تزايد انتشار تجارة “القراقيع” في سوريا.. ما قصتها؟

تزايد انتشار تجارة “القراقيع” في سوريا.. ما قصتها؟
أستمع للمادة

تردي الأوضاع المعيشية في سوريا بشكل غير مسبوق، وتدني مستوى الدخل وازدياد نسبة الفقر بات حال غالبية السوريين، بالإضافة لقلة فرص العمل، وهذه الأحوال مجتمعة أدّت للتوجه لوسائل جديدة في سبيل العيش لم تكن منتشرة من قَبل في المجتمع السوري.

تجارة “القراقيع”

تقرير لموقع “هاشتاغ” المحلي، يوم أمس الثلاثاء، تحدث عن تجارة المواد المستعملة والمستهلكة، كالكراسي المكسرة، المكيفات المعطلة، الخبز اليابس، النحاس والألمنيوم، والدراجات وغيرها، حيث تجوب الأحياء سيارات، وصفها التقرير بـ”المقرقعة” لشراء هذه المواد.

وأشار التقرير في السياق نفسه، إلى أن ظواهر جديدة برزت مثل عرض مقتنيات شخصية جدا للبيع كالملابس بأنواعها، والمقتنيات المنزلية، إضافة إلى انتشار كبير لظاهرة البحث في القمامة من قبل أطفال وحتى شابات أيضا.

ونقل التقرير عن صاحب محل فروج، يجاور محله حاويات قمامة في إحدى مناطق المخالفات، إنه يتابع يوميا عشرات الأشخاص الذين يقصدون تلك الحاويات، ويقلبون محتوياتها بحثا عما يمكن الاستفادة منه في قمامة لا تحتوي أساسا ما يمكن أن يستهلكه أصحابها قبل رميه في منطقة فقيرة كتلك.

وأما بالنسبة لأسواق هذه المواد، أوضح التقرير أن البضائع المستهلكة تتركز في سوق ”الحرامية” تحت جسر الثورة بدمشق، وفي سوق الجمعة في اللاذقية وجبلة، ولكل محافظة ومدينة مكان لبيع وشراء أنواع من هذه البضائع التي تبدو أنها لا تصلح لشيء، لكن المفاجأة أن لهذه السلع زبائن يشترونها ويساومون على أسعارها.

إقرأ:الفقر والجوع يقتربان أكثر من السوريين بعد إلغاء الدعم

الأوضاع المعيشية هي السبب

التقرير، نقل عن عضو مجلس الشعب السوري، وعضو لجنة الموازنة، زهير تيناوي، أن أكثر من 65 إلى 70بالمئة من المجتمع السوري دون خط الفقر، لافتا إلى أن انتشار ظاهرة بيع “القراقيع” أو ما يمكن تسميتها بـ “المواد المنتهية الصلاحية”، بسبب الأوضاع المعيشية الضاغطة على شرائح كبيرة من المجتمع جعلت لكل غرض قيمته المادية.

وأوضح تيناوي، أن نسبة زيادات كتلة الرواتب والأجور كانت غير كافية لمعالجة حالة التضخم. ولفت إلى تراجع القوة الشرائية وتسبب الحصار والحرب بإنهاك الاقتصاد والبلد، حيث تراجعت القوة الشرائية لليرة السورية، وكان الفقر سيد الموقف للشريحة الأكبر، مما دفع بشريحة واسعة من السوريين لإعادة النظر في أولويات حياتها المعيشية، وأصبحت تجارة” القراقيع” سلوك اجتماعي نتج عن الحاجة.

قد يهمك:سوريا.. الفقر يهاجم الأسلاك الكهربائية

تقنين ولهذا يتم البيع

حالات التقشف بدأت لدى العديد من الأسر السورية، وفي مختلف المناطق والمدن، فانتشر التقنين في المواد الاستهلاكية.. كما انتشرت ظاهرة إصلاح الألبسة المستعملة والأحذية بهدف إعادة استخدامها أطول فترة ممكنة، بحسب التقرير.

أما عن أسباب البيع، نقل التقرير عن الخبير الاقتصادي، محمد كوسا، يرى أن الناس تبيع مقتنياتها وأشياءها، إما بسبب الحاجة إلى نقد سائل نتيجة لظروف معينة (مثلا تسديد التزامات محددة)،أو بسبب العوز لشراء الغذاء أو الدواء أو تأمين أجور السكن.

وأضاف كوسا، أن هذه الظاهرة تتزايد عموما بسبب احتياجات مستجدة، أو لتجديد المقتنيات، وهذا يحصل عند الميسورين ماليا، أو لعدم تناسب المقتنيات مع الحاجات والأوضاع المستجدة في حياتهم، أو للحصول على فروق السعر بين الحالي والمستبدل.

ومن جهة ثانية، يلجأ الناس لشراء المستعمل بسبب ارتفاع أسعار السلع والحاجيات الجديدة بسبب التضخم، أي عدم القدرة على اقتناء الأشياء الجديدة، أو بسبب جودة الأشياء القديمة والموثوقية في الصناعة والحرفية بالمقارنة مع ما هو معروض من هذه الأشياء الجديدة حاليا، بحسب كوسا.

وأوضح كوسا، أنه في سوريا يشتري الناس المستعمل بسبب ضعف الدخول والعوز وآثار التضخم المتسارعة وقلة ذات اليد، حيث أنهم يشترون المستعمل وفي أضيق الحدود، وأقل الكميات لعدم توفر الجديد إلا بأسعار باهظة وبجودة منخفضة، وبسبب تبدل الأحوال الاقتصادية وعدم استقرار الحالة المعيشية.

ولفت إلى أن سوق القديم رائج بسبب الندرة في عرض الجديد المناسب ماديا ومعنويا، وبسبب عرض المستعمل المغري من حيث السعر والتناسب مع خيارات المستهلك وتوافقه مع حاجاته.

إقرأ:ازدياد عدد شرائح الفقراء في سوريا

الفقر في سوريا أكثر من 90 بالمئة

الأرقام الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة ووكالاتها الرئيسية، تُجمع بحسب تقاريرها الدورية، وتصريحات مسؤوليها على أن نسبة انتشار الفقر في سوريا تزيد اليوم على 90 بالمئة، وهي نسبة تمّ استنتاجها إما من خلال الخلاصات المبنية على خط الفقر الأممي البالغ 1.90 دولار للفرد في اليوم، أو من خلال نتائج مسوح الأمن الغذائي للأسر السورية، والتي نُفذت بالتعاون مع الحكومة السورية، وآخرها كان في عام 2020، بحسب تقرير سابق لـ”الحل نت”.

وتشير التقديرات غير الرسمية، إلى أن معدل انتشار الفقر اليوم في سوريا يُراوح ما بين 90 و95 بالمئة، وذلك استنادا إلى الارتفاع غير المسبوق في معدل التضخم خلال عامي 2020 و2021 والأشهر الأولى من العام الحالي، وفشل السياسات الحكومية في إنعاش العجلة الإنتاجية للبلاد بالشكل والمستوى المطلوبين.

ووفق مراكز بحثية مختصة، فإن الحديث عن انتشار الفقر بين أكثر من 90 بالمئة من السوريين، أمر موضوعي حسب بعض مؤشرات الوضع الراهن والمتعلّقة بحصة الفرد المتحققة من الاحتياجات الغذائية وغير الغذائية، حيث تُظهر النتائج الرسمية لمسح الأمن الغذائي الذي جرى نهاية عام 2020، أن 8.3بالمئة من الأسر تعاني من انعدام شديد في أمنها الغذائي، و47.2 بالمئة تعاني من انعدام متوسّط، و39.4 بالمئة تتمتع بأمن غذائي مقبول، لكنها معرضة لانعدام أمنها مع أي صدمة، وهناك فقط 5.1 بالمئة من الأسر تم تصنيفها على أنها آمنة غذائيا.

قد يهمك:ازدياد نسبة الفقر في سوريا

دور حكومي بزيادة الفقر

الحكومة بدأت تدريجيا برفع الدعم عن بعض المواد، منذ منتصف العام الماضي، عندما توالت قرارات رفع أسعار مختلف السلع والخدمات، حتى وصلت إلى قرار إلغاء الدعم الذي صدر في مطلع شباط/فبراير الماضي، والذي أدى إلى إفقار شريحة واسعة من السوريين.

وأدى هذا القرار إلى القضاء على الطبقة المتوسطة في المجتمع السوري، وتحويلها إلى طبقة فقيرة جائعة تبحث عن “لقمة الخبز”، فبات من يملك سيارة أو محل تجاري بسيط يعيش منه، تم سحب الدعم منه، سيضطر هذا المواطن إلى شراء الخبز والمواد الأساسية بأسعار فلكية، سيحوله ذلك إلى مواطن فقير معدوم شأنه شأن من لا يملك شيء، بحسب مختصين لـ”الحل نت”.

وبالإضافة لذلك، فقد أدى النزاع، والنزوح، والانكماش الاقتصادي الحاد، وانخفاض قيمة الليرة السورية أمام القطع الأجنبي إلى زيادة الضغوط على الأسر التي تكافح من أجل تغطية تكاليف توفير الاحتياجات والسلع الأساسية.

وبحسب مختصين لـ”الحل نت”، فإن الحكومة السورية في ظل الظروف الراهنة لا يمكن لها فعليا مواجهة خطر الأزمة الغذائية، فقد باتت قضية عجز الحكومة معروفة للجميع، من حيث مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية أو حتى المحلية، وعجزها في ضبط الأسواق ولو جزئيا.

وفي هذا السياق، قال برنامج الأغذية العالمي في تقرير له في آذار/مارس الفائت، إنه ومع دخول النزاع في سوريا في عامه الحادي عشر، تواجه الأسر في جميع أنحاء البلاد مستويات غير مسبوقة من الفقر وانعدام الأمن الغذائي، حيث يكافح المزيد من السوريين اليوم أكثر من أي وقت مضى لوضع الطعام على موائدهم.

إقرأ:مقترحات متعددة للتخلص من الأزمة الاقتصادية في سوريا.. كيف ستنجح؟

يذكر أنه بحسب تقارير أممية، صدرت خلال النصف الأول من العام الحالي، فإن ما يقارب نحو 12.4 مليون سوري يعانون حاليا من انعدام الأمن الغذائي، وهذه زيادة قدرها 4.5 مليونا في العام الماضي 2021، وحده وأعلى رقم تم تسجيله على الإطلاق.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد