ملف اللاجئين مفتاح رئيسي.. هل تنجح المفاوضات الأمنية بين أنقرة ودمشق؟

ملف اللاجئين مفتاح رئيسي.. هل تنجح المفاوضات الأمنية بين أنقرة ودمشق؟
أستمع للمادة

كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية التركية، حتى تبدأ أنقرة في تسليط الضوء على الملفات الأكثر إثارة واهتماما للداخل التركي، وذلك عبر تصريحات لمسؤولين أتراك أو عبر وسائل الإعلام، بغية كسب الحزب الحاكم حاليا في البلاد الأصوات الانتخابية إلى أعلى رقم ممكن. ولعل أبرز هذه الملفات هو ملف “اللاجئين السوريين” في تركيا، والذي بات وجودهم يشكّل الهاجس الأكبر لدى السلطات التركية، خاصة مع زيادة حدة العنصرية والقيود تجاه اللاجئين السوريين هناك خلال الفترة الفائتة.

يأتي ذلك في وقت شهدت الفترة الماضية جولة ماراثونية من التصريحات التركية بشأن إعادة العلاقات مع الحكومة السورية، والتركيز على عدم رغبة تركيا في عزل الرئيس السوري بشار الأسد، وكذلك رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في لقاء الأسد مؤخرا، ونظرا للشروط الصعبة من كلا الطرفين لبعضهما البعض، بدت ملامح هذه التصريحات أكثر وضوحا مع الوقت، ويبدو أن رغبة أنقرة في إعادة العلاقات مع دمشق ليست بهذا القدر من الجدية، لكن يمكن اعتباره إجراء تكتيكي لإمرار الوقت حتى الوصول إلى الانتخابات التركية، إضافة إلى تحقيق المصالح الحالية للطرفين على الصعيد السياسي والاقتصادي لا أكثر.

على الرغم من صعوبة تحقيق العودة الآمنة للاجئين السوريين لعدة أسباب أبرزها؛ عدم امتلاك دمشق القدرة الاستيعابية لتحمل هذا العدد الكبير من السوريين، خاصة بعد تدمير منازل معظم اللاجئين، حيث ستشكل بلا شك تهديدات سياسية واقتصادية وأمنية على دمشق. لكن صحيفة “صباح” التركية أثارت هذه النقطة في تقرير نشرته يوم أمس الأحد، حين وصفت المباحثات بين المسؤولين الأمنيين، هاكان فيدان وعلي مملوك، بأنها كانت بمثابة محاولة لوضع خريطة طريق للعودة الآمنة للسوريين في تركيا إلى بلادهم، مشيرة إلى أنه تمت مناقشة القضايا ذات الأولوية للطرفين وهوامش المرونة والبنود الرئيسية لخريطة الطريق التي يجب اتباعها من الآن فصاعدا. ولكنها أكدت أن الأمر سيستغرق بعض الوقت للحصول على نتيجة ملموسة من هذه المحادثات.

لقاء بين الأسد وأردوغان قبل عام 2011 “إنترنت”

صحيح أن لكل طرف دوافع وأهداف وأولويات مختلفة في أي تغيير في العلاقات، ويحرص على تحقيقها قبل منح ما يريده الطرف الآخر. ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف يدار من خلال مسار تفاوضي، لذلك تثار عدة تساؤلات حول مصير هذه المفاوضات الأمنية بين المسؤولين الأمنيين في دمشق وأنقرة، وما إذا كان ملف اللاجئين هو المفتاح الرئيسي لفتح العلاقات السياسية بين الجانبين فيما بعد، والعقبات التي تقف في طريق استكمال المفاوضات الأمنية والارتقاء إلى المستوى السياسي سواء بين وزراء الخارجية أو الرؤساء.

لا علاقات سياسية في المدى المنظور؟

الحكومة الحالية في أنقرة تسعى أكثر في أي وقت مضى في إعادة علاقاتها مع دمشق، حتى كان “حبر على ورق” وبدون أي تطبيق فعلي على أرض الواقع، فقط لإبراز هذه الورقة أمام حاضنتها الشعبية في الداخل التركي؛ على الأقل في الفترة الحالية. وبعد التصريحات السياسية حيال ذلك، ازدادت وتيرة اللقاءات الأمنية بين الجانبين، كان آخرها لقاء رئيس المخابرات التركية، هاكان فيدان، ونائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية علي مملوك، وقد كشفت صحيفة “صباح” التركية، تفاصيل المحادثات التي أجراها رئيس المخابرات التركية، مع مملوك، في دمشق خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وقالت الصحيفة التركية، إن المباحثات كانت “محاولة لوضع خارطة طريق للعودة الآمنة للسوريين”، وتم مناقشة القضايا ذات الأولوية لدى الجانبين، وهوامش المرونة والمواضيع الرئيسية لخريطة الطريق التي يجب اتباعها من الآن فصاعدا.

وفق الصحيفة التركية، فقد عرض المسؤولين الاستخباراتيين الأتراك في دمشق، قضايا ضمان العودة الآمنة لجميع طالبي اللجوء، وإعادة العقارات لأصحابها، وتهيئة ظروف العمل والتوظيف، وضمان عدم إصدار أحكام بحقهم.

كما وأن المسؤولون الأتراك، أكدوا على ضرورة إلغاء القانون رقم 10 لعام 2018، والذي أصدرته الحكومة السورية في الثاني من نيسان/أبريل عام 2018 ويقضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر في المناطق التي دمرتها الحرب، إلا أنه ينص على سحب ملكية العقار من المواطن خارج البلاد الذي لا يقدم إثباتات الملكية خلال 30 يوما، وبالتالي فسّر الحقوقيين القرار، بأن الغاية منه عقاب جماعي للسوريين في دول اللجوء.

أما بخصوص ما طرحه الجانب السوري خلال لقاء فيدان والمملوك، ذكرت الصحيفة أن دمشق طالبت بانسحاب القوات التركية من كامل سوريا، وكان رد الوفد التركي أن أنقرة ملتزمة بوحدة الأراضي السورية، لكن يمكن تقييم هذه المطالب لاحقا، بشرط استكمال العملية الدستورية وإجراء انتخابات حرة وتجديد اتفاقية “أضنة” لمكافحة الإرهاب الموقعة بين تركيا وسوريا عام 1998.

الصحيفة، أكدت أنه ليس من المتوقع أن تكون هناك لقاءات في المدى القريب على مستوى الوزراء من الجانبين التركي والسوري أو لقاء بين أردوغان والأسد.

من جهته، يرى الأكاديمي والباحث السياسي زكريا ملاحفجي، أن اللقاءات الأمنية بين أنقرة ودمشق موجودة بالأصل ومنذ سنوات، ولا يعتقد أنها ستتحول إلى مستوى سياسي في وقت قريبا على الأقل. وبحسب مصادر مفتوحة، فإن اجتماع فيدان ومملوك هو السابع بين الطرفين بعد أن بدأت سلسلة اجتماعاتهم منذ عام 2018.

قد يهمك: علي مملوك يلتقي رئيس المخابرات التركية في دمشق.. ماذا بعد ذلك؟

عودة لمناطق معينة فقط؟

أما بالنسبة لموضوع عودة النازحين السوريين واللاجئين، يعتقد ملاحفجي، خلال حديث خاص مع “الحل نت”، أن الحديث يدور حول المناطق التي لا يوجد فيها تواجد عسكري والتي يوجد فيها إدارات خدمية ومدنية وتكون بمثابة خطوة تجريبية، وهذا ممكن فقط في بعض المناطق، سواء في منبج وتل رفعت في ريف حلب، أو في المناطق التي قدمتها الحكومة السورية في ما يسمى بـ”خفض التصعيد”.

بالمعنى العام، فإن عودة اللاجئين غير ممكنة، فقد فشلت كل محاولات الجانب الروسي في هذا الصدد من قبل، عندما اقترحوا عودة مليون ونصف المليون لاجئ سوري، وعاد 7 آلاف فقط منهم، وكذلك فشل مؤتمر اللاجئين الذي دعا إليه الروس منذ نحو عامين، على حد تعبير ملاحفجي.

والعامل الآخر الذي يشير إلى فشل خارطة الطريق للعودة الآمنة للسوريين في تركيا إلى بلادهم، هو أن “الناس لا يثقون بالنظام السوري، والنظام لديه قوائم ولوائح وملاحقين يتجاوز عددهم المليون شخص”، على حد وصف ملاحفجي.

وبالتالي، فإن التقارب بين الطرفين لا يمكن أن يحصل في المدى المنظور، وذلك بالنظر إلى الإشكاليات الكبيرة والمعقدة، التي تواجه إحداث تحوّل ملموس وفعلي في العلاقة بين أنقرة ودمشق، فضلا عن أن ذلك كله رهن ما ستؤول إليه الانتخابات التركية المقبلة في الصيف القادم، وما ستؤول إليه المباحثات بين الحكومة السورية والمعارضة السورية والتي ستتم برعاية تركيا، في حال الاتفاق عليه لاحقا.

أيضا، لا يمكن تجاوز مسألة الوضع الإقليمي والدولي، أي إذا كانت للولايات المتحدة الأميركية شروطا وخططا أخرى، الأمر الذي سيغير من مجمل معادلة هذا التقارب، نظرا لأن هذا التقارب التركي السوري ليس مستقلا تماما بين دمشق وأنقرة، بل هناك عوامل خارجية وأطراف أخرى تؤثر على مجريات هذا التقارب.

قد يهمك: “قافلة النور”.. هل فرضت أنقرة الهجرة على السوريين نحو أوروبا؟

ذريعة تركيا الأزلية

وكالة “رويترز”، كانت قد نقلت، مؤخرا، عن 4 مصادر، لم تسمها بالاسم، أن رئيس المخابرات التركية فيدان، عقد اجتماعات عدة مع رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك في دمشق خلال الأسابيع القليلة الماضية. كما أكد مسؤولون أتراك ومصدر إقليمي أن هذه الاتصالات تعكس تحولا في السياسة الروسية التي تضغط من أجل تطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة. ويبدو أن موسكو تعد نفسها لصراع طويل الأمد في أوكرانيا، وهي تسعى إلى تأمين موقعها في سوريا، حيث تدعم قواتها دمشق منذ عام 2015.

المسؤول التركي أضاف إن روسيا “تريد أن يتجاوز الطرفان خلافاتهما ويتوصلا لاتفاقيات محددة تصب في مصلحة الجميع، بما في ذلك تركيا وسوريا. إلا أن أحد التحديات الكبيرة تكمن في رغبة أنقرة في إشراك الفصائل المسلحة المعارضة في أي محادثات مع دمشق”.

هاكان فيدان ووزير الدفاع التركي خلوصي أكار “إنترنت”

في المقابل، قال عضو اللجنة التنفيذية لحزب “العدالة والتنمية” أورهان مير أوغلو، أن أردوغان مستعد للقاء الأسد، ولم يرفض فكرة اللقاء به.

وقال ميري أوغلو لوكالة “سبوتنيك” الروسية، الجمعة، أن “انسحاب الجيش التركي من الأراضي السورية أمر غير وارد حاليا”، وتتذرع تركيا أن “سبب وجود القوات التركية في سوريا هو حزب العمال الكردستاني، وتهديداته، وأن مساعي أنقرة تتمثل بحماية وحدتها الوطنية ووحدة أراضيها”.

وعليه، فإن عودة العلاقات التركية السورية على المستوى السياسي أو عقد لقاء بين أردوغان والأسد، هو أمر قد يكون مستبعدا على الأقل حتى نهاية العام الجاري، ذلك لكبر حجم الخلافات بين أنقرة ودمشق، فضلا عن التصادم مع قناعات الأطراف الأخرى، خاصة وأن الولايات المتحدة أوضحت بشكل صريح وواضح، أنها لم ولن تدعم التطبيع مع الأسد، كما وأن واشنطن لم تعد تربط نفوذها في سوريا بالنفوذ التركي، كما أنها لم تشارك في المغامرات التركية مع روسيا وإيران في مساري “سوتشي” و”أستانا”.

قد يهمك: روسيا تُجهز معارضة سورية للتفاوض مع دمشق.. ما النتائج؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة