الأسعار في سوريا على مزاج البائعين ومن لا يشتكي سيدفع!

الأسعار في سوريا على مزاج البائعين ومن لا يشتكي سيدفع!
أستمع للمادة

“الأسعار تتغير بشكل ساعي وليس فقط يوميا. أحيانا أشتري غرضا ما في الصباح، وفي المساء يشتريه أحد جيراني أو زملائي في الدائرة بسعر آخر، وبفارق يصل أحيانا إلى ألف ليرة سورية، وهذا مبلغ يُنظر إليه حقيقة ويشكل فرق بالنسبة لموظفي الحكومة، أمثالنا. أما دوريات الرقابة والتموين فهي بالفعل متقاعسة مع البائعين والتجار، وهم الذين فتحوا الباب على مصراعيه للتلاعب بالأسعار حسب ارتفاع الدولار مقابل الليرة، وكأن المواطن السوري دخله بالدولار وليس بالليرة السورية”، هكذا تشرح السيدة نوارة ديب، خلال حديثها لـ”الحل نت” وضع الأسعار في الأسواق السورية، وأنه يكون وفق أهواء البائعين والتجار، وسط غياب دوريات الرقابة والتموين، بل وتحمّلهم مسؤولية هذا التفاوت السعري في الأسواق والمحلات بشكل عام.

وقد شهدت الأسعار في السوق السورية، خلال الفترة الحالية ارتفاعات كبيرة نسبيا، التي تُزيد من معاناة المواطنين إضافة إلى معاناتهم اليومية العديدة، وسط تدني مستوى الرواتب والمداخيل بشكل عام.

ما علاقة انقطاع الكهرباء؟

في سياق تبدل الأسعار، تضيف نوارة، السيدة الأربعينية، وهي مستاءة من الوضع بشكل عام، وترجع ذلك لعجز الحكومة عن احتواء الأزمات وعدم القدرة على ضبط الأسواق، “خلال الفترة الماضية، في أوقات الحر الشديد، اعتدت أنا أو أحد أبنائي على شراء المياه المعبأة والألبان والجبن من العديد من المحال في منطقتنا، وأحيانا كان زوجي يشتريها من الأسواق العامة، عند عودته من العمل، لكن، كان هناك فروقا بين الأسعار وبفارق يصل إلى أكثر من ألفي ليرة”.

لم تعد أسباب ظاهرة ارتفاع الأسعار ترتبط برغبة التجار وغياب الرقابة الحكومية فقط، فهناك العديد من العوامل التي تظافرت معا لتزيد من أسعار المواد الغذائية خاصة تلك المصنّعة من الحليب، وعلى رأسها تقنين الكهرباء والأعلاف وغير ذلك.

تقرير سابق لصحيفة “الوطن” المحلية، أفاد نقلا عن بعض أصحاب المحلات أنهم خلال الفترة الحالية خفّضوا الكميات التي يشترونها من الحليب بنسبة كبيرة، خوفا من تلف المواد نتيجة الانقطاعات الطويلة للكهرباء، وعدم استطاعتهم تحمّل تكاليف تشغيل المولدة لفترات طويلة بالتوازي مع صعوبة تأمين مادة المازوت للمولدات، وغلاء سعر المادة في السوق السوداء، ناهيك عن ارتفاع سعر اسطوانة الغاز الصناعي في السوق السوداء، والذي وصل لأرقام مرتفعة.

كما أوضح آخرون أن المواطن بات يشتري كميات قليلة من مشتقات الحليب تكفي حاجته اليومية، خوفا من أن تكون تالفة وغير صالحة للاستهلاك نتيجة زيادة ساعات التقنين خلال الفترة الحالية.

من جهة ثانية، أكد عضو الجمعية الحرفية لصناعة الألبان والأجبان، أحمد السواس، أن حرفة صناعة الألبان والأجبان باتت للأقوياء فقط، القادرين على تشغيل المولدات، والذين يملكون رأسمال كبير، لافتا إلى أن الحرفي الذي لا يملك رأسمال كبير وغير القادر على تشغيل مولدة ترك مهنته، وخرج من الخدمة اليوم.

ولفت إلى أنه نتيجة الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي وازدياد ساعات التقنين وارتفاع التكاليف، خرج عن الخدمة أكثر من 25 بالمئة، من حرفيي صناعة الألبان والأجبان، مبينا أن سعر الحليب يرتفع أسبوعيا خلال الفترة الأخيرة، كذلك حوامل الطاقة ترتفع وهذه التكاليف الزائدة لا يستطيع الحرفي تحملها لذا يضطر للخروج عن الخدمة، كي لا يدخل بمتاهة التكاليف المرتفعة وتبقى البضاعة لديه، ولا يستطيع تصريفها وبيعها.

في هذا الإطار يقول أبو ماهر ياسين صاحب محل لبيع المواد الغذائية “سوبر ماركت” في ريف دمشق، إن أسعار المواد التي تعتمد على وجود الكهرباء حتى لا تتلف مثل الجبن والألبان وحتى اللحوم البيضاء “المغلفة”، أو السلع المتوافقة مثل مياه الشرب التي يجب أن تكون باردة نوعا ما، تحتاج لتشغيل المولدات، لعدم وجود الكهرباء وبسبب نقص المحروقات يضر الناس للشراء من السوق السوداء بسعر أعلى.

أبو ماهر أضاف لـ”الحل نت”، مستدركا بقوله: “طيب إذا الزبون بدون لبن وجبن كل يوم، ومي باردة، من وين بدي دبر الكهربا لحتى ما يخربو، جباري بدي شغل المولدة لحتى أحسن بيع للناس، وجباري السعر راح يكون مرتفع ومتبدل بين يوم وآخر، حسب توفر الكهربا”.

قد يهمك: “المكدوس” خارج قائمة الأكلات الشعبية في سوريا.. “الإندومي” على نفس الطريق!

الشكوى الشفهية كافية؟

نوارة ديب، التي تعيش في مشروع الصليبة بمحافظة اللاذقية في الساحل السوري، وهي تعمل موظفة حكومية، تقول أنه بالكاد يصل راتبها إلى أكثرمن 100 ألف ليرة سورية بقليل، ويذهب معظمه للدخان ومستلزمات الأركيلة ومشروب المتة، الذي بات سعره بـ”العلالي”، وأحيانا يذهب أكثر من قيمة الراتب لهذه المستلزمات التي تعد “رفاهية”، ولكنها تعد شيء أساسي من الحياة اليومية لديهم. ديب تعيش مع أسرتها المكونة من 4 أفراد، هي وزوجها وأولادها الإثنين، في منزلها الكائن في الحي الذي يعتبر جيدا نوعا ما.

ديب التي تعتمد على مصدر دخل آخر، هي أن لديها منزل آخر يؤجرونه لإعالتهم في معيشتهم اليومية، بالإضافة إلى راتبها وراتب زوجها الذي يعمل مدرسا في مدرسة ثانوية ويعطي دروسا خاصة للطلاب، وإلا فلن يتمكنوا من إعالة أنفسهم وسط تدني الرواتب أمام الواقع المعيشي العصيب.

وعن عدم جدوى دوريات المراقبة والتموين، تقول ديب “كثير من الناس يشتكون باستمرار لهيئات الرقابة الحكومية، لكن لا حياة لمن تنادي، كما أنني أعرف العديد من أصحاب المحلات الغذائية والتجار الكبار، أنهم يمررون البضائع بالتسعيرة التي يرغبونها، وبتراخي مع الجهات الرقابية أي يرشوهم، والأخير يغضون الطرف”.

بحسب تقرير لصحيفة “الوطن” المحلية، مؤخرا، وجهت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك إنذارا عبر صفحتها على “فيسبوك”، إلى جميع المستوردين وتجار الجملة الذين يصدرون فواتير وهمية، وهم بالأساس يتقاضون أسعارا مرتفعة بأن يتوقفوا عن ذلك فورا ويتقيدوا بالأسعار التموينية الموضوعة من الوزارة بناء على بيانات التكلفة، التي هي بالأساس مقدمة من قبلهم.

وأوضحت الوزارة، أنه من تاريخ نشر هذا الإنذار لن تعتمد الرقابة التموينية على التصريح الخطي ضدهم كشكوى فقط، بل على الشكاوى الشفهية أيضا، وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفق المرسوم التشريعي رقم 8 عام 2021، مع إحالتهم إلى القضاء موجودا، وشددت على ضرورة الالتزام التام بتسعيرة الوزارة من جميع الفعاليات الاقتصادية، قائلة: “على من لديه إثبات بأن كلفته أعلى من تسعيرة الوزارة فليتقدم ببيانات كلفة إلى مديرية الأسعار في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك”.

في مقابل قرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك الجديد، بين عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، ياسر اكريم، بأن التسعيرة التموينية التي توضع من وزارة التجارة الداخلية غير صحيحة وبعيدة عن الواقع ولا يعمل بها، وعلى سبيل المثال فإن التسعيرة التموينية الصادرة بالنسبة للفروج تقارب الـ 70 بالمئة تقريبا من واقع السعر الحقيقي.

ضبوط تموينية بحق مخالفات في ريف دمشق ودرعا واللاذقية، وكالة “سانا”

وطالب اكريم، بضرورة حل معضلة أن تكون التسعيرة التموينية صحيحة، ومن ثم يتم اعتمادها وفرضها على التجار، إما أنه لا يعمل بها كما يجري اليوم، ومن ثم يتم وضع قوانين بأنها المعتمدة والأساسية فهذا يدل على وجود خلل، موضحا أن هناك فارقا بين التسعيرة المتداولة في السوق وبين التسعيرة التموينية.

أما فيما يتعلق بالشكوى الشفهية، فأشار اكريم، إلى أن الاعتماد على الشكاوى الشفهية أمر غير منطقي وغير قانوني باعتبارها غير موثقة دائما بالقوانين، لذا يجب أن تكون موثقة وصحيحة، لافتا إلى أنه يجب الاعتماد على التصريح الخطي إضافة لطرق أخرى للشكوى التي من الممكن أن تكون عن طريق التصوير، والتوثيق عن طريق الموبايل على سبيل المثال عند وجود مخالفة باعتبار أن التوثيق بالصورة أصبح متاحا، وأصدق من الشكوى الشفهية.

قد يهمك: أسعار الفروج تُحلّق.. غذاء السوريين نباتي؟

ارتفاع الأسعار

بحسب تقرير لموقع “بزنس 2 بزنس“، فقد تجاوز سعر كيلو السكر الـ 5 آلاف ليرة سورية، بينما وصل سعر الفول الحب إلى نحو 8000 ليرة سورية، والحمص الحب بلغ حوالي الـ 10 آلاف ليرة سورية.

أشار العديد من المواطنين إلى أنهم ألغوا فكرة شراء الحبوب وتخزينها بشكل عام فيما بات كل شخص يشتري حسب حاجته، علما أن كل سعر الكيلو المغلف من الحبوب يزيد بحوالي 10 آلاف ليرة عن الفرط والسبب ارتفاع أجور التغليف وفق ما بينه التجار.

كذلك، فلا يزال سعر كيلو الفريكة عند 18 ألف و500 ليرة سورية، في حين وصل سعر الكيلو العدس الأسود إلى سعر تقريبي قدره 9500 ليرة سورية، بينما بلغ سعر كيلو العدس الأحمر نحو 10400 ليرة.

وفي أسعار الأرز، سجل كيلو الأرز المصري سعرا يتراوح بين 5500 لـ 6000 ليرة سوري، والأرز الصيني بلغ سعرا قدره 4000 ليرة سورية، بينما بلغ سعر كيلو البرغل بنوعية الخشن والناعم نحو 9000 ليرة سورية.

وبالنسبة، للزيوت، فقد وصل سعر لتر زيت دوار الشمس إلى حوالي 14 ألف ليرة سورية، في حين بلغ سعر ليتر زيت الصويا 12 آلاف ليرة سورية، أما أسعار السمون فقد بلغ سعر عبوة السمن النباتي زنة 2 كيلو غرام حوالي 20 ألف ليرة سورية، بينما قد تصل عبوة السمن البقري زنة 2 كيلو غرام إلى حوالي 50 ألف ليرة سورية.

أحد أسواق دمشق “إنترنت”

الجدير ذكره، أن الأسعار تتفاوت من سوق لآخر حسب مزاجية البائع أو مستوى المنطقة الاجتماعية، وعلى مدار السنوات الماضية ورغم إطلاق العديد من الوعود بضبط الأسعار وتسجيل آلاف الضبوط المخالفة، فقد فشلت وزارة التموين السورية، في ضبط أسعار السلع والمواد الغذائية في الأسواق، وذلك تزامنا مع الارتفاع المستمر في أسعار المواد النفطية، والتكاليف التشغيلية على المنتجين، فضلا عن الانخفاض المستمر لقيمة الليرة السورية.

قد يهمك: الأسواق في سوريا لـ“الفرجة والمفاصلة” فقط؟!

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد