تنظيم منطقة القابون يدوس على آمل الصناعيين بعودة أملاكهم!

تنظيم منطقة القابون يدوس على آمل الصناعيين بعودة أملاكهم!
القابون

لم تجدِ الحفلات ولا رسائل الوفاء التي قدمها صناعيو القابون من منطقة القابون الصناعية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أي نفع بالنسبة لملف المنطقة التي استعادت السلطات السورية السيطرة عليها منذ 2017.

وأصدر “بشار الأسد” مؤخراً المرسوم رقم 237  القاضي بإحداث منطقة تنظيمية لـ”القابون وحرستا” عند مدخل دمشق الشمالي، لينهي به حالة الجدل بين الصناعيين ومحافظة دمشق.

المرسوم الذي أعلن عنه في 21 أيلول الماضي، ويحمل تاريخ 14 الشهر ذاته، أصبح نافذاً بعد إعلانه في الجريدة الرسمية وبالتالي تحطمت آمال 750 صناعي من القطاع الخاص يملكون منشآت بين المتوسطة والصغيرة في المنطقة، في حين يعتبر هذا المرسوم إعلان رسمي لنهاية حقبة أشهر المنشآت الصناعية السورية الحكومية هناك مثل الشركة الخماسية التي تمتدُّ على مساحة واسعة في القابون الصناعية، وشركة الصناعات المعدنية “بردى”، والشركة العامة للمغازل والمناسج.

محاولات فاشلة لإلغاء تطبيق المخطط التنظيمي

وجاء المرسوم بعد محاولات عدة من قبل الصناعيين لدفع محافظة دمشق للتراجع عن هدم المنطقة الصناعية وتحويلها إلى سكنية، سواء عبر اتهامها بمخالفة توجيهات الأسد بدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

وإما من خلال الحجج القانونية من ناحية استيلائها على العقارات المبنية عليها بالصفة المرخصة وفقها كصناعية.

وكانت آخر المحاولات قبل صدور المرسوم بنحو شهرين ونصف، حيث ناشد صناعيو القابون بكتاب موجه لرئيس مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للاستثمار بتاريخ 29/5/2021، بإلغاء المخطط التنظيمي للمنطقة، والتريث بالهدم، والحفاظ على المنطقة بصفتها الصناعية، واعتمادها منطقة تنموية ضمن قانون الاستثمار، والحفاظ على مصانع القطاع العام والخاص، وجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية إليها للنهوض بها (وهو كتاب مشابه لكتاب وجه لوزير الصناعة عام 2020).

قبل هذه المحاولة وفي شهر شباط 2021، كانت هناك حملة لتقديم طلبات عودة إلى العمل في القابون من قبل جميع الصناعيين وجّهت إلى محافظة دمشق، عقب ما نشرته غرفة صناعة دمشق وريفها حينها على صفتها في فيسبوك، بأن محافظة دمشق وافقت على طلب الغرفة بعودة الصناعيين والعمل والإنتاج لحين تنظيم المنطقة، وعدم الإخلاء حتى بدء تنفيذ المخطط التنظيمي الذي أقرته المحافظة، لتعود المحافظة وتنفي موافقتها بذلك.

مواربة من الحكومة

لكن، غرفة الصناعة لم تأتِ بحديثها من فراغ، فقد سبق هذا الإعلان بيوم واحد فقط، تصريحات موثّقة لمدير التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق “إبراهيم دياب” عبر إذاعة (ميلودي) يؤكد فيها أن تأخر التنظيم يمكن أن يفيد صناعيي القابون بالاستمرار في عملهم ريثما يتم، إضافة إلى تصريحات لعضو المكتب التنفيذي والمشرف على قطاع القابون وبرزة حينها “فيصل سرور” لموقع (شام تايمز)، أكد فيها أن المحافظة لم تمنع عودة الصناعيين.

وأكد سرور حينها، أن المحافظة لم تمنع أصحاب المنشآت من الدخول لمنشآتهم، ولكن دون المطالبة بالخدمات من إنارة وكهرباء وماء وغيرها، مؤكداً أنه «لا يُسمح إعادة بناء المدمر من المنشآت، إلا إذا كان المعمل قائم وأراد صاحبه ترميمه فله ذلك على مسؤوليته وفقاً لإجازة من المحافظة، والتعهد بعدم المطالبة بتعويض عند البدء بتنفيذ المخطط التنظيمي».

وكانت محافظة دمشق تعلن شيئاً وتخفي الكثير وفقاً لصناعيي المنطقة، وتروّج لنسبة دمار في القابون الصناعية تصل إلى 80% من منطلق «لا أسف عليها ولا تعويض» وفقاً لما يراه البعض، لكن صناعيو القابون وثّقوا بالصور نسبة الدمار التي قالوا أنها أقبل بكثير.

وأكد الصناعي من القابون ومنظم حملة الوفاء للرئيس في المنطقة الصناعية هناك “عاطف طيفور” لصحيفة (الثورة) بعد نشر غرفة الصناعة موافقة المحافظة على العودة، أن الصناعيين تقدموا برخص ترميم لكنها رفضت.

وأشار إلى تجربة سابقة لرخصة ترميم معمل قوبلت بالرفض الشفهي، في حين تم تقديم العشرات من طلبات الموافقات للعمل ولا تزال من دون رد منذ أشهر.

وأشار إلى أن محولات الكهرباء مسحوبة من المنطقة، وأن الصناعيين تعهدوا أن يتحملوا كامل تكاليف توصيل المحولات على نفقتهم الخاصة، ولا يزالون ينتظرون قراراً رسمياً للعودة.

خلاف أكبر من حكومة

بعد استعادة السلطات السيطرة على القابون، زارها رئيس مجلس الوزارء حينها “عماد خميس” وتحديداً في شهر حزيران عام 2018، ونشرت رئاسة مجلس الوزراء خبراً موثقاً جاء فيه  «زار رئيس مجلس الوزراء المهندس عماد خميس المناطق الصناعية التي حررها الجيش العربي السوري في القابون والزبلطاني والقدم والتي يتم إعادة تأهيلها وإعادة البنى التحتية فيها بوتيرة عالية استعداداً لعودة المعامل فيها إلى العمل».

وبعد أشهر أيضاً، وتحديداً في 26/12 من 2018 نشرت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية بياناً قالت فيه «إن رئيس مجلس الوزراء المهندس عماد خميس التقى صناعيي منطقة القابون للاستماع إلى مطالبهم ووضع حلول تراعي الحفاظ على الملكيات العامة والخاصة لأصحاب المنشآت والمستأجرين في إطار تطوير المنطقة تنظيمياً واستثمارياً».

وجاء في الخبر  الرسمي «تم تكليف غرفة صناعة دمشق وريفها بتصنيف المعامل والمنشآت الموجودة في المنطقة إلى معامل جاهزة للعمل والإقلاع في الإنتاج، ومعامل مدمرة بشكل جزئي ويرغب أصحابها في ترميمها والعودة للعمل إضافة إلى المعامل المدمرة بشكل كامل والتي يرغب أصحابها في إعادة إعمارها، ليتم تشكيل فريق عمل بإشراف رئيس مجلس الوزراء لدراسة واقع هذه المنشآت وتأمين آلية عمل بديلة لكل الراغبين في العمل».

بعد حديث خميس وتأكيداته، توجه الصناعيون للعودة لكن الحواجز الأمنية حينها منعتهم من إدخال مستلزمات البناء والتعمير، ليتوجهوا إلى محافظة دمشق ليحصلوا على رخص ترميم، إلا أن الأخيرة رفضت وبقيت ترفض حتى خروج المخطط.

ليس خميس وحده من لم يكن يعلم أنه لا يملك صلاحيات هذا الملف الذي يؤكد بعض المراقبين أنه سياسي ومرتبط بإفراغ المناطق التي كانت حاضنة ضد السلطات، فحتى وزير الصناعة لم يملك أي ثقل فيه وفق حديث لمدير صناعة دمشق عبر قناة (سما) التلفزيونية بداية العام الجاري.

وأكد حينها أن وزير الصناعة خاطب وزير الإدارة المحلية بخصوص عودة الصناعيين، ووجهت مدير الصناعة بدمشق بعودة الصناعيين ولو بشكل مؤقت، وطالبت المحافظة بأنه يجب أن تضم دمشق مناطق صناعية صغيرة ومتوسطة، وأكد مدير الصناعة أن الوزارة لا تريد التخلي عن دمشق كمدينة صناعية، مستشهداً بتوجيه من الأسد بتشجيع الصناعات الصغيرة، والمتوسطة.

رؤية المحافظة

ترى محافظة دمشق أن التنظيم أفضل لمنطقة القابون الصناعية كونها مدمرة بنسبة 70 – 80% وأن هوية دمشق لم ولن تكون صناعية، بل وفقاً لكلام سرور ستكون “مدينة خدمات وأموال واقتصاد”، وطلبت مراراً من صناعيي القابون التوجه إلى مدينة عدرا الصناعية والاستفادة من التسهيلات المقدمة لهم، حيث يمكنهم الحصول على مقسم وتقسيط الدفعة الأولى لـ4 سنوات وما يتبقى لـ20 عام وبفائدة 6% فقط.

وعن ملكية الأرض التي يقوم عليها المصنع، تؤكد المحافظة أنّها ستبقى للصناعي صاحب المعمل، لكن دون أي توضيحات أكثر، فالأملاك ستحول لأسهم في المنطقة التنظيمية كما حدث في ماروتا ستي وباسيليا ستي اللتان تخضعان للمرسوم 66 الذي طوّر عنه القانون الذي ستخضع له المنطقة الجديدة وهو القانون رقم 10.

لم يحصل الصناعيون على أي تعويض، وعبارة الضرر وصل إلى 80% يعني بحسب صناعيين، إغلاق الباب عليهم ومنعهم من المطالبة بتعويضات بعد الهدم، بذريعة أن المباني مهدمة أصلاً، وهذا ما دفع المحافظة لرفض تقرير عن أضرار المنطقة عام 2018  قامت به لجنة نقابة المهندسين، أشار إلى أن نسب الأضرار تتراوح ما بين 20 – 30% فقط.

خسائر

يرى الصناعيون في القابون الذين التقاهم “الحل نت”، أن هدم منطقة مرخصة كصناعية وفيها معامل طابو أخضر أمر غير مبرر، ومن غير المنطقي أن يطلب من الصناعيين المالكين الانتقال إلى عدرا الصناعية والحصول على قرض لشراء مقاسم وهم ملاّك لمصانع قيمتها بالمليارات.

ويضيف الصناعيون أن الانتقال إلى عدرا والبدء بالإنتاج يحتاج إلى سنوات، لأنهم سيعودون لنقطة الصفر من بناء وإكساء واستيراد معدات والحصول على خدمات، عدا عن أن الحصول على أسهم ورقية بدل ممتلكاتهم وبصفة سكنية أو تجارية في المنطقة، يعتبر خسارة كبيرة وليس تعويضاً، فقد ينتهي المشروع بعد عشرات السنين، كون المحافظة لا تملك الإمكانيات لتنفيذه وهو ما أخر مشروع ماروتا ستي لسنوات كمثال، حيث لم ينجز فيه شيء يذكر لليوم ولم يحصل أصحاب الأسهم فيه على شيء ولا على سكن بديل.

مخاوف من فساد

وبعد الإعلان عن المخطط التنظيمي بمرسوم، نشرت صفحة “صناعيي منطقة القابون” على فيسبوك عدة منشورات تحذر من الاستغلال من قبل الفاسدين على حد تعبيرها، وجاء في أحد منشوراتها «واجبنا اليوم الحفاظ على أملاكنا من أي تجاوزات وابتزاز، والفوضى ستعرضنا لاستغلال كما حدث مع جميع ملفات التنظيم سابقاً، ودخول السماسرة والفاسدين من ثغرات الفوضى واستغلال الجميع».

وفي منشور آخر  للصفحة التي يديرها الصناعي طيفور جاء فيه «جميع العقارات بمنطقة القابون الصناعية طابو ومسجلة بالسجل العقاري بشكل رسمي، ولكن بعضها مثبت حكم محكمة وبعضها سجل مؤقت وبعض الأبنية غير مفروزة وبعضها فروغ وإيجار، لذلك أرجو الحذر من هذه الثغرات وعلى الجميع المراجعة لتثبيت الملكية والتأكد من حالة العقار».

وأضاف «على الجميع المراجعة دون استثناء وهذا موضوع هام وقد يفقد المالك ملكيته وبشكل خطأ او مقصود».

وحذّرت الصفحة من أنه لا يحق لأي جهة هدم الأملاك الخاصة والاستفادة من الأنقاض والحديد وفق القانون، وطالبت المالكين ممن يشاهدون أي تجاوزات بهدم أي مبنى أملاك خاصة، أو مشاهدة تجاوزات بسحب أي أنقاض أو حديد من المباني الخاصة، “تصوير الحالة” وإبلاغ لجنة المنطقة فوراً لتقديم شكوى رسمية وفورية للجهات الرقابية.

وأكدت الصفحة على مخاوف استغلال المحافظة لنسبة الدمار التي لا تطابق الواقع وفقاً لتقرير لجنة نقابة المهندسين وتقديرات الصناعيين، وقالت «لن تتمكن أي جهة كانت من الادعاء أن هذا البناء أو ذاك مهدم خلال الحرب، حيث تم توثيق كامل الأملاك الخاصة لأبنية القابون الصناعية بالكامل بتصوير احترافي بالإضافة لفيديو توثيقي لكامل المنطقة، وأي تجاوزات بالهدم سيتم توثيقها بالشكاوي».

وفي حزيران 2019، صدر المخطط التنظيمي رقم 104 لمنطقة القابون الصناعية التي تعتبر إحدى مناطق دمشق الصناعية الثلاثة والتي تضم الزبلطاني والقدم، بموجب أحكام القانون رقم 10 للعام 2018.

وعدل هذا المخطط الصفة التنظيمية العمرانية لمنطقة القابون الصناعية، لتصبح منطقة سكنية وتجارية بعد أن كانت منظمة كمنطقة صناعية وزراعية، على أن تضم وفق المخطط الجديد 72 مقسماً استثمارياً و102 مقسماً سكنياً.

ويجيز القانون رقم 10 لـ2018، إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، والذي جاء تطويراً للمرسوم 66 الصادر عام 2012 والقاضي بتنظيم منطقتين عشوائيتين ضمن دمشق وهما “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”.

وجاء المرسوم الصادر  أخيراً لإحداث منطقة تنظيمية في حرستا والقابون استناداً إلى المخطط التنظيمي التفصيلي رقم 104 الصادر والمصدق، وإلى دراسة الجدوى الاقتصادية المعتمدة، وفقاً لمحافظة دمشق، التي أكدت أن مساحة المنطقة التنظيمية 2000 دونم، وتمتد من مدخل حرستا حتى “البانورما”.

وأشارت المحافظة إلى أن «اسم المنطقة سوف يصدر قريباً وسوف يكون بنفس طابع الأسماء السورية التي تمثل دمشق باللغة السريانية (ماروتا وباسيليا)» وفقاً لحديث سرور لإذاعة شام إف إم.