التغلغل الديني الإيراني: لماذا يعتبر أهالي السويداء نفوذ طهران اعتداءً على وجودهم؟

التغلغل الديني الإيراني: لماذا يعتبر أهالي السويداء نفوذ طهران اعتداءً على وجودهم؟
أستمع للمادة

بدأت محاولة التغلغل الديني الإيراني في محافظة السويداء، بشكل فعلي وظاهر، بعد العام 2006. عندما ساند معظم السوريين معنوياً لبنان، وتحديداً حزب الله، في حربه ضد إسرائيل. ما فتح الطريق للوفود الإيرانية للقيام بزيارات منتظمة إلى الجنوب السوري. تحت مسميات. مثل السياحة الدينية لمقامات ورموز مشتركة بين الطائفتين الشيعية والدرزية. وكان ذلك بداية لما أطلق عليه العامة “تشييع الدروز”. ليشهد العام 2011 تصاعداً كبيراً في تلك النشاطات.

إلا أن هذا “التشييع” المزعوم، وإن نجح في بعض الحالات الفردية، ظل على نطاق ضيق، بسبب الطبيعة التي تحكم طائفة الموحدين الدروز. والتي تجعل الخارجين من “الملة” منبوذين اجتماعياً ودينياً. وهو ما أكده لـ«الحل نت» الشيخ “كمال”، وهو رجل دين درزي رفض ذكر اسمه الكامل. معتبراً أن «محاولات التشييع تهدف إلى تقويض المجتمع. وزرع الفتن بين أبناء الوطن الواحد. على الرغم من إن طائفة الموحدين الدروز لا تتسم بالتعصب الديني، وتلتقي مع كل الطوائف والأديان، وتتعايش بمحبة مع محيطها السني والمسيحي منذ مئات السنين». حسب تعبيره.

فما حقيقة التغلغل الديني الإيراني في السويداء؟ وأهدافه السياسية والاستراتيجية؟ وانعكاساته الأهم على موقف أهالي المحافظة من الصراع الدائر بالجنوب السوري؟

أكبر من مجرد محاولة “تشييع”

وحول مدى التغلغل الديني الإيراني يقول الشيخ “كمال” إن «الحرب السورية، المستمرة منذ عشر سنين، غيّرت النفوس. ودفعت بعض الفقراء للتشيّع، على يد مندوبين لإيران، من أجل المال والمساعدات ليس إلا». إلا أنه يعود للتأكيد أن «معظم المتشيعين حوّلوا مذهبهم سراً. فهم يخجلون من البوح بالأمر، وإظهاره للعلن، بسبب الرفض الاجتماعي له. وهدفهم من تغيير مذهبهم هو وقاية أنفسهم وأسرهم من الجوع. رغم علمهم بالخطأ الذي يرتكبونه». على حد تعبيره.

إلا أن “أبا تيمور”، الناشط الاعلامي في الجنوب السوري، يقدم لـ«الحل نت» صورة أكثر شمولاً عن التغلغل الديني الإيراني في السويداء. جازماً  أن «الهدف من عمليات التشييع سياسي بحت. فضلاً عن أبعاده الاقتصادية. فإيران تسعى إلى فتح منافذ جديدة لتجارة المخدرات نحو الأردن والخليج. خالقة عديداً من المجموعات الموالية لها عقائدياً، كي تضمن نجاح خطتها لإدارة تجارتها غير المشروعة بأمان. وبالتالي فإن معارضة أهالي السويداء لعمليات التشييع ليست مجرد معارضة مذهبية. بل لها أبعادها السياسية، والمتصلة بحفظ الأمن في المحافظة».   

التطبيع العسكري والديني أداةً للتغلغل الديني الإيراني

ويروي “أبو تيمور” خلفية التغلغل الديني الإيراني بالقول: «أنشأت إيران، في العام 2012، ما يسمى “الدفاع الوطني” في المحافظات التي تعتبر موالية للحكومة السورية. ودعمت بالمال والسلاح المنتسبين إلي تلك الميلشيا. وكانت السويداء من أولى المحافظات التي شهدت نشوء ميلشيا الدفاع الوطني، الذي تدرّب كثير من مقاتليها في إيران نفسها. وباتوا مع الوقت موالين للحرس الثوري الإيراني. لكن الأمر لم يقف عند ذلك. فقد فتحت إيران خزائنها للسماسرة، من أجل إنشاء مجموعات عسكرية أخرى مقابل المال. مع محاولات لتشييع مقاتليها».

متابعاً بالقول: «لعب المحامي “محمد باكير” دوراً كبيراً في تسهيل التغلغل الديني الإيراني في السويداء. من خلال تجنيد الشباب في الميلشيات، عبر مكتبه بمدينة شهبا شمالي السويداء. وما زال حتى اليوم يوزّع المساعدات والرواتب على المتشيّعين».

ويشير “أبو تيمور” إلى أن «”باكير” نفسه هو من يجنّد الشبان لصالح الروس للعمل في ليبيا. وهو شريك لـ”جامل البلعاس”، المقرّب من فرع الأمن العسكري، والمتحكم بعدد كبير من المقاتلين من أبناء العشائر. ومن المعروف أن له دوراً كبيراً في تهريب المخدرات نحو الأردن، برعاية حزب الله اللبناني».  

ويختتم “أبو تيمور” حديثه بالتأكيد على «دور “باكير و “البلعاس” في التغلغل الديني الإيراني في الجنوب، من خلال  تشييع عدد من أبناء العشائر في كل من درعا والسويداء. ومن ثم تدريبهم في معسكرات بالريف الغربي لمحافظة السويداء. ما أدى لتأجيج الصراع والانقسام الطائفي في المنطقة. فضلاً عن العمليات الإجرامية التي ينفذها المقاتلون المتشيّعون. مثل محاولة خطف المدنيين من السويداء ودرعا».  

التغلغل الديني الإيراني ومشايخ العقل

ومن الناحية الدينية الرسمية، حاولت إيران كسر الجليد مع مشايخ عقل السويداء، من خلال الزيارات الدينية والثقافية الدورية. فقد كانت الوفود الإيرانية تزور مقام “المهدي” في قرية “مردك” بالسويداء بشكل سنوي. وسط امتعاض الأهالي من تلك الزيارات «المريبة». كما وصفها الحقوقي “مسعود الأحمد”، في حديثه لـ«الحل نت».

ويشير “الأحمد” إلى أن «الإيرانيين وجدوا في ذلك المقام طريقاً لتقوية التغلغل الديني الإيراني في المنطقة. عن طريق تشكيل حوزات دينية شيعية. إلا أنهم فشلوا في سعيهم، بسبب الرفض الشعبي». مؤكداً أن «إنشاء أول حوزة دينية شيعية في السويداء كان في قرية “الغارية”، إلا أن شباباً من حركة “رجال الكرامة” قاموا بتدميرها».

المحامي السوري يشرح العلاقة بين إيران ومشايخ عقل الطائفة الدرزية الثلاث. قائلاً إنها «مرّت بأطوار متباينة. فالشيخ “حكمت الهجري” مثلاً يستقبل كل الضيوف، الذين يفدون إليه. لكنه لم يفتح المجال أمام الإيرانيين. فيما اتسمت العلاقة بين الإيرانيين وشيخ العقل “يوسف جربوع” بالانفتاح وتبادل الهدايا. لكنه رفض في آخر زيارة هدية حاول الإيرانيون تقديمها إليه. وكانت عبارة عن قطعة سلاح».

ويضيف: «بالمقابل كانت جهات أمنية تابعة للحكومة السورية تحاول فتح الطريق لعلاقات أخرى مع مشايخ في جنوب السويداء. لتسهيل التغلغل الديني الإيراني، فأنشأت ما أُطلق عليه اسم “الهيئة الدينية لجبل العرب”. ضمّت مشايخ موالين للسلطة في دمشق. ومتعاطفين مع إيران. وفُتح بذلك الطريق أمام إنشاء فصائل مسلّحة موالية لإيران. وحماية طرق المخدرات بمساعدة من فرع الأمن العسكري. ومن أهم تلك الفصائل فصيل تابع لكل من  “ناصر السعدي” و”مهران عبيد”، قضى على فصيل “قوات شيخ الكرامة”، بقيادة “ليث البلعوس” ابن الشيخ “وحيد البلعوس”، في مدينة صلخد. ما جعل الجنوب طريقاً آمناً لتجارة المخدرات بصورة مؤقتة».

محاولات لإبعاد السويداء عن “موفق طريف”

لا يخفى على أحد الرفض والعداء الكلي لوجود إيران، والتغلغل الديني الإيراني في المنطقة، من قبل “موفق طريف”، شيخ عقل دروز فلسطين، وأحد أهم رجال الدين الدروز في العالم، والداعم الأساسي لطائفة الموحدين الدروز في السويداء مادياً ومعنوياً. وقد عبّر عن ذلك في كثير من المناسبات.

 فيما حاولت السلطات السورية كسر علاقة “طريف” مع أهالي السويداء، بدعم مشايخ آخرين من دروز فلسطين. وتشكيل تحالف مع الزعيمين الدرزيين “طلال أرسلان” و”وئام وهاب” في لبنان، اللذين لا يخفيان دعمهما لحزب الله وإيران في المنطقة. لكن المكانة الروحية الكبيرة لـ”طريف” بين أهالي السويداء أفسدت تلك الخطط.

مقالات قد تهمك: إمبراطورية الكبتاغون

رغم كل هذا فإن التغلغل الديني الإيراني في السويداء أنتج انقساماً حاداً في الطائفة الدرزية. فالأقلية الموالية لإيران لديها إمكانيات مادية كبيرة. فضلاً عن انفتاح رموز عدد من العائلات الكبيرة، مثل آل “الأطرش”، على إيران. ما قد يجعل مواجهة النفوذ الإيراني في الجنوب مقدمة لفتنة أهلية بين أبناء المذهب الواحد.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات