتار، وهي نسبة 62% من المساحات التي كانت تزرع سابقاً والبالغة 200 ألف هكتار سابقاً.

ومع ذلك فإن الخطة لم تنفذ إلا بنسبة 30%، أي أن المساحات المزروعة هي قرابة: 37500 هكتار، أي حوالي 375 ألف دونم، يفترض أن تنتج وسطياً: 131 ألف طن فقط، وفق الوسطي: 350 كغ في الدونم، إلا أن تحقيق هذا الرقم فعلياً غير متوقع، حيث أظهرت بيانات مديرية الزراعة في الحسكة أن يصل إنتاج القطن في موسم 2015، إلى 24 ألف طن فقط، فقد تم #زراعة ما يقارب 6500 هكتار، بينما في العام الماضي أنتجت المحافظة قرابة 60 ألف طن، أي أن التراجع يتجاوز النصف.

بينما تصريحات أخرى للوزارة، لجهات إعلامية أشارت إلى أن المساحات المزروعة تبلغ 25 ألف هكتار، أي 20% فقط من الخطة وتنتج 50 ألف طن فقط، لن تتوضح الكميات المنتجة في هذا العام، إلا أنها ستبقى بين 50-130 ألف طن وفق التصريحات الحكومية، بعد أن وصل إنتاج القطن إلى أكثر من مليون طن!.
عملياً المنفذ من الخطة لا يبلغ 20-30% وبالتالي فإن أكثر من ثلثي المساحات لم تزرع بالقطن، وثلثي الخطة لم ينفذ..

فلماذا يعدل المزارعون السوريون عن زراعة القطن في المناطق التي تعتبر مناطق آمنة، كالحسكة، ومنطقة سهل الغاب في حماة، ولماذا لا تنجح الحكومة في اجتذاب محصول زارعي القطن في المناطق الخارجة عن السيطرة، ليوصلوه إلى مراكز الاستلام، حتى أصبح الاعتماد على عقود مع القطاع الخاص، أي مع تجار القطن، ليستجروه من المزارعين ويسلموه هو الطريقة المعتمدة؟!.

سعرت الحكومة كغ القطن بمقدار 140 ل.س، مع تعويضات نقل حيث أعلن وزير الصناعة بأن ستقدم تعويض نقل للمزارعين من الحسكة بمقدار: 60 ل/كغ، ومن الرقة بمقدار: 9 ليرة/كغ.

وبالعودة إلى السعر فإنه يعتبر مرتفعا بنسبة 40% في عام 2015 عن عام 2014 ويغطي التكاليف الأساسية فقط، دون استثناءات، ويحقق عائداً قليلاً في حال نجح المزارعون في ضبط تكاليفهم، وقللوا من إنفاقهم على المحصول.

الجدول يوضح تكاليف زراعة القطن في منطقة السقيلبية في حماة، كنموذج عن تكلفة إنتاج الدونم في المناطق الآمنة والقريبة من المحالج المتركزة في المنطقة الوسطى حالياً على اعتبار أن الدونم ينتج وسطياً 350 كغ من القطن.

5

بفرض نجاح الفلاح في الوصول إلى الإنتاج الوسطي 350 كغ في الدونم، فإن تكلفة الكغ تبلغ: 116 ل.س وبناء عليه فإن الفلاح في هذه الحالة يحقق ربحاً في الكغ قرابة: 24 ل.س، للكغ.

ويحقق عائداً من زراعة دونم القطن بمقدار: 8400 ل.س، وهامش الربح لا يتعدى: 20%.

ولكن هل يكفي هامش الربح المذكور، ليغطي تكاليف الحصول على المازوت من السوق السوداء بسعر 250 ل.س لليتر سبيل المثال؟ وتحديداً أن المزارعين يحصلون على المازوت بالسعر الحكومي، ولكن بكميات لا تكفي عدد مرات السقاية، التي تتراوح بين 8-10 في المنطقة، وتحديداً مع ظروف عدم الجاهزية الدائمة لشبكة الري.

يضاف إلى ذلك التكاليف المترتبة على شراء جزء من حاجات الأسمدة والبذار من السوق السوداء، على اعتبار أن تقديرات وزارة الزراعة، والمصرف الزراعي لحاجات السماد والبذار أقل من الضروري الذي يرتأيه المزارعون بالتجربة، كما أن حالات التوقف المرتبطة بالظروف الأمنية، تعتبر تكاليف غير مباشرة للمزارعين، تحديداً في فترات سقاية المحصول الذي يحتاج إلى ريات منتظمة برتم محدد، وتأخرها، يعني خسارة في إنتاجية المساحة، أو تعرض المحصول لحالة تساقط الزهر.

وهنا نصل إلى نتيجة تقرها الأرقام تتمثل بـ:
تبلغ تكلفة كغ القطن في المناطق الآمنة والقريبة من المحالج 116 ل.س، بينما سعر شراء الحكومة 140 ل.س للكغ، والعائد على الكغ هو 24 ل.س، إذا ما نجح المزارع في تجنب كل التكاليف الاستثنائية التي أصبحت قاعدة!.

سيحصل التجار من ناقلي القطن، على 90 ليرة أجرة نقل الكغ، بينما ستقدم الحكومة لمزارعي الحسكة 60 ل.س تعويض نقل القطن إلى المنطقة الوسطى، ولمزارعي الرقة 9 ليرات فقط تعويض نقل.

لذا يمكن القول: إن مجمل الظروف المذكورة، تقول بأن المزارعين في المناطق الآمنة والقريبة أصبحوا غير مهتمين بزراعة القطن، حيث أن عوائده لا تغطي التكاليف الاستثنائية المتكررة، ويجد هذا تفسيره في تراجع المساحات المزروعة، والاتجاه لزراعات أخرى.

أما في المناطق الآمنة نسبياً، ولكن البعيدة مثل #الحسكة، فيلعب التسعير الحكومي دوراً في تراجع المساحات المزوعة، إلا أن التأثير الحاسم، هو لإغلاق مراكز الاستلام، وحصرها بالمناطق الوسطى، وإغراء المزارعين بتعويض نقل 60 ليرة للكغ، أقل من التعويض المدفوع للتجار، أو الشركات التي سيتم التعاقد معها لجمع ونقل القطن، أي عملياً تم ترك المزارعين لتجار سيجمعون القطن بسعر منخفض، وقد يوصلونه للحكومة ليحصلوا على تعويض نقل مرتفع 90 ل لكغ، أو يهربوه ومجمل هذا يقلص المساحات المزروعة بالقطن، ويخسر #سوريا ميزاتها، والمادة الخام للصناعة العامة الأهم وهي صناعة النسيج التي أصبحت تشكل نسبة 60% من الصناعة العامة!.

قد يكون القطن السوري مهدداً بتراجع كبير من الحرب أولاً، إلا أن السياسات التي لا تنطلق من المزارعين، بل تنطلق من “التقشف”، وتستسهل الاعتماد على التجار والشركات في جمع المحصول الاستراتيجي ونقله، أصبحت تهدد استمرار هذه الزراعة، والصناعة المرتبطة بها!.

ويمكن أن نحصر مشاكل التي تواجه زراعة هذا المحصول بما يلي:

• الاعتماد كلياً على القطاع الخاص في استجرار القطن من الفلاحين.

• إنخفاض سعر شرائه من الحكومة مقابل ارتفاع تكاليف إنتاجه على الفلاحين.

• ارتفاع التكاليف يعود بسبب ارتفاع سعر المازوت الذي يحصل عليه الفلاح بالسعر الحكومي، وحتى ذلك لم يكن كافياً لعدد مرات السقاية، وتحديداً مع ظروف عدم الجاهزية لشبكة الري.

• ارتفاع التكاليف المترتبة على شراء جزء من حاجات الأسمدة والبذار من #السوق السوداء نتيجة هيمنة تغيرات سعر الدولار وارتفاعه.

• تقديرات وزارة الزراعة، والمصرف الزراعي لحاجات #السماد والبذار أقل من الضروري الذي ارتآه المزارعون بالتجربة.

• شهد الموسم حالات توقف للري مرتبطة بالظروف الأمنية، وهو ما يعرض المحصول لحالة تساقط الزهر.

الحلول تكمن في تلافي المشاكل المذكورة أعلاه، وعلى مبدأ “إذا عرف السبب بطل العجب” ولكل داء دواء.. ولكن يبقى للقرارات الحكومية الجدية دور هام في نشل هذه #الزراعة الهامة من حضيضها ودعم الفلاح ليتعافى أولا ولكي يتجرأ للعودة إلى زراعة “الذهب الأبيض” من جديد.


التعليقات