فصل “مخيف” من نزيف الحياة.. القطاع الصحي في مواجهة الأزمة

فصل “مخيف” من نزيف الحياة.. القطاع الصحي في مواجهة الأزمة

فاقت الأضرار المادية للقطاع الصحي السوري 11 مليار ليرة

بلغ عدد المشافي العامة في سوريا 131 مشفى

اضطر 70% من الأطباء إلى النزوح الداخلي نحو المناطق الآمنة

بلغ عدد المشافي المدمرة كلياً 38 مشفى

د. عبد الصمد اسماعيل*:

إنها ليست أزمة تعيشها #سوريا بل “كارثة” دموية وإنسانية وتاريخية، وقد تمضي عشرات السنين قبل أن نلملم جراحها التي لم تترك زاوية أو ركناً من أركان البلاد الاقتصادية والاجتماعية إلا ودمرتها أو طالها جزءاً من خرابها، فأنتجت فوضى واسعة في سابقة تاريخية خطيرة جاءت بنتائج مدمرة على المجتمع واقتصاده الوطني.

ولعل أكثر القطاعات التي يمكن أن نحتاجها في ظل استمرار القتال والمعارك من عدمها هو “القطاع الصحي” الذي طاله الخراب والتدمير كما طال غيره من القطاعات الاقتصادية والخدمية، ذلك أن تراجع العمل ولو جزئياً فيه قد يتسبب بحالات وفاة الكثير من المرضى والمصابين الجرحى أو من يحتاجون العلاج فلا يجدوه.

أهمية ونمو الجسد الصحي السوري

إن ما يعطي #القطاع_الصحي أهمية بالغة دوره الرئيسي في توفير العلاج والمعدات والأجهزة الطبية والأدوية اللازمة للمرضى من جهة وللجرحى من ضحايا الحرب التي لا تتوقف رحاها من جهة ثانية.w8

إضافة لدوره في تأمين لقاحات #الأطفال التي بفقدانها قد تحصل تشوهات وأمراض لدى نسبة عالية منهم ستكون لها آثارآً سلبية على مستقبل حياتهم وطبيعتها اجتماعياً واقتصادياً فضلاً عن تقديم الرعاية الصحية لفئات الشعب المختلفة.

وكان هذا القطاع إلى جانب قطاع التعليم أحد أهم القطاعات الخدمية في #سوريا فقد كانت خدماته تغطي أكثر من 90% من مساحة البلاد بمستشفياته العامة والخاصة والتي تجاوز عددها 500 مشفى (مشفى لكل 46 ألف شخص منها 131 مشفى عام و369 مشفى خاص) أو بمراكزه الصحية (1750 مركز يتبع لوزارة الصحة) وبعيادته الشاملة التخصصية (34 عيادة) أو تلك المتنقلة في البادية (6 عيادات متنقلة) أو بمعامله الدوائية (72 منشآة دوائية) أو بكوادره الطبية المتميزة في المنطقة (غادر سوريا منذ بداية الأزمة أكثر من نصف الأطباء بحسب منظمة #يونيسيف) أو بتطور نوعية العمليات الجراحية التي كان يتم إجراؤها في #المستشفيات العامة أو الخاصة والتي كانت تحول دون تكليف المواطن مصاريف العلاج الباهظة في الخارج.

المشافي العامة خدمات متنوعة وجودة “متواضعة”

وتعتبر المشافي الحكومية العامة بمثابة الهيكل العظمي لجسد القطاع الصحي بسبب الكم الكبير من الخدمات الصحية التي كانت تقدمها لفئات واسعة من السوريين الذين لا يستطيعون التوجه نحو العلاج في المراكز الخاصة.

فقد بلغ عدد المشافي العامة 131 مشفى (منها 14 مشفى تحت إشراف وإدارة وزارة التعليم العالي و 99 مشفى تتبع لوزارة الصحة و18 مشفى عسكري تتبع لوزارة الدفاع) تقدم خدمات طبية متنوعة ولو ليس بالجودة المطلوبة تشمل الإسعاف والعيادات الخارجية والعمليات الجراحية ومعالجة الأورام وتقديم أدويتها مجاناً، وإجراء التحاليل المخبرية والتصوير الشعاعي والطبقي المحوري وأجهزة غسيل الكلى وتوفير العديد من أجهزة المرنان وتقديم أدوية الأمراض السارية مجاناً، فضلاً عن استيعاب مئات الخريجين من كليات الطب سنوياً بهدف تدريبهم وتأهيلهم للحصول على التخصصات الطبية.

ولما صدر القانون رقم 17 لعام 2008 القاضي بتحويل المشافي العامة إلى هيئات مستقلة مالياً وبموازنات خاصة أعطيت إداراتها بموجبه صلاحيات واسعة تتعلق بشكل إدراتها وبتخصيص نفقاتها وتوزع إيراداتها، فقد بدأت هذه المشافي تتقاضى أجوراً متدنية نسبياً عن العديد من الخدمات التي تقدمها للمواطنين والتي لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بتلك الأجور التي تتقاضها المشافي الخاصة.

w9وليس بعيداً عن الأداء الضعيف للحكومات المتعاقبة في سوريا على مستوى إنشاء وتطوير المرافق العامة وإدارتها فقد عانى هذا القطاع كغيره من استشراء #الفساد في جسده وخاصة المشافي العامة مع ضعف كوادره الإدارية وتخلف البنية التقنية والتكنولوجية فيها وتمركزها في مناطق جغرافية دون غيرها (كما في #دمشق و #حلب) وعدم المساواة في فرص الحصول على الخدمات الصحية مع قلة جودتها، وتسيد السياسات المرتبطة بخطط الحكومة المعتمدة على مركزية التخطيط وتخصيص الاعتمادات، وفي صرف وتحديد أجور وتعويضات العاملين والأطباء في ظل قلة الإعتمادات المرصودة للخدمات الصحية في الموازنات العامة (6.3% من اعتمادات موازنة 2016) (2.9% من الناتج المحلي 2009) والتي كانت في معظمها طاردة للكفاءات الطبية المتميزة لتتوجه نحو المشافي والمراكز الطبية الخاصة باحثة عن بيئة مناسبة من حيث العمل أو المعاملة والأجور التي يمكن تقاضيها بدل تقديم خدماتهم المتميزة تلك وخاصة إجراء العمليات الجراحية النوعية كعمليات جراحة القلب او الدماغ.

مؤشرات النظام الصحي تعاود التدهور

يعتبر النظام الصحي أحد أهم أنظمة ودعائم التطور المجتمعي في العالم المعاصر لما يوفره هذا النظام من خدمات تحافظ على صحة الأفراد وبالتالي استمرارية وكفاءة مساهمتهم في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للبلد.

كما يعتبر مؤشر #الرعاية_الصحية أحد أهم مؤشرات قياس مدى تطور المجتمعات البشرية وفي سوريا فقد تراجع مؤشر التنمية البشرية من 0.646 عام 2010 إلى 0.472 عام 2014 لتنتقل البلاد من بين الدول ذات التنمية المتوسطة إلى قائمة الدول ذات التنمية المنخفضة بحسب المركز السوري لبحوث السياسات وللعلم فإن حساب هذا المؤشر لبلد ما يعتمد على مؤشرات الصحة والتعليم والدخل الموجودة فيه.

ولتقييم النظام الصحي في بلد ما تعتمد المنظمات الدولية أربعة مؤشرات رئيسية هي معدل الوفيات عند الرضع وعند الأطفال دون سن الخامسة ووفيات الأمهات ومتوسط توقع الحياة، فضلاً عن معدل الوفيات الناجم عن الأمراض الوبائية والمعدية والذي شهد في سوريا انخفاضاً كبيراً (حيث كان قبل الأزمة 77% من حالات الوفاة ناجمة عن أمراض غير معدية).w1

وكانت هذه المؤشرات قد شهدت تحسناً ملحوظاً في السنوات التي سبقت الأزمة نسبة إلى العقود الماضية بحسب احصائيات #وزارة_الصحة فقد انخفض معدل الوفيات بين الرضع لحدود 17 حالة وفاة لكل ألف مولود حي عام 2009 ولـ 13 حالة عام 2011 ليعود ويرتفع مرة أخرى بعد خمس سنوات من الحرب إلى 18 حالة، في حين بلغ معدل وفيات الأطفال دون الخامسة 21.4 حالة وفاة لكل ألف طفل انخفضت إلى 14 حالة عام 2011 وعاودت ارتفاعها مرة أخرى نحو 17 حالة، أما معدل وفيات الأمهات فقد بلغ 52 حالة لكل 100 ألف ولادة حية لترتفع عام 2015 إلى 65 حالة وفاة.

أما متوسط توقع الحياة كان قد وصل إلى 73 سنة عام 2010 لينخفض عام 2015 إلى 55.4 سنة نتيجة الخسائر الاقتصادية المقدرة بـ 225 مليار دولار وفق آخر تقرير صادر عن المركز السوري لبحوث السياساتفي حين ارتفع معدل الوفيات من 4.4 حالة لكل ألف شخص عام 2010 إلى 10.9 حالة وفاة عام 2015.

رياح الأزمة تلحق دماراً واسعاً بالنظام الصحي

ألحقت الأزمة أضراراً جسيمة في البنية الحيوية للنظام الصحي في سوريا، وفاقت الأضرار المادية فيه 11 مليار ليرة، بحسب دراسة لوزارة الصحة.

وشردت الحرب الملايين من السكان وحرمت الكثير منهم من المسكن والمأوى المناسبين أو أدت إلى الاكتظاظ في أماكن الإيواء العامة أمام ضعف إمكانيات توفير مستلزمات الصحة والسلامة الآمنين فيها وتدهور البنى التحتية للخدمات كقلة شبكات المياه النظيفة وعدم توفر شبكات الصرف الصحي المناسبة وتعرضها للتدمير الناجم عن الحرب والبيئات غير النظيفة نتيجة تلوث الهواء بمخلفات الإنفجارات أو عمليات إنتاج وتكرير #النفط بأساليب بدائية تطلق غازات سامة في الهواء وتلحق مخلفاتها السائلة والصلبة أضراراً بالمزروعات والحيوانات وتلوث المياه الجوفية.

وعودة انتشار العديد من الأوبئة كالسل وشلل الأطفال والتي كانت سوريا قد جعلتها من الماضي، هذا فضلاً عن مئات من المصابين والجرحى الذين تخلفهم يومياً المعارك الدائرة على امتداد الأرض #السورية.

w4وبشكل عام فقد أنتجت الأزمة آثاراً خطيرة على القطاع الصحي يمكن تلخيصها فيما يلي:

– تدمير وتخريب الكثير من المشافي والمراكز الطبية العامة والخاصة وسرقة معداتها فقد بلغ عدد المشافي المدمرة كلياً 38 مشفى في حين تعرضت 20 أخرى لأضرار جزئية أو لسرقة معداتها وأجهزتها كما خرج 418 مركز طبي عن الخدمة في حين تم إغلاق 203 آخرين نتيجة تواجدها في مناطق غير آمنة كما تعرض 30 مركز لأضرار جزئية.

– انتشار حالات الإعاقة وفقدان الأطراف نتيجة الإصابة في المعارك وعودة انتشار العديد من الأوبئة والأمراض السارية كشلل الأطفال نتيجة نقص اللقاحات والرعاية الطبية.

– ظهور أمراض جديدة أو كثرة انتشار بعضها كسرطانات الرئة والإنقلونزا والسل وغيرها والمرتبطة بالتلوث البيئي الحاصل نتيجة الحرب والفوضى.

– هروب الكادر الطبي والإداري من البلد نتيجة حالة عدم الاستقرار الأمني المستمرة وخوفاً من القتل أو الخطف أوالإبتزاز واستهداف أبنائهم حيث اضطر ما بين 60 إلى 70% من الأطباء إلى النزوح الداخلي نحو المناطق الآمنة، فقد غادر البلد أكثر من ثلث الأطباء من أصل (40 ألف طبيب منهم 16 ألف موظف لدى القطاع العام) بحسبنقابة الأطباء في حين تقدر المنظمات الدولية أعداد المغادرين بأكثر من النصف. كما غادر 6 آلاف طبيب أسنان من أصل 20 ألف طبيب أسنان منذ بداية الأزمة.

– انتشار المشافي الميدانية في المناطق الخارجة عن سيطرة #الحكومة والتي لا ترتقي الخدمات التي تقدمها للمستوى المطلوب نتيجة غياب البنية التحتية اللازمةوعدم الالتزام بمعايير العمل الطبي أو بإجراءات التعقيم المطلوبة.

– استهداف الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف أثناء قيامهم بواجبهم في المناطق التي تدور فيها المعارك فقد تضررت 400 سيارة إسعاف في حين بلغت أعداد الكوادر الطبية التي تعرضت للقتل 700 شخص بحسب اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية السورية.

– النقص الدوائي وإرتفاع أسعاره نتيجة خروج الكثير من #المعامل_الدوائية من الإنتاج بسبب التدمير أو صعوبة الوصول أو عدم القدرة على تأمين المواد الأولية اللازمة وارتفاع تكاليف الإنتاج.

– تراجع مستوى الرعاية الصحية مما أدى إلى زيادة نسب الوفيات بين الأطفال وعدم قدرة المصابين بأمراض مزمنة على تأمين العلاج اللازم كمرضى السرطان والسكري والتهاب الكبد الوبائي وارتفاع ضغط الدم الشرياني (نصف هؤلاء توقفوا عن العلاج وفق تقارير غير رسمية) وفقد 70 ألف منهم حياتهم نتيجة فقر الخدمات الصحية.

– إرتفاع بدل أجور الخدمات الطبية وخاصة العمليات الجراحية والاستقصاءات الطبية كالقثطرة والأشعة والرنين المغناطيسيوالتحاليل المخبرية عدة أضعاف بسبب ارتفاع تكاليفالمواد الخاصة بها وصعوبة تأمينها واستيرادها.

الحلول لا بد أن تكون شاملة

w2في ضوء استمرار العنف والعمليات القتالية واستمرار العقوبات الغربية تعاني البلاد من التبعات السلبية للأزمة التي تدفع بمعظم نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية نحو الهاوية.

حيث قوضت الأزمة معظم الأسس الرئيسية للنظام الصحي من #مشافي وكوادر عاملة وأطباء في وقت نحن أحوج ما نكون إليه لها، فأعداد المصابين والجرحى في تزايد ونسب الوفيات في ارتفاع مستمر وانتشار للأوبئة والأمراض المزمنة مع ظهور أمراض جديدة وتراجع في الإنتاج الدوائي في البلاد مع إرتفاع في تكاليف إنتاجه وأسعاره.

إلا أنه وبالرغم من كل ما حدث، وما زال يحدث فإن الكثير من المشافي والمراكز الطبية ما تزال تقدم خدماتها في حدود مناسبة وفي ضوء الإمكانات المتاحة والمساعدات التي تقدمها المنظمات الأممية والإنسانية في هذا المجال، والتي تهدف إلى إيصال المستلزمات والمساعدات الطبية إلى مناطق واسعة من البلاد، فضلاً عن مساعدتها للحكومة السورية في إنشاء عيادات جراحية متنقلة وتأمين اللقاحات وأدوية الأمراض المزمنة.

أخيراً، نشير إلى ضرورة الإسراع في إجراء تقييم شامل للواقع الحقيقي في القطاع الصحي والرعاية الصحية في البلاد، وخاصة رعاية الامهات والولادات والأطفال الرضع لضمان الحفاظ ولو الجزئي على الهرم الديمغرافي للسكان، وتأمين الأدوية للمصابين بالأمراض المزمنة وذلك من خلال دراسات تشمل إلى جانب القطاع الصحي الوضع الاجتماعي والاقتصادي تحدد المؤشرات الحالية والعوامل المحددة لها، ووضع السياسات اللازمة لتحسينها مع استكمال ترميم المشافي والمراكز الطبية المتضررة وتأمين المعدات الطبية اللازمة لعملها، وذلك بالتعاون مع منظمات الصحة العالمية.

(باحث وأكاديمي سوري)

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد