الصراع على أوكرانيا: هل ستتأثر الأزمة السورية بالنزاع بين روسيا والغرب في شرق أوروبا؟

الصراع على أوكرانيا: هل ستتأثر الأزمة السورية بالنزاع بين روسيا والغرب في شرق أوروبا؟
أستمع للمادة

بات الصراع على أوكرانيا جانباً أساسياً من المشهد السياسي العالمي. ويثير أسئلة كثيرة عن الدور الذي تلعبه روسيا في النزاعات الدولية. بعد تدخلها في عدد الصراعات، ضمن ما تعتبره المجال الحيوي لأمنها القومي. سواء في أوكرانيا وأوروبا الشرقية. أو حتى في سوريا والشرق الأوسط.  

ويتحدث المحللون السياسيون عن العواقب المباشرة وغير المباشرة للصراع بين روسيا والدول الغربية. بما في ذلك الهجمات الإرهابية. مثل أحداث تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس. ومشكلة اللاجئين في الاتحاد الأوروبي. وحادثة القاذفة الروسية التي أسقطتها تركيا. وغيرها من الأحداث، التي شهدتها السنوات الست الماضية، وأدت إلى موجات من النزاعات في جميع أنحاء العالم.

ويمكن القول إن الأزمة الأوكرانية الروسية. وكذلك الحرب السورية. باتا بؤراً لمعارك تشارك فيها كثير من القوى العالمية والإقليمية. ولذلك لا بد من التساؤل حول انعكاسات النزاع المتصاعد حالياً في أوكرانيا على الأزمة السورية. وكيف سيؤثر على السياسة الروسية، إضافة لذلك دورها في التنافس الإقليمي في الشرق الأوسط.

«روسيا تحاول حل عقدها في أوكرانيا»

المعارض السياسي السوري “سمير نشار” يؤكد، في حديثه لـ«الحل نت»، أنَّ «روسيا دولة عدوانية، ذات نظام تسلطي. تعيش عقدة وأزمة، حوّلتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من دولة عظمى، تنافس الغرب والولايات المتحدة تحديداً، إلى دولة إقليمية كبرى. كما وصفها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما».

ولفت “نشار” إلى أنَّ «الصراع على أوكرانيا لا يرتبط بما يحصل في سوريا. فرغم العلاقة غير المباشرة بدعم الأميركيين لأطراف مناهضة لروسيا في أوكرانيا، إلا أنه لا توجد لديهم نيه بخوض نزاع مع موسكو في سوريا. بل يرون أن الساحة السورية مستنقع مناسب لإغراق روسيا في صراعات معقدة».

كما ركّز السياسي السوري في حديثه على «تجاهل الإدارة الأمريكية لأي حل سياسي خارج القرار الدولي رقم 2254، بعيداً عن الرغبات الروسية. على عكس حكومة بوتين، التي ترى في سوريا مصلحة حقيقية لها، جعلت منها لاعباً دولياً خارج النطاق الأوروبي. كما حجزت موقعا استراتيجياً لها بالقرب من البحر المتوسط».

مبيناً أنَّ «الصراع على أوكرانيا له جذوره، منذ إقدام روسيا على احتلال شبه جزيرة القرم عام 2014. وقيام الغرب بفرض عقوبات على موسكو. لكن نتيجةً لتحسن أسعار الطاقة تحمّل الروس عبء العقوبات الغربية».

وفيما يتعلّق بالشرق الأوسط قال “نشار” إنَّ «سياسة إدارة بايدن، وتفضيلها الدبلوماسية في حل المشكلات الدولية، مثل الملف النووي الإيراني. والانسحاب مؤخراً من أفغانستان. وتغاضيها عن قضايا الشرق الأوسط. بعث برسالة سلبية لحلفائها في العالم. تلقفتها الصين وروسيا، من خلال تفعيل أزمتي تايوان والصراع على أوكرانيا. لخلق مزيد من الارتباك للسياسة الخارجية الأميركية على المستوى الدولي».

كما أكد في ختام حديثه على أن «الولايات المتحدة الآن بصدد تصويب بعض سياساتها ومواقفها الخارجية. خاصة في أوكرانيا وسوريا والعراق والخليج واليمن. ولم يعد الانسحاب من هذه المناطق وارداً، على الأقل في المدى المنظور. وسيدخل الغرب في مواجهة جديّة، إذا حصل تدخّل روسي في شرق أوكرانيا».

«لا علاقة بين الصراع على أوكرانيا والأزمة السورية»

موقع «الحل نت» تواصل مع “رامي الشاعر”، الدبلوماسي السابق، ومستشار الإدارات الروسية، لمعرفة  مدى انعكاس الصراع على أوكرانيا، بين الناتو وروسيا، على الشأن السوري. وإذا ما كان التسخين الإعلامي بين الطرفين بداية لحراك عسكري، قد يؤدي لمزيد من التوتر في تلك المنطقة من العالم.

“الشاعر” أجاب بالقول: «يبدو غريباً بالنسبة لي ما يحاوله البعض من ربط الأزمة الأوكرانية، وأزمة علاقة روسيا بحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وبين الأزمة السورية. بهذا الشأن، أود التوضيح أنه لا علاقة من قريب أو من بعيد بين هاتين القضيتين، وبين مصير إنهاء الأزمة السورية. فقد بدأت الأزمة السورية قبل عشرين عاماً، وليس قبل عشر سنوات كما نظن. وإنما احتدمت بعد اندلاع الاحتجاجات في عام 2011. أما الأزمة الأوكرانية فقد بدأت قبل ثماني سنوات، عام 2014. بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأوكراني الشرعي “فيكتور يانوكوفيتش”، بدعم ومباركة غربية أميركية. وهو ما دفع سكان شبه جزيرة القرم إلى عقد استفتاء للانفصال عن أوكرانيا. صوّت فيه زهاء 97% من السكان لصالح الانضمام لروسيا».

وأضاف: «من ناحية أخرى يجب علينا ألا نتجاهل أن أساس الأزمة السورية داخلي: سوري-سوري. ولن تُحل إلا بتوافق سوري- سوري. ولن يتم إنهاء التواجد العسكري الأجنبي على الأراضي السورية، أو إنهاء العقوبات الاقتصادية على سوريا، أو وقف التدهور الاقتصادي والاجتماعي، إلا بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254. وبدء العملية السياسية، من خلال توافق سوري- سوري».

وفيما يتعلّق بالصراع على أوكرانيا يقول “الشاعر”: «الأزمة الأوكرانية لن تُحل سوى عبر تطبيق جميع بنود اتفاقيات “مينسك”، التي تعتمد على توافق الأطراف الأوكرانية المختلفة. والاتفاق على وضع خاص لمنطقتي “لوغانسك” و”دونيتسك”، يُثبّت في الدستور الأوكراني. وربما هنا يمكن الإشارة إلى تشابه هذا مع وضع شمال وشمال شرقي سوريا. والحاجة لتعديل الدستور السوري ليضمن حقوق الكرد في حرية ممارسة عاداتهم وتقاليدهم الوطنية. بما يتضمّن اللغة والتعليم والثقافة. دون أن يعني ذلك تعزيز أي نزعات انفصالية. وبما يحافظ على وحدة الأراضي السورية».

«الصراع على أوكرانيا مرتبط بالأمن القومي الروسي»

“الشاعر” حاول في إفادته توضيح السياسات الروسية بالقول: «علاقة روسيا مع الناتو ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي لروسيا، التي تعتبر توسّع الناتو شرقاً، وتمدده في بعض بلدان الشرق الأوسط، تهديداً مباشراً لأمنها. الأمر الذي تعتبره موسكو فجاً، ولم يعد مقبولاً تحت أي مسمى كان. وروسيا لن تستهين بأمنها القومي وأمن مواطنيها في أي مكان. وتكمن المشكلة المعقدة في إقليم “دونباس” شرقي أوكرانيا، في أن ما يقرب من سبعمئة ألف مواطن أوكراني يعيشون في ذلك الإقليم يحملون جوازات سفر روسية. وهو ما يجعل أي عملية عسكرية محتملة على تلك المنطقة، بغرض “استعادتها” بالقوة. وكل الاستفزازات التي تقوم بها قوات التنظيمات النازية المتطرفة هناك، التي تجري بمباركة السلطة في كييف، لعباً بالنار. يعرّض أوكرانيا لما لا تحمد عقباه. وقد صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أي هجوم أوكراني على “دونباس” سوف يسفر عن فقدان أوكرانيا حدودها الحالية للأبد».

متابعاً بالقول: «آمل وأعتقد أن المباحثات المزمع أن تبدأ بين موسكو وواشنطن، خلال الأيام المقبلة، سوف تدفع باتجاه النظر في إبرام اتفاقيات تضمن أمن روسيا. إلا أنني في الوقت نفسه أجد أن بعض التهدئة، التي ستخفف التوتر الراهن، لم تعد تكفي. ولن يحدث انفراج حقيقي سوى بحل حلف الناتو. وهو الأمر الذي لا شك أنه سيحدث خلال السنوات العشر القادمة. لقد أُنشئ الناتو لمواجهة حلف وارسو. فما حاجة أوروبا الآن إلى هذا الحلف، بعد أن مات حلف وارسو ودُفن منذ ثلاثين عاماً؟ أما الذرائع والحجج الواهية، التي يسوقها الغرب لبقاء وتمدد الناتو شرقاً، ومنها ما يسمى “السلوك العدائي” لروسيا، أو الذريعة الأكثر عبثاً، وهي “محاولات روسيا لإعادة إنشاء الاتحاد السوفييتي”. فتلك حيل لم تعد تنطلي على أحد».

«الأزمة السورية لا تحتمل التأجيل»

وبخصوص الوضع في سوريا يقول “الشاعر”: «الأزمة السورية لا يمكن أن تتحمل التأجيل أكثر من هذا. لأن الوضع الإنساني المأساوي، الذي تعيشه غالبية الشعب السوري، ليس سوى قتل جماعي بطيء. والمطلوب بالدرجة الأولى من السوريين التحرّك. وعدم ربط وضعهم بأية أزمات أو أوضاع دولية أخرى. والكف عن تبادل الاتهامات حول من يتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. يتعيّن على الجميع التعامل مع حقيقة الوضع الراهن الآن وهنا. ومواجهة حقيقة أن الشعب السوري بأغلبيته غير راضٍ عن ذلك الوضع».
كما يضيف: «يجب أن يبدأ التغيير بأقصى سرعة ممكنة. لأن كل طرف سوري، سواء في المعارضة أو القيادة بدمشق، لا يغيّر من نهجه، الذي استمر عليه خلال العقد الأخير. وقد أدى هذا إلى تردّي الأوضاع. ووصولها إلى قاع كارثي. والتاريخ لا يغفر مثل ذلك الاستهتار بمصائر الشعوب. وتغليب المصالح السياسية والشخصية الضيقة. ومحاولة رسم صورة دولية معقدة. والبحث عن توازيات وتقاطعات، لتكون بمثابة ذريعة للتزمّت في المواقف. ورفض التنازلات والتنازلات المقابلة. وبعيداً عن حكم التاريخ، فإنه يجب إبعاد مثل هذه الأطراف. بجميع الأساليب المتاحة محلياً ودولياً».

مختتماً حديثه بالقول: «آمل، وأعتقد أيضاً، أن تكون هذه السنة بالفعل بداية التغيير بالنسبة لسوريا. وأن يحمل العام الجديد للشعب السوري أخباراً سارة. ورفعاً للعقوبات الاقتصادية. إضافة لذلك الشروع في إعادة إعمار البلاد. وتضميد الجروح. وبناء سوريا الجديدة».

هل سيعود “الستار الحديدي” ابتداءً من أوكرانيا؟

وفي السياق نفسه نفت “ماريا زخاروفا”، الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، عبر قناة “بيلروس”، عزم بلادها على «العودة إلى سياسة ” الستار الحديدي” في علاقاتها مع الغرب». رداً على سؤال بهذا الخصوص.

ونشرت وزارة الخارجية الروسية، في السابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، مسودة اتفاقيات بين روسيا من جهة، وأميركا وحلف شمال الأطلسي من جهة أخرى، تتعلق بالصراع على أوكرانيا. وتشير الوثيقة إلى محاور عديدة، من بينها: «تقديم ضمانات من قبل الناتو لموسكو بعدم التوسّع شرقا. وعدم السماح بانضمام أوكرانيا، ودول كانت ضمن الاتحاد السوفياتي في السابق، إلى الحلف الأطلسي العسكري».

ورجّحت أوساط متابعة لعلاقات روسيا مع الدول الغربية أنّ يتم التوصل إلى اتفاق لحل الصراع على أوكرانيا، بين أطراف الأزمة المحليين وروسيا وحلف الأطلسي. في سياق رغبة الإدارة الأميركية بعدم فتح عدة جبهات مع خصومها بوقت واحد. خاصة مع تصاعد التصريحات النارية بين واشنطن وبكين، التي قد تدلّ على سباق تسلّح في آسيا. وقيام الولايات المتحدة بزيادة عدد قواتها وعتادها العسكري في تلك المنطقة.

«واشنطن ليست في مواجهة مع الروس»

“بسام بربندي”، الدبلوماسي السوري السابق في واشنطن، قال إن «الولايات المتحدة ليست بصدد المواجهة مع الروس. فالإدارة الأميركية تركز اهتمامها على الصين. ولم تقطع خطوط التواصل مع موسكو. وما تزال الدبلوماسية تحكم علاقة البلدين».

كما أضاف في حديثه لموقع «الحل نت»: َ«هناك قلق لدى طرفي الصراع على أوكرانيا. قد يدفعهما لإيجاد حلول سياسية. بعيداً عن صوت الرصاص. وهذا ما أكدته الاتصالات المستمرة في الفترة الأخيرة بين موسكو وواشنطن. ومحاولة إيجاد ضمانات لكلي الطرفين».

وفيما يتعلّق بالشأن السوري قال “بربندي” إنَّ «الإدارة الأمريكية لا تجد نفسها معنية بإيجاد حل سياسي للمسألة السورية. بقدر تركيزها على الملف الإنساني، ومحاربة الإرهاب، إضافة إلى مكافحة الأسلحة الكيميائية. آخذة بالاعتبار أمن إسرائيل، في ظل انتشار الميلشيات الإيرانية في الجنوب السوري، بالقرب من الحدود الشمالية لإسرائيل».

وتعلم إدارة بايدن جيداً، بحسب الدبلوماسي السوري، أنَّ «الحديث حول المستقبل السياسي لسوريا بات محصوراً بالروس. وتحاول جعل حسن النيّة أساساً لعلاقتها هناك. مع الأخذ بالاعتبار أن واشنطن تستطيع تدمير الاقتصاد الروسي لو أرادت ذلك. لكنها ترى أن الحوار سبيل لبناء تفاهمات حول الصراع على أوكرانيا».

مقالات قد تهمك: نهاية الحرب في سوريا: كيف يمكن لروسيا وأمريكا العمل سويًا؟

وبرأي “بربندي” فإنه «إذا قامت روسيا باحتلال مناطق جديدة في أوكرانيا، متحديةً الأميركيين بذلك، فهذا سيجبر واشنطن على الرد بعدة طرق، منها الاقتصادي والعسكري. وقد يشمل ذلك سوريا. من خلال إيقاف الاستثناءات الأخيرة لمنظمات المجتمع المدني، التي تعمل على الأراضي السورية. وفرض مزيد من العزلة على دمشق».

مختتماً إفادته بالقول: «مع ذلك فإن روسيا لا تسعى إلى تحقيق التفوق المطلق في الشرق الأوسط. ولن تتمكن أيضاً من السيطرة على قطاع الطاقة بمفردها. لأنه إضافة إلى التواجد الروسي في هذا القطاع، هناك أيضاً السعودية وإيران، اللتين ستقاومان بعناد طموح بوتين. لذا فإن المصالح الرئيسية للكرملين في أوروبا، بما في ذلك مسألة الصراع على أوكرانيا. وليس في الشرق الأوسط».

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات