بعد عام من تداولها.. الليرة التركية نعمة أم نقمة على سكان شمالي سوريا؟

بعد عام من تداولها.. الليرة التركية نعمة أم نقمة على سكان شمالي سوريا؟
تداول الليرة التركية في الشمال السوري

بين مؤيد ومعارض، أصبحت #الليرة_التركية هي العملة المتداولة رسمياً في مناطق الشمال #السوري الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، في خطوة قيل حينها إنها جاءت بعد الانهيار في قيمة الليرة السورية، باعتبار الليرة التركية أكثر استقراراً، وأسباب أخرى تتعلق بالجغرافيا والعلاقات السياسية مع تركيا المجاورة.

لكن بعد مرور عام على بدء تطبيق التداول بالعملة التركية، جاءت التوقعات عكس ما كان مخططاً له، وانعكس التقلب في سعر الليرة التركية سلباً على مناطق الشمال السوري، وارتفعت الأسعار، والأهم من ذلك أن الأجور لم تعد تكفي لشراء الحاجات الأساسية، فمن المستفيد ومن الخاسر من قرار التحوّل نحو الليرة التركية؟

متى بدأ التداول؟

في منتصف حزيران/ يونيو 2020، بدأت الجهات الرسمية في إدلب وشمال حلب تتجه نحو إلزام المواطنين التعامل بالليرة التركية، بعد أن وصل سعر صرف الليرة السورية نحو 4 آلاف #ليرة للدولار الواحد، فأصبحت معظم السلع والخدمات تُقيّم على أساس الليرة التركية، إضافة إلى دفع رواتب الموظفين والعاملين في الشمال بالعملة التركية، وسارع حينها السكان بتبديل مدخراتهم وما يملكون من # ليرة سورية إلى التركية.

لا شك أن هذه الخطوة لاقت جدلاً واسعاً بين الأهالي، فمنهم من شجعها واعتبرها “طوق نجاة” من تدهور الليرة السورية، ومنهم من وصفها بالتوجه الخاطئ والقرار المتسرع.

ما هي إلا أشهر قليلة حتى بدء السكان يلاحظون الاختلاف في الأسعار التي تتجه نحو الارتفاع، نتيجة عدم الاستقرار في قيمة الليرة التركية، وانخفاض قيمتها أمام #الدولار، فكان سعر صرف الليرة التركية مقابل # الدولار يساوي 6.8 # ليرة لكل دولار، وانخفضت بعد شهرين ليصبح # الدولار يساوي 7 ليرات تركية.

ثم انخفضت قيمة الليرة التركية أكثر بعد شهرين وأصبحت تساوي 8.5 # ليرة لكل دولار، وانعكس ذلك الانخفاض في قيمة العملة على جميع مناحي الحياة في الشمال السوري، بدءاً من مادة # الخبز مروراً بالأغذية والألبسة وصولاً إلى المحروقات بكافة أشكالها.

المواطن يخسر والتاجر يربح!

في جولة لموقع (الحل نت) على أسواق مدينة إدلب للاطلاع على أسعار المواد الأساسية، وصل سعر ربطة #الخبز الواحدة نحو 3 ليرات تركية، فيما وصل سعر ليتر الزيت النباتي لـ12 # ليرة تركية، وكيلو لحم الغنم بين 53 و 55 ليرة، وكيلو الرز بـ9 ليرات، وكيلو اللبن نحو 6 ليرات تركية.

أما فيما يخص أسعار المحروقات، وصلت سعر اسطوانة الغاز المنزلي 98 # ليرة تركية، وليتر البنزين المستورد من تركيا حوالي 7.19 ليرة، فيما بلغ سعر ليتر المازوت 6.71 ليرة، وهذه الأسعار تم رفعها مؤخراً بعد قرار شركة “وتد” التابعة لـ “هيئة تحرير الشام” برفع أسعار المحروقات، بعد التقلبات في أسعار صرف الليرة التركية أمام الدولار.

وفي هذا السياق، قال “خليل العبد الله” وهو أحد سكان مدينة إدلب إنه: «في البداية كنا نأمل أن نشهد تحسناً في الأوضاع المعيشية بعد قرار التعامل بالليرة التركية، لكن ما حصل هو العكس، فالأسعار غير مستقرة وتشهد ارتفاعاً متزايداً بين الفترة والأخرى، والعائلة لا تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية».

وأضاف العبد الله الذي يعمل في ورشة ميكانيك لتصليح السيارات لموقع “الحل نت”، «أعمل باليومية وأتقاضى 15 # ليرة تركية يومياً، ولدي عائلة مكونة من 4 أفراد ونحتاج إلى ربطتين من # الخبز يومياً وسعر الواحدة منها 3 ليرات، وهذا يعني أن نصف يوميتي أنفقها على # الخبز فقط، وهو ما يشكل صعوبة في تأمين باقي الاحتياجات من أغذية وغيرها، إضافة إلى مشكلة التسعير، حيث يبيع كل محل وتاجر بسعر مختلف عن الآخر لعدم وجود رقابة على الأسواق»، حسب تعبيره.

من جهته، أكد تاجر مواد غذائية في بلدة “سرمدا” شمال إدلب والحدودية مع تركيا لموقع (الحل نت) أن «التجار أقل تضرراً من العمال والموظفين فيما يخص التحول نحو التداول بالليرة التركية، كون التجار يقومون بتبديل أموالهم من الليرة التركية إلى الدولار، نتيجة تقلبات سعر صرف الليرة التركية».

وأوضح التاجر “فضل عدم ذكر اسمه” أن «معظم تعامل التجار يكون بالدولار، ويحصلون على أرباح متفاوتة وفي بعض الأحيان كبيرة نتيجة فروقات سعر الصرف، فالتاجر لا يخسر في جميع الأحوال، وهذا ما نجده في عمليات بيع الذهب بالأسواق فإنها تتم بالدولار الأمريكي وليس الليرة التركية».

وأشار المصدر إلى أن «من مشاكل التعامل بالليرة التركية عدم وجود الفئات المعدنية الصغيرة (10 و 25 و 50 قرشاً) في أسواق الشمال السوري، وبالتالي فإن التاجر أو البائع يقوم ببيع السلعة برقم صحيح لا يحمل كسوراً، وبذلك ترتفع أسعار المنتجات من جهة، ويزيد من ربح التاجر من جهة أخرى».

تداول الليرة التركية في الشمال منفعة أم خدمة؟

رأى وزير المالية والاقتصاد في “الحكومة السورية المؤقتة” التابعة لـ “هيئة تحرير الشام” عبد الحكيم المصري أن «تجربة استبدال الليرة السورية بالتركية نجحت إلى حد ما، لا سيما في عملية استقرار الأسعار بالسوق».

وأكد المصري لموقع (الجزيرة نت) أنه «رغم تذبذب الليرة التركية، الذي شهدته في عام 2020، فإنها أكثر استقرارا مقارنة بالليرة السورية، التي لم يعد لها مستقبل وتشهد انهيارا مستمراً»، وفق وصفه.

من جهته، قال الخبير الاقتصادي “أحمد مصبح” إن «قرار التحول نحو تداول الليرة التركية في الشمال # السوري كان متسرع وغير مدروس بشكل كاف، لأن سعر الليرة متقلب وغير ثابت».

وتابع لموقع (الحل نت) أن «الحد الأدنى للأجور في تركيا يختلف عن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، فمثلاً الحد الأدنى للأجور في تركيا 2300 ليرة، لكن في مناطق الشمال لا يتعدى 900 # ليرة للموظفين، وهو مايسبب عجز للمواطن في تأمين حاجاته الأساسية كون معظم البضائع يتم استيرادها من تركيا وتتغير أسعارها باستمرار».

وأضاف الخبير الاقتصادي أن «القيمة السياسية لتداول الليرة التركية في الشمال # السوري أكبر من القيمة الاقتصادية، فصحيح أن تداول الليرة جعل البضائع تنتقل بسلاسة من تركيا إلى سوريا وبالعكس، لكن حجم الاقتصاد التركي وقوته لن تزيد بفعل تداول الليرة التركية داخل الأراضي السورية، حتى أن البنك المركزي التركي صرح في بداية التعامل بالليرة داخل سوريا أنه بعيد عن العملية ولن يتدخل بها».

وأوضح مصبح أن «سلبيات التعامل بالليرة التركية كانت أكبر من إيجابياتها، وبات هناك صعوبة في الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتدفق البضائع التركية بدون رسوم جمركية إلى الشمال، ما جعل هذه المناطق تعتمد على الاستهلاك لا الإنتاج، وبنفس الوقت اقتصرت الواردات التركية من الشمال على الخضار والقمح مما رفع أسعار هذه المنتجات في مناطق المعارضة، وكان الخاسر الوحيد هو المواطن صاحب الدخل المنخفض».

وكانت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية سلطت الضوء على التعامل بالليرة التركية في مناطق الشمال السوري، وقالت إن «تعميم أنقرة عملتها المحلية في تلك المناطق يعني أنها تؤكد سيطرتها شبه الدائمة عليها»، موضحة أن «استبدال العملة المحلية بالليرة التركية، يقود لوضع اقتصاد هذه المناطق داخل محور الاقتصاد التركي»، حسب تعبيرها.