عقارات الدولة المستولى عليها بالعراق: لماذا لا “يحرر” القضاء محافظة نينوى من محرريها؟

عقارات الدولة المستولى عليها بالعراق: لماذا لا “يحرر” القضاء محافظة نينوى من محرريها؟
أستمع للمادة

عقارات الدولة المستولى عليها في نينوى ومدن أخرى في العراق باتت من أهم الظواهر السياسية والإدارية في البلاد. فقد كشفت “هيئة النزاهة” في العراق عن وجود 31378 عقاراً تابعاً للدولة، مستولى عليها من قبل الأحزاب المتنفّذة في عموم محافظات البلاد. تصدّرتها محافظة نينوى شمالي البلاد، بواقع 8585 عقاراً. تنوّعت بين أراضٍ زراعية، وأخرى مخصصة لمشاريع عامة، مثل الشقق السكنية والمحال التجارية والمدارس والمتنزهات والشوارع مع أرصفتها.

يأتي ذلك في وقتٍ تحكم فيه فصائل تابعة للحشد الشعبي قبضتها على نينوى. ومركزها مدينة الموصل، التي مازالت آثار دمار حرب تحريرها من داعش بين عامي 2016 و2017 ماثلة فيها. وهو دمارٌ طال، وفق تقديرات دولية، نحو أحد عشر ألف وحدة سكنية. مع خراب شبه تام في البنية التحتية.

عقارات الدولة المستولى عليها في نينوى سرٌ يعرفه الجميعُ هناك. فالمكاتب الاقتصادية، المرتبطة بالفصائل المسلّحة، حلّت محل تنظيم داعش. وفرضت سطوتها ونفوذها بقوة السلاح على المدينة وسكانها. في حين أن إجراءات هيئة النزاهة والأحكام القضائية تطال فقط  صغار الموظفين في المؤسسات الحكومية، الذين نفذوا مرغمين ما أملت عليهم مكاتب الفصائل وقادتها.

عقارات الدولة المستولى عليها في مرحلة ما بعد داعش

الباحث السياسي “عادل كمال” ذكر لـ«الحل نت» أن «كل عقار كان في حوزة داعش، إبان سيطرته على الموصل بين سنتي 2014 و2017، أصبح بعد طرد التنظيم من الموصل تحت سيطرة فصيل من فصائل الحشد الشعبي الشيعي. أو الحشد العشائري السني. أو واحدة من الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي العراقي».

ويضيف: «لا يقتصر الأمر على مجرد وضع اليد والاستغلال. بل إمتد للتصرّف بالعقارات بيعاً. بعد تزوير أوراق ملكيتها في دائرة التسجيل العقاري. كما حدث لأراضٍ تم تقطيعها. وبيعت عن طريق جمعيات سكنية، مثل جمعيتي “أم الربيعين” و”الحدباء”. وكل ما فعلته هيئة النزاهة أنها لاحقت الموظفين الذين ينفذون الأوامر تحت التهديد والوعيد. وتركت المستفيدين الفعليين من عقارات الدولة المستولى عليها».

ويلفت “كمال” إلى أن «أعداد العقارات المعلن عنها من قبل هيئة النزاهة أقل بكثير من العقارات المستولى عليها فعلياً في نينوى». موضحاً أن «هيئة النزاهة أعلنت فقط عن العقارات التي تعود ملكيتها للدولة. لكن هنالك آلافاً غيرها من الوحدات والأراضي السكنية والزراعية. تعود ملكيتها لمسيحيين مهاجرين، أو مواطنين تعاملوا مع تنظيم داعش. أو اتهموا بذلك».

موظفة في مديرية التسجيل العقاري أكدت لـ«الحل نت» حديث “كمال”. وأضافت: «هنالك شخصيات مرتبطة بجهات نافذة. تلاعبت بسجلات عقارية تعود ملكيتها للدولة، وكذلك لمواطنين تم تهجيرهم من المواصل. سواءً من قبل تنظيم داعش. مثل المسيحيين والكرد والإيزيديين والشبك والتركمان الشيعة. أو لاحقاً من قبل الميلشيات، التي بسطت سيطرتها. ومسكت الأرض في عموم نينوى. ولاحقت كل معارضيها بتهمة الانتماء لداعش، فهاجر الآلاف تاركين أملاكهم العقارية تحت تصرّف الفصائل. أو عصابات وشخصيات تستقوي بها».

سرقة عقارات الدولة بحجة ارجاعها إلى أصحابها

“عادل كمال” أوضح أن «تنظيم داعش أستغلّ عقارات الدولة المستولى عليها بصفة مقار له ولمحاكمه الشرعية. وخصصها لمقاتليه. وعقب تحرير الموصل من داعش استغلت فصائل الحشد الشعبي العقارات نفسها مقاراً لها ولمكاتبها الاقتصادية».

النائب “عبد الرحيم الشمري” ذكر أن «مزوري العقارات جهات معروفة في الموصل، لكن لا أحد يتجرّأ على ذكرها، لما تمتلكه من قوة ونفوذ». مشيراً إلى أن «واحدة من الطرق، التي تتبعها تلك الجهات، تزوير أوراق عقارات الدولة المستولى عليها. وإعادة ملكيتها إلى من استملكتها الدولة منهم، في عهد نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين قبل عام 2003. ثم تقوم بشرائها ودفع ثمنها لهم كاملاً».  

ويتابع “الشمري”: «على سبيل المثال نقل موظف في التسجيل العقاري، يدعى “محمد جمعة”، ملكية أرضٍ زراعية مملوكة للبلدية شرقي الموصل، رقمها 1282/10مقاطعة 43، إلى اسم مالكها السابق قبل استملاكها. ومن ثم جرى تقطيعها إلى أراضٍ سكنية، بمساحة مئتي متر مربع، وبيعها».

التحركات القضائية لاستعادة عقارات الدولة في نينوى

بتوجيه من “هيئة النزاهة” شنت أجهزة الأمن في نينوى، بدءاً من آذار/مارس 2019، حملة اعتقالات، طالت موظفين في دائرتي التسجيل العقاري/الأيسر وبلدية الموصل. بتهم التزوير والتلاعب بسجلات عقارية. والتواطؤ في قضية عقارات الدولة المستولى عليها. وأحيل عدد منهم إلى المحاكم، وصدرت في حقهم أحكام قضائية بالسجن.

المحامي “نواف عبد الله” يعمل في محاكم استئناف منطقة نينوى الاتحادية، قال لـ«الحل نت» إن «أول حكم قضائي صدر في ملف عقارات الدولة المستولى عليها في الموصل كان في مطلع نيسان/إبريل 2019، ضد مدير التسجيل العقاري “فرحان حسين طه”، بالسجن لمدة خمس سنوات وشهر واحد، بموجب المادة 340 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969».

وأشار المحامي إلى أن «حكماً آخر صدر بحق مدير التسجيل العقاري، في آب/غسطس2021، بالسجن لمدة عشر سنوات. بالتهمة ذاتها. وهي تزوير أوراق رسمية لعقارات تعود ملكيتها للدولة».

«المدير الذي تم تعيينه خلفاً لسابقه المدان، ويدعى “محمد جمعة”، اعتقل هو الآخر مع مجموعة من موظفي دائرته، بتهم التزوير أيضاً. لكن تم إطلاق سراحه بكفالة مالية ضخمة، بعد تدخّل إحدى الميلشيات. وهي الميلشيا ذاتها التي كنت قد نصّبته». بحسب موظف في محكمة نينوى.

وقال الموظف، الذي فضّل عدم إيراد اسمه، لموقع «الحل نت» إن «أحكاماً أخرى صدرت ضد موظفين في التسجيل العقاري وبلدية الموصل. التي تعود معظم العقارات المتلاعب بأوراقها لها. وتراوحت الأحكام بين ثماني إلى عشر سنوات في كل دعوى. وبعض المتهمين سيخضع لمحاكمات في دعاوى جديدة».

لا ملاحقة للجهات المستفيدة فعلاً من الاستيلاء على العقارات

إلا أن المحاكم لم تسجّل أية تحركات ضد الجهات المستفيدة فعلاً من عمليات التزوير العقارية، وعقارات الدولة المستولى عليها في نينوى. وتقتصر الدعاوى المنظورة أمام المحاكم الجزائية على موظفين حكوميين، تخلّت عنهم الجهات التي كانت تحرّكهم لمصلحتها. بحسب ما أكد معظم المطلعين على الملف للموقع.    

ومن بين العقارات، البالغ عددها 8585 عقاراً تابعاً للدولة، التي قالت “هيئة النزاهة” إنه قد تم الاستيلاء عليها في نينوى. لم يتم التحرّك لاستعادة سوى 2888 عقاراً. كما يشير مصدر في الهيئة، قال أيضاً لموقع «الحل نت» إن «خمسة وثلاثين عقاراً منها فقط تم استردادها. وأنجزت الدعاوى الخاصة بها».

مقالات قد تهمك: “الكاظمي” بالذكرى الرابعة لتحرير الموصل: لن نُكرّر أخطاء الماضي

فيما تكمن الصعوبة في استرجاع بقية العقارات. الواقعة تحت تصرف الفصائل التابعة للحشد الشعبي والأحزاب المتنفّذة. وتزداد الصعوبة إذا ما تعلّق الأمر بعقارات تعود ملكيتها لمدنيين. لأنهم يخشون عواقب تقديم شكاوى قضائية، قد تكون ردود الفعل إزاءها تهماً كيدية بدعم الإرهاب. تفضي بهم إلى حبل المشنقة. وهكذا فإنه سواء في حالة عقارات الدولة المستولى عليها، أو في حالة العقارات التابعة لإفراد، فإن ملف انتزاع الملكيات العامة والخاصة في العراق، من قبل الجهات المسلّحة، يبدو بعيداً عن الحل، في ظل التركيبة السياسية الحالية للبلاد.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات