الهجرة من شمال وشرق سوريا: هل الحرب والمؤامرات كافيان لتفسير هرب الشباب من مناطق الإدارة الذاتية؟

الهجرة من شمال وشرق سوريا: هل الحرب والمؤامرات كافيان لتفسير هرب الشباب من مناطق الإدارة الذاتية؟

تتصاعد حالات الهجرة من شمال وشرق سوريا، رغم الاستقرار النسبي للأوضاع في المنطقة. ويصطف مئات من المدنيين يومياً أمام دوائر الهجرة والجوازات. سواء تلك التابعة للحكومة السورية في مدينة الحسكة، أو التابعة للإدارة الذاتية في القامشلي. والهدف واحد، ألا وهو الحصول على إذن أو جواز سفر. والهجرة من المنطقة.

وتعددت الآراء حول أسباب سعي المواطنين، خاصة الشباب منهم، إلى الهجرة من شمال وشرق سوريا. إذ يؤكد البعض أن السبب اقتصادي بحت. فالشباب يبحثون عن فرص أفضل للحياة والعمل. فيما يضيف آخرون أسباباً أخرى. أهمها الخوف على مستقبل المنطقة من عدم الاستقرار السياسي. والتوتر الأمني. وعدم الرضا عن السياسات الاجتماعية والتعليمية للإدارة الذاتية. إلا ان الجميع يتفقون على أن المنطقة معرّضة لموجة هجرة طوعية ضخمة. قد تكون الأكبر منذ سنوات طويلة.

 

لماذا يهاجر الشباب؟

موقع «الحل نت» تواصل مع مسؤولين في الإدارة الذاتية، لسؤالهم عن أسباب رغبة الشباب العارمة في الهجرة من شمال وشرق سوريا. وكان رد “هندرين سينو”، الرئيسة المشتركة لهيئة الشؤون الاجتماعية في إقليم الجزيرة، أن «تدهور الوضع الاقتصادي، وعدم توفر فرص العمل، من ضمن الأسباب التي تدفع الشباب والعائلات للتفكير بالهجرة». إلا أنها أشارت إلى «وجود أسباب سياسية وأمنية أيضاً».

وتتهم “سينو” بعض الجهات، ومنها تركيا والحكومة السورية، بـ«دعم بعض الخلايا التخريبية في مناطق الإدارة الذاتية. بهدف ضرب الاستقرار وافتعال الاضطرابات، خدمةً لأجندات سياسية. وقد عانت المنطقة مؤخراً من زيادة في نسبة جرائم السرقة والقتل. ما دفع كثيرين للتفكير بالهجرة من شمال وشرق سوريا».

إلا أن استقصاء آراء بعض الأهالي بيّن أسباباً أخرى، لم تذكرها المسؤولة في الإدارة الذاتية. أحد الشبان الذين يسعون للهجرة من شمال وشرق سوريا أكد لموقع «الحل نت» أن سبب تفكيره بالهجرة هو ما سماه «قتامة المستقبل في مناطق الإدارة الذاتية». مبيناً أن «غياب الاعتراف الدولي بالشهادات الدراسية، التي تمنحها الإدارة الذاتية، تدفع العائلات للبحث عن مستقبل أفضل لأبنائها خارج المنطقة. وبعيداً عن الحرب الدائرة فيها».

كما تحدث آخرون عن خشيتهم من «الفوضى السياسية في المنطقة». في إشارة إلى الصراع الدائر بين بعض الأحزاب الكردية  والإدارة الذاتية. فضلاً عن الصراع بين الإدارة وأطراف فاعلة أخرى في الملف السوري. وظهرت لدى كثير ممن التقاهم الموقع نبرة تشاؤم، لدى الحديث عن المنطقة. لدرجة التشكيك بقدرة الإدارة الذاتية على الاستمرار في المستقبل.

 

«مجتمع شمال وشرق سوريا مزقته الحرب أيضاً»

“عبد الوهاب خليل”، الناشط والمحلل السياسي، يرى أنه «بعد عشر سنوات من الحرب المستمرة في سوريا، وانعدام الرؤية وضبابية المشهد السياسي، تدهورت أحوال المواطنين الاقتصادية بشدة في عموم البلاد. وباتت خيارات الشباب معدومة: إما الانضمام لإحدى الفصائل المسلّحة، أو حتى العصابات التي تمارس التهريب والخطف. أو الفرار من البلاد. وهذا على ما يبدو ما اختاره كثير من الشباب، الذين يداعبهم حلم الهجرة من شمال وشرق سوريا».

ورغم أن «فوضى الجريمة»، كما سماها “خليل”، التي نتجت عن الأزمة السورية، ذات تأثير أخف على مناطق شمال وشرق سوريا، مقارنةً بمناطق أخرى. إلا أن «شباب مناطق الإدارة الذاتية لم يعودوا قادرين على احتمال الوضع المتدهور. ويحلمون بما هو أفضل».

ويتابع الناشط المحلي في حديثه لـ«الحل نت»: «ليست الظروف المادية هي ما يزيد من نسبة الجريمة في المنطقة. بل أيضاً انعدام الرادع الأخلاقي والتربوي في مجتمع مزقته الحرب. لذلك لا بد من العمل طويل النَفَس للقضاء على الآثار النفسية والاجتماعية السلبية للأزمة السورية. لتلافي تحوّل موجة الهجرة من شمال وشرق سوريا إلى كارثة ديمغرافية. تُفرغ المنطقة من فئاتها الشابة».

 

ازدياد الجرائم أحد أهم أسباب الهجرة

الحديث عن زيادة نسبة الجريمة في المنطقة دفع موقع «الحل نت» لسؤال “كنعان بركات”، الرئيس المشترك لهيئة الداخلية وقوى الأمن الداخلي في إقليم الجزيرة، عن الموضوع. فأكد أن «الأمر يرتبط بحالة الفوضى التي عمّت سوريا على مدار السنوات العشر الماضية. ووجود خلايا مرتبطة بجهات عدة. تسعى لضرب الاستقرار في المنطقة. سواء عبر السرقات وعمليات الاغتيال. أو غيرها من الجرائم. ما يساهم بالتأكيد في دفع كثيرين للسعي إلى الهجرة من شمال وشرق سوريا».

ويؤكد “بركات” أن هيئته «تعمل على متابعة كافة القضايا، التي ترتبط ببسط الأمن والاستقرار. فقد قامت الأجهزة الأمنية التابعة للهيئة بعدة حملات، استهدفت مطلوبين وأعضاء في خلايا إجرامية ومروجي مخدرات. بهدف إفساح المجال لعمل باقي هيئات ومؤسسات الإدارة الذاتية. لتقديم خدماتها للمواطنين، وتحقيق التنمية في المنطقة. الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الجميع. ويحدّ من موجة الهجرة من شمال وشرق سوريا».

يذكر أن إقليم الجزيرة شهد عدة حوادث سرقة وجرائم قتل. وأكد المكتب الإعلامي لقوى الأمن الداخلي في الإقليم، لموقع «الحل نت»، وقوع اثنتين وستين جريمة سرقة. خلال شهر حزيران/يونيو الماضي فقط. إضافة لأربع جرائم قتل.

 

سُبل الهجرة من شمال وشرق سوريا

وتزايدت حالات الهجرة من شمال وشرق سوريا بأساليب غير شرعية خلال الأشهر الثلاثة الماضية. عبر طرق عدة. أولها الحدود السورية العراقية. إذ يحاول عديد من راغبي الهجرة التوجّه إلى إقليم كردستان العراق, ومنه إلى وجهتهم النهائية. إلا أن هذا الطريق بات محفوفاً بالمخاطر، وفق مصادر خاصة لموقع «الحل نت». نتيجة ضبط كل من الحشد الشعبي وحكومة الإقليم الحدود مع سوريا. وتبلغ اليوم تكلفة تهريب الشخص الواحد من الجانب السوري إلى العراقي حوال ألف وخمسمئة دولار أميركي.

في حين اقتصرت حركة السفر عبر معبر “سيمالكا” على الحالات الإنسانية، وحاملي الإقامات الأجنبية. لكن رغم سعي طرفي المعبر لمنع دخول المهاجرين، إلا أن «ثمة حالات تهريب تتم بطرق ملتوية. عن طريق دفع الراغبين بالهجرة من شمال وشرق سوريا رشاوى للمسؤولين عن ضبط الحدود». بحسب ما يقوله “علي”، اسم مستعار لشاب حصل على إذن دخول إلى إقليم كردستان. مقابل مبلغ ألف ومئتي دولار أمريكي. بمساعدة شبكة لتجارة البشر، الذين «يسهّلون التواصل مع مسؤولين في حكومة إقليم كردستان. لإعطاء إقامات لشباب سوريين. وفق “الفورم”، الذي فرضه إدارة معبر “فيشخابور” قبل ثلاثة أشهر».

الطريق الأخر للهجرة من شمال وشرق سوريا هو الحدود التركية السورية. وبالتحديد ناحية “الدرباسية”. وهو طريق شديد الخطورة. قد يكلّف المهاجرين حياتهم. إذ تعرّض عدد من الشبان السوريين مؤخراً للضرب المبرح من قبل الجندرمة التركية على الحدود، أثناء محاولتهم دخول الأراضي التركية. وتوفي المحامي “سالار منور” تحت التعذيب، على يد الجنود الأتراك. عند محاولته عبور الحدود السورية التركية خلال الشهر المنصرم. بحسب مصادر محلية.

يبقى هنالك طريق ثالث أكثر تكلفة. وهو  السفر إلى دمشق، ومنها إلى إحدى الدول المجاورة. مروراً بدول في شرق أوروبا مثل بيلاروسيا. وصولاً إلى دول الاتحاد الأوروبي. وهذه الرحلة قد تصل تكاليفها إلى عشرين ألف دولار أميركي.

 

وعود بتحسين الأوضاع 

“هندرين سينو” ناشدت الشباب بعدم الهجرة من شمال وشرق سوريا. ووعدت أن الوضع الاقتصادي سيتحسّن. قائلةً: «تعمل الإدارة اليوم على دعم وتنفيذ عدد كبير من المشاريع الصغيرة والمتوسطة. بهدف توفير فرص العمل وبرواتب جيدة. كما ستعتمد الإدارة التنمية الاجتماعية وتحسين الخدمات اساساً لعملها في المرحلة المقبلة».

أما “عبد الوهاب خليل” فيشدد على ضرورة «سعي الإدارة الذاتية لتحسين العملية التربوية والتعليمية. والعمل على جعل شهاداتها معترفاً بها دولياً. وإلا فستشهد المنطقة ظواهر اجتماعية سلبية. لا تقل خطورة عن التنظيمات الإرهابية».

ليست الهجرة من شمال وشرق سوريا ظاهرة فريدة في البلاد. إذ تشهد كل المحافظات السورية موجة هجرة عارمة. وهذا ما يؤكده موظف حكومي في دائرة الهجرة والجوازات لموقع «الحل نت». قائلاً إن «الحكومة السورية تعاني من أزمة في طباعة جوازات السفر. نتيجة الطلب الكبير عليها. لذا تم تقنين توزيع الجوازات في كافة المحافظات السورية. ففي الحسكة تم تخفيض مخصصات الجوازات الممنوحة للمواطنين، من خمسمئة جواز إلى مئة شهرياً. الأمر الذي تسبب بزيادة الازدحام على مكاتب الدائرة. فضلاً عن زيادة التكلفة المادية على المواطنين. الذين يضطرون لدفع الرشاوى».

رغم هذا فإن تصاعد الهجرة من شمال وشرق سوريا يطرح أسئلة عديدة عن أسلوب إدارة المنطقة. التي اعتبرت لفترة طويلة أكثر مناطق سوريا استقراراً وأمناً. هل أصابها ما أصاب بقية الأراضي السورية من فوضى وانعدام الأمل في المستقبل؟