أستمع للمادة

ليست هذه أول حالة اقتتال داخلي بين الفصائل المقاتلة على الأرض السورية سواء المتحالفة مع تركيا في شمال سوريا، أو الواقعة في المناطق التي تقع تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا)، لكن النقطة الفاصلة في هذا الحدث الذي بدأت إرهاصاته منذ نيسان/أبريل الفائت، هو دخول “الهيئة” المصنفة على قوائم الإرهاب، إلى أبرز المناطق التي تخضعها أنقرة لسيطرتها منذ عام 2018.

بعد الاشتباكات الأخيرة، والتي ازدادت حدتها أمس السبت، ودعم “تحرير الشام” لحركة “أحرار الشام” التي ساهمت في حلها في أواخر عام 2020، يبدو أن مناطق نفوذ “الجيش الوطني” المعارض الذي تدعمه أنقرة، بدأت بالتقلص بعد تمدد الهيئة إلى أطراف مدينة عفرين (شمال غرب سوريا وتخضع للنفوذ التركي حاليا)، ما قد يعني إحداث خارطة نفوذ جديدة وانحسار وجود فصائل “الجيش الوطني”. وما يدعو للتساؤل حول احتمالية فرض الهيئة خلال الفترة المقبلة اندماجا على فصائل “الوطني”، أم تزداد احتمالية اتساع رقعة الاشتباكات مع “تحرير الشام” لتدخل المنطقة في اقتتال مميت جديد، لا يدفع ثمنه سوى المدنيين.

حرب أم تهدئة؟

خلال هذا الأسبوع، اختتمت كلا من تركيا وإيران وروسيا، اجتماع “أستانا” بكازاخستان، بالتأكيد على استمرار فرض أربع مناطق خفض تصعيد منتشرة في جميع أنحاء سوريا، من ضمنها إدلب وعفرين، ولكن على أرض الواقع، شهدت عفرين التي دخلتها تركيا عام 2018، اقتتالا داميا بين فصائل “الجيش الوطني”، ومنشقين عنه كانوا سابقا ضمن حركة “أحرار الشام” الإسلامية.

ما زاد الأمر تعقيدا، هو دخول “هيئة تحرير الشام” في هذا المعترك، حيث باتت عفرين ساحة المعركة الأكثر تعقيدا في سوريا، لأن “الهيئة” منذ سنوات تحاول دخولها بعد أن خسرت العديد من المناطق في ريف إدلب الجنوبي، وحصارها من قبل “الجيش الوطني” حيث تدعي أنقرة رفضها دخول الهيئة لهذه المناطق.

المعادلة التي رسمت خلال الساعات الماضية، ووصول الهيئة إلى تخوم مدينة عفرين، برأي الباحث والمحلل السياسي، مصطفى النعيمي، أنها لن تطول، إذ برأيه أن الوضع الراهن للظروف الدولية لا يسمح بمتغيرات في مناطق السيطرة لكافة الأطراف، حتى وإن كان هناك تجاوز للخطوط الحمراء من قبل بعض الفصائل.

ويعتقد النعيمي، خلال حديثه لـ”الحل نت”، أنه سيتم تلافي هذا التجاوز تدريجيا، لكن بذات الوقت سيترك الباب مفتوحا تجاه تنقل بعض الفصائل من مناطق ريف حلب إلى محافظة إدلب، مضيفا أن جهود احتواء الفرقة التي انشقت عن “الجيش الوطني” المعارض، ستفشل بسبب سقوط قتلى ضمن الاشتباكات.

هل تتغير المعادلة في عفرين؟

القوات التركية، تنتشر حتى الآن، على امتداد منطقة مرتفعة في الطرف الجنوبي من عفرين، وقد سمح الانتشار للجيش التركي بمحاصرة الأراضي التي تسيطر عليها “الهيئة” من جميع الجهات، مما مكّن أنقرة من محاصرة المنطقة، كما تعهدت الحكومة التركية بشكل متكرر خلال توقيعها على اتفاق “خفض التصعيد” بإدلب في آذار/مارس 2019، بالقضاء على التنظيمات الإرهابية التي أدرجتها موسكو ضمن الاتفاق، لكنها لم تنفذ أي من تلك التعهدات على الأرض حتى الآن، رغم أن قوات “تحرير الشام” تتمترس بالقرب من قواعدها.

بعد عبور “الهيئة” من مناطقها إلى عفرين عبر المعابر التي تربطها مع مناطق “الجيش الوطني”، وهما معبر دارة عزة – الغزاوية، المعروف أيضا بطريق دارة عزة بريف حلب الغربي، والآخر هو  معبر أطما- دير بلوط، تظهر القراءات أن قيادة “الهيئة” تتطلع لأي فرصة من أجل قضم مناطق في عفرين التي تسيطر عليها فصائل “الجيش الوطني” المعارض المدعوم من أنقرة تحت مسمى منطقة “غصن الزيتون” ذات النفوذ التركي منذ منتصف عام 2018.

المحلل العسكري، العقيد عبد الله حلاوة، قال في تصريح لـ”الحل نت”، إنه لا يستبعد أن تفتعل “تحرير الشام” أي توترات من أجل البقاء في عفرين، لا سيما وأن المناطق التي تسيطر عليها استنزفت اقتصاديا واجتماعيا، وباتت تشكل عليها عبئا ثقيلا بسبب كثافة السكان فيها، بعد انحسار مواردها.

وأوضح حلاوة، أن “الهيئة” التي تغذت سابقا على جميع الفصائل المعارضة، ومؤخرا على الفصائل الإسلامية المتشددة التي ساندتها، لا تخفي مساعيها للسيطرة على عفرين، من خلال استهداف التيارات المعارضة لها، وخصوصا أنها لا تثق بأن يستمر دعم الأتراك لها.

وبالنظر إلى التهديد الذي تشكله “الهيئة”، فإن ترويجها لمشروع بديل للمنطقة، بعد فشل “الجيش الوطني” في تأمين المنطقة من الانفلات الأمني، يمكن أن يعزز تأييد مريديها ويفتح الباب أمام اقتتال جديد، يمهد سيطرتها على الجزء الجنوبي من عفرين، معتمدة بذلك على انشغال أنقرة بالتجييش لمعركة جديدة في مناطق من شمال سوريا.

“تحرير الشام” تصل عفرين

الاشتباكات التي وقعت خلال الأيام السابقة، تبدو فقط بداية لصراع دموي ومتسلسل في تلك المناطق، والذي لا يعطي أي أملا للمدنيين هناك، لا سيما وأن الاقتتال ليس بعيدا عن مساكنهم المؤقتة.

في صبيحة أمس السبت، وبعد إصدار “الفيلق الثالث” بيانا يؤكد فيه تنفيذ ما حكمت فيه “لجنة الإصلاح” -لجنة شكلتها تركيا لفض خلافات الفصائل- بأن مقار ونقاط رباط “الفرقة 32” التابعة للفيلق الثالث تبقى تحت سيطرة قيادة الفيلق باستثناء عدة مقار ونقاط تبقى مع المجموعات المغادرة، هاجم عناصر الفيلق، مقار “أحرار الشام القطاع الشرقي” في ريف مدينة الباب، وسيطر عناصر الفيلق على مقار للأخيرة، واعتقلوا منهم نحو أربعين عنصرا.

في تصريح خاص لـ”الحل نت”، ذكر مصدر عسكري في “الجيش الوطني”، أن حسن صوفان – القائد السابق لحركة أحرار الشام – استطاع استمالة “الفرقة 32” – المجموعة التي يعود أصلها لأحرار الشام وانضمت للفيلق الثالث – وتعدادهم قرابة 1500 عنصر، حيث “بايع” عناصر الفرقة “تحرير الشام” من أجل مساندتهم في القتال.

هذا الانضمام غير المعلن، مهد لدخول أرتال عسكرية لـ”هيئة تحرير الشام”، ليل السبت – الأحد، إلى منطقة عفرين، حيث باتت على بعد أقل من 5 كم من مدينة عفرين، وجاء دخول الهيئة بعد ساعات من سيطرتها على معبر الغزاوية/ دارة عزة، الفاصل بينها وبين “الجبهة الوطنية للتحرير” التي انسحبت منه، غربي حلب.

وبحسب ما نقله مصدر في المنطقة لـ”الحل نت”، فإن الهيئة تقدمت عبر محورين، الأول قاطع الباسوطة التي تسيطر عليها فرقة “الحمزة” (الحمزات)، ووصلوا إلى قرية قرزيحل جنوب عفرين، وحاليا تدور اشتباكات على مدخل القرية.

أما المحور الآخر، فهو من جهة دير بلوط، إذ دخلت “الهيئة” لمنطقة جنديرس الخاضعة أساسا لـ “أحرار الشام”، وقطعوا الطرق باتجاه قرية كفرصفرة، وبذلك تكون الهيئة قد أحكمت سيطرتها فعليا على ربع مساحة عفرين من الجهة الجنوبية الشرقية، الأمر الذي فرض على “الوطني” وقف الاشتباكات، والوصول إلى اتفاق أولي مع “الهيئة”، يقضي باستعادة “أحرار الشام” مقراتها ومواقعها التي سيطر عليها “الفيلق الثالث”.

استنفار تركي

منذ ساعات الصباح الباكر، وبعد فشل “الجيش الوطني” المعارض المدعوم من قبل أنقرة، في صد عناصر “الهيئة” التي وصلت إلى حدود مدينة عفرين، وصل قادة من الجيش التركي وجنرالات في وزارة الدفاع التركية، يتقدمهم وفد مدني بقيادة والي ولاية والي ولاية هاتاي التركية رحمي دوغان، للاجتماع مع القوة المنشقة عن “الفيلق الثالث”.

وخلص الاجتماع بحسب ما أفادت مصادر عسكرية في “الجيش الوطني”، لـ”الحل نت”، بانسحاب كافة المجموعات التي جاءت من إدلب، وعودة “الفرقة 32” إلى مقارها التي سيطر عليها “الفيلق الثالث”، فيما تعهد الجيش التركي، بتقديم العلاج لجميع الجرحى، وفدية مالية لأهالي القتلى من الطرفين، على أن ترجى الملفات الخلافية لجلسة أخرى.

وتعليقا على ذلك، قال النعيمي، إنه “في المرحلة الحالية والقادمة، لن تحصل متغيرات في السيطرة الجغرافية، نظرا لمجموعة من الأسباب من أبرزها أن منطقة ريف حلب تشهد توافقات وتجاذبات دولية، وبموجب تلك المتغيرات هذا النوع من المتغير العسكري سيتم ضبطه في المرحلة الراهنة، نظرا لأولويات الأهداف بالنسبة لكافة الأطراف وتزامن التحشيد الإيراني تجاه مجموعة من المدن والبلدات (نبل – الزهراء – الفوج 46 – سراقب – جبل الزاوية)، وعليه سترحل كافة الملفات في المرحلة الحالية، فبموجب تلك الأولويات سيتم ضبط توازن المشهد تدريجيا، وصولا إلى التوافق حول ماهية المنطقة في الأيام القادمة”.

الجدير ذكره، أنه اعتبارا من أيار/مايو 2018، في أعقاب سيطرة القوات التركية على مدينة عفرين بعد عملية “غصن الزيتون”، أصبحت عفرين وريفها، وكذلك المناطق المتاخمة لها في ريف حلب الشمالي، تحت سيطرة فصائل “الجيش الوطني” المدعوم من أنقرة.

ومنذ ذلك الحين، تشهد المنطقة حالة من الفوضى الأمنية وسط تفجيرات متكررة بشكل أسبوعي أو حتى يومي، حتى في معظم الأماكن المزدحمة والحيوية للمدنيين، وبحسب ما رصده “الحل نت”، فإن الاشتباكات مستمرة بين الفصائل فيما تقف الأجهزة الأمنية التركية المتواجدة في المنطقة عاطلة عن العمل، وفي غضون ذلك، تحصد هذه المشاجرات أرواح المدنيين.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.