“حسيت روحي سلعَة”.. آلاف حالات الطلاق لفتيات قاصرات بالعراق

“حسيت روحي سلعَة”.. آلاف حالات الطلاق لفتيات قاصرات بالعراق
أستمع للمادة

“أهلي زوجوني وآنه ما أعرف شنو الزواج”. تبدو تلك الجملة أبسط وأعمق تجسيد للواقع الذي تعيشه القاصرات في العراق، لكن المؤلم في الأمر هو ما بعد الكارثة في ظل مجتمع غير أبالي.

“حسيت روحي سلعة”، بتلك العبارة تقول سلوى علي لـ “الحل نت”، وهي تروي قصة زواجها من مسن يناهز عمره الـ 60 عاما، وتعاتب أهلها على كل المعاناة التي عاشتها.

عائلة سلوى زوّجتها وهي بسن الـ 12 لرجل مسن، لكن الزواج لم يستمر حتى جاء الطلاق بعد مأساة وألم لا حد له بحسبها. “زوّجوني بسبب فقرهم وآنه ما أعرف شنو يعني الزواج”.

كان لافتا، ما أصدرته صحيفة “القضاء” العراقية، لسان “مجلس القضاء الأعلى”، أمس الأربعاء، من إحصائية وثّقت 4092 حالة طلاق لفتاة دون سن الـ 15 في العراق بآخر سنتين.

“بالگوة تطلگت”

تفاعل كبير شهدته منصات مواقع “التواصل الاجتماعي” العراقية، بعد صدور الإحصائية، مجملها كانت غاضبة من تفشي ظاهرة زواج القاصرات بشكل كارثي في البلاد، على حد تعبيرهم.

تقول سلوى: “أبوية بس يريد يخلص مني. يحسني عبء چبير عليه بسبب الوضع المادي للعائلة، وزوجني بأول فرصة من شخص بگد جدّي. أكبر من بابا نفسه”.

الحسرة تجر الحسرة مع كل كلمة تخرج من لسان سلوى وهي تتحدث لنا عن قصتها المرّة في زواجها “الفاشل”. “كان يعاملني خادمة له. بالكاد تحملت ذلك، حتى أنني أقدمت على الانتحار وفشلت”.

لم يستمر زواج سلوى سوى سنة ونصف حتى نالت الطلاق من زوجها السابق. تقول: “لحد هسه ما مصدگة انفصلت منّه. بس شيفيد خلصت من عذاب وإجيت لعذاب جديد”.

اللافت في الإحصائية التي أصدرتها “القضاء”، ارتفاع حالات طلاق القاصرات لأكثر من الضعف في عام 2021 عن عام 2020. 1498 حالة طلاق في عام “كورونا” و2594 في العام الذي تلاه 2021.

“بالگوة تطلگت”، بكل ما يحمله فؤادها المكلوم تلفظت سلوى بتلكم الكلمتين، حينما سألناها عن كيفية طلاقها من زوجها السابق. وتضيف: “اشترط ما يدفع الغايب وقبلت. بس أريد اخلَص”.

موروثات وعنف رمزي

مراد سلوى التي بلغ عمرها اليوم 14 عاما ونصف العام بطلاقها، تحقق، لكنها تعاني من العنف الرمزي منذ أن تطلقت وحتى اليوم من قبل أهلها، وبالخصوص والدها. “كل ما يشوفني يخزرني بحقد”.

لا تدري سلوى ما يخبئه لها مستقبلها، لكنها متيقنة من أنها لن تكون بحياة هانئة طالما بقيت مع أهلها، الذين وإن لا يطيقون عيشها معهم، فإنهم لا يسمحون لها برؤية مستقبلها خشية من “العيب والفضيحة”، بحسبها.

يتفق القاصي والداني على صعوبة إنهاء ظاهرة تزويج القاصرات في العراق لأسباب عديدة، لكن التركيز هو على كيفية الحد منها تدريجيا والوصول لنسبة كبيرة من شأنها محو تلك المشكلة الكبيرة.

أسباب لا حصر لها وراء تزويج القاصرات التي تكون نتيجتها الطلاق لاحقا، منها الوضع الاقتصادي للعديد من العوائل، ناهيك عن الموروثات الاجتماعية، على حد قول رئيسة منظمة “آيسن” لحقوق الإنسان، أنسام سلمان.

“الوضع الاقتصادي المتأزم للكثير من الأسر غير المتعلمة هو أهم الأسباب”، تقول أنسام، وتردف: “يدفع ذلك الوضع بالعوائل لتزويج بناتها وهن قاصرات أطفال، للتخفيف من متطلبات الحياة المادية على الأسرة”.

الموروثات الاجتماعية مشكلة حقيقية أخرى، بحسب أنسام سلمان. “الأم والأب تزوجا بعمر مبكر في وقتهم، فيطبقون ذات الأمر على بناتهم، بحجّة أن زواج البنت ضمانة لها”.

مسببات وحلول

أسباب الزواج باتت معروفة، فماذا عن مسببات الطلاق؟ “الزواج المبكر بحد ذاته هو سبب للطلاق”، تقول رئيسة منظمة “آيسن” لحقوق الإنسانة والتنمية المستدامة في حديث مع “الحل نت”.

“عدم نضوج الفتاة فكريا وعقليا واختلاف العمر والثقافات يسرّع حالات الطلاق”، وفق سلمان، التي تردف أن المشكلة ستكون أعمق إن كان الزوجين قصّر. “الزوج القاصر غير قادر على العمل، والزوجة غير قادرة على تحمل مسؤولية بناء أسرة”.

إلى الحلول، الحل الأبرز يكمن بمنع الزواجات الشرعية التي تحصل من قبل رجالات الدين، الذين يقومون بتزويج القصّر وفق الشريعة الإسلامية التي تستلزم بلوغ الفتاة فسيولوجيا لا عمريا، بحسب سلمان.

شهد شهر تموز/ يوليو الماضي، تصديق 4539 عقد زواج خارج المحاكم، أي لدى مكاتب رجال الدين، بحسب إحصائية رسمية للقضاء العراقي، يقابلها 3550 حالة طلاق خارج المحاكم لذات الشهر.

تردف أنسام: “تفعيل دور الباحث الاجتماعي مهم لتفادي حالات الطلاق لاحقا؛ لأن تداعيات الطلاق أصعب من الزواج”، بحسب المدافعة عن حقوق الإنسان، “خاصة وإن حدث الانفصال وهناك أطفال”.

“عدم تصديق عقود الزواج إلا بعمر الـ 18 من قبل المحاكم وتنفيذ القانون المدني الضامن للحقوق بعيدا عن الرضوخ للشرع، سيحد بشكل كبير من تزويج القاصرات وما ينتج عنه من حالات طلاق”، تقول أنسام مختتمة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول قصص صحفية